في بداية آب وسعت القوات الانفصالية، التي تطالب باستقلال جنوب اليمن وتتمتع بدعم اتحاد الإمارات، سيطرتها في جنوب اليمن، وسيطرت ضمن أمور أخرى على القصر الرئاسي ومنشآت عسكرية في عدن، مدينة الميناء الاستراتيجية والعاصمة البديلة لحكومة اليمن المطاح بها. وتأثر هذا التطور بتصريح اتحاد الإمارات عن نيتها سحب قواتها من اليمن، على خلفية التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة والتخوف من التصعيد العسكري في المنطقة. ورغم أن الرياض وأبو ظبي تحاولان بث الإحساس بأن الأمور كالمعتاد وأعلنتا عن تشكيل لجنة ثنائية لإدارة “وقف النار”، إلا أن السعودية واتحاد الإمارات اللتين قادتا القتال في اليمن ضد الثوار الحوثيين، تتبنيان عملياً فكراً مختلفاً حول مستقبل اليمن، المنقسم عملياً بين حكمين، قوات عسكرية ومنظومات اقتصادية، وبالأساس يبرز الانقسام التاريخي بين الشمال والجنوب والمطالبات الناشئة عنه. هذا الانقسام قد يضع الحليفين المركزيين في التحالف العربي على جانبي المتراس، وتحدي منظومة العلاقات بينهما، وكذا الصراع الإقليمي حيال إيران. فبينما تعمل السعودية على إعادة اليمن إلى إطاره السياسي الموحد قبل الحرب وإعادة الحكم الذي أطيح به في بداية 2015 إلى سابق عهده، فإن اتحاد الإمارات تفضل تثبيت العلاقات مع دولة جنوب اليمن، ذات المقاييس والتركيبة الأصغر من الدولة الموحدة، وتخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لاتحاد الإمارات.
في أعقاب سيطرة الثوار الحوثيين على أجزاء واسعة في اليمن، منذ نهاية 2014 وبداية 2015، بما في ذلك العاصمة صنعاء، فر رجال حكم الرئيس عبد ربه منصور هادي، إلى عاصمة دولة الجنوب السابقة – عدن. في أشهر الحرب الأولى، خرج هادي وبعض رجاله إلى الرياض. من عدن والرياض أدار الحكم المطاح به معركة بمساعدة السعودية والتحالف الإقليمي الذي أقامته في آذار 2015 ضد الحوثيين. واستدعى تواجد الحكم المطاح به في جنوب اليمن منذ بدايته التوترات بينه وبين “حركة تحرير الجنوب”، رغم أن الطرفين هما جزء من التحالف ضد الحوثيين. وكلما اشتدت الحرب تصاعد النقد في الجنوب على “الضيوف” من صنعاء بالنسبة إلى إدارة الدولة في الجنوب وفشل المعركة العسكرية. وطالب مسؤولون كبار في الحركة الجنوبية بتوسيع تمثيلهم في منظومات الحكم، وفقاً لمساهمتهم في الحرب ضد الحوثيين ومكانتهم التاريخية في الجنوب. أما إسنادهم ودعمهم من جانب اتحاد الإمارات فحركا تأسيس “المجلس الانتقالي الجنوبي” الذي أصبح القوة الرائدة المطالبة بتحرير الجنوب، ووقف إلى جانبه “الحزام الأمني” الذي أقامته اتحاد الإمارات كحزام دفاع عسكري للمحافظات الجنوبية في وجه الحوثيين. معظم مقاتلي “الحزام الأمني” يقفون تحت تصرف المجلس الانتقالي وهم يعملون باسمه في محافظات: عدن، وأبين، والدالع، وشبوة.
لقد أوضح استعراض القوة من مقاتلي “الحزام الأمني” في عدن، في بداية آب هذه السنة، بقوة، المعنى العسكري والقوة السياسية لـ “المجلس الانتقالي الجنوبي”. يبدو أن اليمن يقف على شفا حرب أهلية داخل الحرب الأهلية الجارية فيه منذ خمس سنوات. فقد استولى المجلس الانتقالي ورجاله على القصر الرئاسي في عدن في 10 آب ودعوا إلى إقامة دولة مستقلة في الجنوب. زعيمهم عدروس الزبيدي، شدد على أن السعي إلى إعادة توحيد اليمن معناه عودة إلى الوضع الذي أدى إلى الحرب، وبالتالي يجب إعادة الجنوب إلى استقلاله مثلما كان قبل الوحدة في أيار 1990. في نظره، هذا الترتيب يناسب الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية لليمن، ومعظم تاريخ المنطقة اليمنية. ودعا الجهات الدولية وحكم هادي والسعوديين إلى الاستجابة إلى إعادة إقامة دولة الجنوب. غير أن الرد السعودي وسلوك “المجلس الانتقالي” حالياً هو بالأساس عسكري ويتسع في مناطق الجنوب، في أبين وشبوة مثلاً، رغم تصريحات الانفصاليين عن انسحاب القوات من عدن ودعوة التحالف إلى بدء المفاوضات.
إن دولة جنوب مستقلة لا تخدم المصالح السعودية أو حكم هادي، ولا سيما عندما تكون معظم أراضي دولة الشمال السابقة تحت سيطرة الحوثيين، الذين تصفهم السعودية بأنهم “فرع إيراني” في جنوب شبه الجزيرة العربية. أما عملياً، فهذه صورة الوضع الحالية في اليمن. بالمقابل، فإن دولة جنوب مستقلة هي أمنية للحركة الجنوبية ومؤيديها، ولكن “المجلس الانتقالي” يتعرض للنقد على سلوكه. والمعارضة في محافظة شبوة أدت إلى انضمام المقاتلين المؤيدين لاستقلال الجنوب إلى قوات هادي. كما أن لاتحاد الإمارات مصلحة في وجود دولة جنوب، كون هذه ستساعد على ترشيح المنافسة الاقتصادية مع الموانئ في دبي وأبو ظبي وتوسيع النشاط الاقتصادي مع الدول في إفريقيا. إضافة إلى ذلك، فإن دولة الجنوب ستسمح لدول الخليج الصغيرة بإدارة علاقات خارجية ليست في إطار “صراع الجبابرة” بين إيران والسعودية.
إن الخلافات التي نشبت بين السعودية والإمارات والقوات التي تتمتع بدعمهما في اليمن هي تعبير عن مصالحهما المختلفة منذ البداية. فالسعودية ركزت على التهديد الذي يأتي أساساً من جهة الحوثيين، الذين يهاجمون أهدافاً استراتيجية، مدنية وعسكرية، في أراضيها. فقد كانت مستعدة لأن تتعاون مع قوات مختلفة، بما فيها تلك المتماثلة مع الإسلام السياسي وحتى مع الحزب “إصلاح” اليمني الذي وصفه السنيون بأنه منظمة إرهابية. أما الإمارات فترى في هذه القوات تهديداً على استقرارها وأمنها القومي، وترى في عدم استقرار جنوب اليمن تهديداً على حرية الملاحة في بحر العرب وحول مضائق باب المندب، إلى جانب مصالح اقتصادية أخرى.
في هذه المرحلة، توجد على جدول الأعمال عدة أسئلة مفتوحة. أولاً، سيكون مشوقاً أن نرى كيف ستؤثر التطورات الأخيرة في حرب اليمن على العلاقات بين محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، ومحمد بن زايد ولي عهد اتحاد الإمارات، اللذين كان التعاون السياسي والعسكري بينهما في اليمن، بداية الحرب، دليلاً على قوة العلاقات بين الدولتين. ولكن هل الإعلان عن خطوة إخلاء قوات اتحاد الإمارات من اليمن تعكس تردياً في العلاقات بين الدولتين أم ترتبط بالساحة اليمنية فقط؟ قد يعكس إخلاء القوات من اليمن رغبة اتحاد الإمارات للابتعاد عن المعركة التي قادتها السعودية على خلفية نقد الكونغرس الأمريكي، لتقليص الخسائر التي وقعت في أثناء المعركة المتواصلة ولتركيز الانتباه والمقدرات على التهديد المركزي – إيران، ويحتمل حتى لمصالحتها. ولا تزال للدولتين مصلحة في بلورة جبهة موحدة ورأب الصدوع بينهما، التي ترغب إيران في توسيعها.
إضافة إلى ذلك، فإن الانسحاب العسكري لاتحاد الإمارات من اليمن سيجعل من الصعب على السعوديين هزيمة الحوثيين، وإن كان.. فلأن عبء القتال البري يقع أساساً على كاهل اتحاد الإمارات ويجد تعبيره في معظمه بواسطة مرتزقة من الصومال وكولمبيا وقوات من المقاتلين المحليين. إن الوضع الراهن يجعل الأمور صعبة على السعودية ويحتمل أن تضطر بسبب ذلك إلى التنازل في المفاوضات مع الحوثيين. هذه الوضعية إشكالية للمملكة التي تسعى إلى “النزول عن السلم” في ضوء تصعيد هجمات الحوثيين على أهداف في السعودية وتحسين اتصالهم مع إيران (تعيين سفير لطهران). ولا بد أن الحوثيين يلقون التشجيع من الانحلال العملي للتحالف المضاد لهم، من الضرر الناشئ لصورة السعودية، سواء كـ “نمر من الورق” أم كمساهمة في المصيبة الإنسانية في اليمن. يحتمل أن تضطر الرياض إلى أن تتبنى خطاً مكبوحاً أكثر من ذاك الذي ميز قتالها منذ بدايته -وبالمقابل ستطور منظومات الدفاع الجوي، الدفاع السلبي وقدرات الاستخبارات – كيف تسمح بهجوم موضعي للأهداف الحوثية. يبدو أنه لم يتبقَ للسعوديين رافعة ضغط حيال الحوثيين ومؤيديهم. رافعة الضغط توجد بعيداً في واشنطن، حيث يسعون إلى إعادة الأطراف إلى المفاوضات، هذه المرة برعاية ومساعدة سلطة عُمان.
يفترض بالولايات المتحدة وإسرائيل أن تكونا قلقتين من نتائج النزاع في اليمن، خصوصاً إذا ما منح انسحاب اتحاد الإمارات ريح إسناد للحوثيين. هذا الانسحاب قد يثبت وضعاً يكون فيه الحوثيون، الذين يتعزز التعاون بينهم وبين إيران ويتوثق في أعقاب الحرب، يسيطرون في دولة شمال اليمن، ويواصلون ضرب المنشآت الاستراتيجية في السعودية وتهديد حرية الملاحة في البحر الأحمر. إن وهن محور الرياض– أبو ظبي في اليمن، بل وربما انحلاله، سيخدم إيران وسيكون له تأثير سلبي على مصالح إسرائيل والولايات المتحدة، الساعيتين إلى تشديد الضغط على إيران وشركائها في المنطقة.
بقلم: عنبال نسيم لبتون، يوئيل جوجانسكي وآري هايستين
نظرة عليا 10/9/2019