صورة أرشيفية
بيروت- ” القدس العربي”: لم تمض ساعتان على الحملة غير المسبوقة التي شنّها رئيس الحكومة حسان دياب على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة حتى ردّ رئيس “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري بلجهة قاسية على الرئيس دياب، متهماً إياه بإعلان “انقلاب بلغة عسكرية حتى ليكاد مطلقها جنرالاً يتقمّص دور رئيس للحكومة”. وقال “إنها مرحلة الانتقام من مرحلة كاملة يفتحونها على مصراعيها، برافو حسان دياب لقد أبليت حسناً، وها هم يصفّقون لك في القصر ويجدون فيك شحمة على فطيرة العهد القوي”، مستغرباً “كيف يمكن أن تغيب عن رئيس لحكومة الجهة التي تسبّبت بنصف الدين العام من خلال دعم الكهرباء، وألا تسأل عن السياسات التي أضرّت بعلاقات لبنان العربية والدولية، وهل هي جميعها من صناعة حاكم مصرف لبنان؟”.
وجاء في بيان للحريري “برغم الضجيج الذي رافق عودتي إلى بيروت وملأ مواقع التواصل ووسائل الاعلام بتحليلات وتوقعات وتمنيات لم تكن في معظمها موفّقة، فقد آثرت مقاربة الأوضاع حيث دعت الحاجة، من منطلق الضرورات التي توجبها المصلحة العامة في مواجهة الخطر الداهم لوباء كورونا. اليوم لم يعد هناك ما يبرر لاعتصام في الصمت بعد وجبة الإفطار الأولى التي تناولها اللبنانيون على مائدة الحكومة في قصر بعبدا. وجبة لا تقيم حساباً لما بعدها وتعلن الانقلاب بلغة عسكرية، سبقتها زيارة الى اليرزة وعراضة حكومية أمام كبار الضباط، حتى يكاد أن يكون مطلقها جنرالاً يتقمص دور رئيس للحكومة”.
وأضاف “كلام خطير يتلاعب على عواطف الناس وقلقهم المعيشي وخوفهم على لقمة عيشهم، ليتبرأ من التقصير الفادح الذي تغرق فيه الحكومة من رأسها الى أخمص القدمين. إنها مرحلة الانتقام من مرحلة كاملة يفتحونها على مصراعيها، ويكلفون رئاسة الحكومة تولي مرحلة الهجوم فيها. لقد أغرقوا رئاسة الحكومة في شبر من العبارات المحملة بالتهديد والوعيد، وأخطر ما في ذلك أن رئاسة الحكومة ستتحمّل دون ان تدري مسؤولية إغراق الليرة التي تترنح بفضائل العهد القوي على حافة الانهيار الكبير”.
وتابع الحريري “برافو حسان دياب. لقد أبليت بلاء حسناً، وها أنت تحقق أحلامهم في تصفية النظام الاقتصادي الحر. إنهم يصفقون لك في القصر ويجدون فيك شحمة على فطيرة العهد القوي. فكيف يمكن ان تغيب عنك الجهة التي تسببت بنصف الدين العام من خلال دعم الكهرباء، وان تغضّ النظر عن سبع سنوات من تعطيل المؤسسات الدستورية، وألا تسأل عن السياسات التي أضرت بعلاقات لبنان العربية والدولية، وألا تلتفت إلى المسؤوليات التي يتحملها الأوصياء الجدد على رئاسة الحكومة. هل هي جميعها من صناعة حاكم مصرف لبنان؟. يقول المثل اللبناني: إن الدنيا وجوه وعتاب. ويبدو أن الوجوه التي دخلت جنة الحكم كان حضورها كافياً لإدخال البلاد في جهنم نقدية واقتصادية استكملوا خطواتها في جلسة مجلس الوزراء اليوم، وان عتبة العهد، التي شاركنا للأسف في تبليطها، ضربت الرقم القياسي في الانهيار النقدي والمالي منذ قيام دولة الاستقلال”.
ورأى الحريري “أن هناك عقلاً انقلابياً يعمل على رمي مسؤولية الانهيار في اتجاه حاكمية مصرف لبنان وجهات سياسية محددة، ويحرّض الرأي العام على تبني هذا التوجه، ويزوّده بمواد التجييش والتعبئة التي ليس من وظيفة لها سوى إثارة الفوضى وتوسيع رقعة الفلتان النقدي الذي تتبرأ منه الحكومة لتقذفه في أحضان الآخرين”.
وتابع “لا وصف لكل ما يجري سوى انه تخبّط في هاوية الأفكار التجريبية والتفتيش عن ضحايا في السياسة والاقتصاد والإدارة قبل الانتقال إلى العمل بنظرية آخر الدواء الكي. والحقيقة التي يجب الا تغيب عن اللبنانيين في هذا المجال، أن الاستمرار في التخبط يضع لبنان على شفير السقوط في محنة قاسية، أين أضرارها وخسائرها وتداعياتها الاقتصادية والمالية والمعيشية من النتائج المترتبة على وباء الكورونا. والمسؤولية تقتضي الصدق والصراحة وعدم الاختفاء وراء شعارات الموسم، وتنبيه اللبنانيين من الاندفاع الأعمى نحو هذا السقوط، وركوب موجات اليأس ودعوات الانتقام من الذات، وصولاً الى تدمير بناء اقتصادي واجتماعي شكل نموذجاً للنهوض والنمو والازدهار على مدى عقود طويلة “.
وأكد الحريري “هناك خلل عميق في مختلف جوانب الإدارة السياسية والاقتصادية لا مجال لتغطيته والاستمرار فيه، ولكن ما هو مطروح في غرف القرار يتعلق بتغيير هوية لبنان على كل المستويات، وأخطر ما في هذا المخطط استخدام الغضب الشعبي وقوداً لإحراق الهوية الديموقراطية والاقتصادية والاجتماعية للبنان. فإحذروا أيها اللبنانيون، المتاجرة السياسية والحزبية بأوجاعكم ولقمة عيشكم وضمور مداخيلكم، ولا تقدموا لتجار الهيكل فرصة الانقضاض على النظام الاقتصادي الحر. ما تسمعونه من مواقف وتقرأونه من أوراق عمل يعدّها منظّرو الحكم والحكومة، يشكل دعوة لتكليف الذئب في رعاية القطيع، أو هو أسلوب مبتكر في إعطاء المتهم صلاحية التحقيق في الاتهامات المنسوبة إليه”.
وقال “لقد وقع الانهيار نتيجة المماطلة في تحديد مسارات الإنقاذ منذ حكومة العهد الأولى. وتدرّج الانهيار طوال الأشهر الماضية، ليصل إلى ما وصل اليه في الساعات الأخيرة، حيث ضرب سعر الدولار رقماً غير مسبوق حتى في أسوأ ظروف الحرب الأهلية. إلى ذلك اختار العهد ومعه الحكومة سلوك دروب الكيدية التقليدية واستحضار ادوات العام 1998 لإدارة حلقات الكيد والثأر السياسي.فكم كان يستحسن في هذا الظرف العصيب ان تقتدي الحكومة بتوجيهات الأطباء التزام التباعد الاجتماعي والحجر المنزلي، فتعتمد التباعد السياسي والحجر الحكومي عن الأفكار الموبوءة والنصائح المسمومة من جهابذة المرحلة وسماسرتها ومنظريها، ورمي التهم يميناً ويساراً للتغطية على ادوارهم في مسلسل التعطيل والفرص الضائعة”.
واعتبر “أن الكلام الذي صدر بعد جلسة مجلس الوزراء في بعبدا جاء ليؤكد انخراط الحكومة في النهج الانتقامي الذي ساد منذ أواخر التسعينات والذي اعتقدنا ان المتغيرات والمصالحات التي شهدتها السنوات الاخيرة يمكن ان تنجح في وقفه وازالة الغِل الكامن في بعض النفوس. ونحن في هذا السبيل لا نتوقف عند كلام الدكتور حسان دياب لأنه يقع في دائرة المواقف التي تعوّدنا عليها منذ التسعينات وارتأى هو الانتساب اليها بعد ما أنزلت عليه رئاسة الحكومة في ليلة لم تكن في الحسبان، لكننا نتوقف عند الكلام الذي يصدر عن رئاسة الحكومة بما هي موقع مركزي في المعادلة الوطنية، من غير المسموح ان تكون مطية لمآرب الناشطين على مواقع الاحقاد الدفينة وموطئاً للمستشارين المزروعين في أروقة السراي لتصفية بعض الحسابات السياسية والشخصية”.
واتهم الحكومة بأنها “تحاول ان تستجدي التحركات الشعبية بإغراءات شعبوية وتمارس سياسة تبييض صفحة العهد ورموزه على طريقة تبييض الوجوه والأموال والمسروقات، ثم تلجأ إلى ركوب موجة المطالب دون ان تتمكّن من تلبيتها وترمي تخبطها ودورانها حول نفسها على الإرث الثقيل للحكومات المتعاقبة”.
وختم “استحضروها لمهمة عجزت عنها وحوش الوصاية في عزّ سيطرتها، وها هم يطلّون من جحورهم مرة اخرى، ويتخذون من رئاسة الحكومة جسراً لاعلان الحرب على مرحلة مضيئة من تاريخ لبنان أطلقت مشروع اعادة الاعتبار للدولة بعدما اجتمع جنرالات الحروب العبثية على كسرها. إننا ننبّه رئاسة الحكومة من الانزلاق في هاوية الكيدية السياسية التي حفرتها جهات متخصصة بالتخريب من زمن الوصاية، فلا مصداقية ولا أهلية سياسية لأي مسؤول يدخل السراي الكبير وفي جدول مهماته الطعن بكرامة الكبار الذين تعاقبوا على هذا الموقع الوطني. أما الذين يراهنون على تحويل رئاسة الحكومة إلى خندق يتجمعون فيه للانتقام من إرث السنين الماضية، فيعلمون جيداً ان شجرة الإرث الثقيل تشملهم جميعاً، كبارهم وصغارهم، وان السجل الاسود لمعظمهم في مجال القمع والهدر والاستقواء على الدولة وتعطيلها وتجيير مصالحها لا يستوي مع ادعاءات النزاهة والشفافية والعراضات اليومية على الشاشات… ونحن لهم بالمرصاد”.