الحطيئة ولبيد في موازاة بوب ودرايدن: الهجاء بين تراثين

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
2

أستعرضُ في هذه العجالة فن الهجاء كما يصوّره تراث الشعر العربي، وكما نجده في الشعر الإنكليزي، الذي يقوم في أساسه على الهجاء الذي بدأه الشاعر اللاتيني جوفنال، الذي عاش في روما بين أواخر القرن الأول للميلاد وبدايات القرن الثاني. كان الشاعر الرومي يهجو عيوب المجتمع في عصره، ويشير إلى شخصيات بأعيانها. وقد ظهرت أكثر أمثلة شعر الهجاء الإنكليزي في القرن الثامن عشر، في أعمال الكزاندر بوب، (1688 ـ 1744) وقبله في أعمال درايدن (1631 ـ 1700).

أما في تراث الشعر العربي فقد تكون أفضل بداية مع الحُطيئة، الذي عاش في صدر الإسلام، وكان هجّاءً لم يَسلم من هجوه أحد، حتى أنه هجا أمه وأباه. فلما لم يجد من يهجوه، هجا نفسه:

أبتْ شفتاي اليومَ إلا تكلماً           بهجو، فما أدري لمن أنا قائلهُ

أرى ليَ وجهاً، قبّح الله خلقَهُ        فقُبّحتَ من وجهٍ وقُبحَ حامله

وفي آخر العصر الجاهلي، وبداية الإسلام، لدينا شاعر المعلّقات: لبيد بن ربيعة العامري (ت 661م) من عالية نجد. يروى أنه كان في زيارة النعمان بن المنذر، فوجد عنده نديمه الربيع بن زياد العبسي، وهما يتناولان الطعام وكان الشاعر لبيد يكره الربيع، فارتجل أرجوزه يقول فيها مخاطباً الملك:

مهلاً، أبيتَ اللعنَ، لا تأكل مَعهْ       إن آستَهُ من بَرصٍ ملمّعَهْ

وإنه يُدخِلُ فيها إصبعهْ                يُدخِلهُ، حتى يُواري أشجَعَهْ

                          كأنه يطلبُ شيئاً أودَعَهْ

وهذا من أقذر الهجاء. ومن أقذع ما قالته العرب في الهجاء ما يُنسب على الطرِمّاح بن الحكيم، وهو من طيّ، وقد نزح من الشام إلى الكوفة، وصار شاعر الخوارج (700 ـ 750م) وقد هجا بني تميم:

تميمٌ بطُرْق اللؤم أهدى من القطا           ولو سَلكتْ سُبْلَ المكارِم ضَلّتِ

ولو أن برغوثاً على ظهر نملةٍ            يكرّ على صفّي تميمٍ لوَلّتِ

وفي رواية: ولو أن برغوثاً على ظهر قملةٍ    رأتهُ تميمٌ من بَعيدٍ لوَلّتِ

لكن الأهاجي الأكثر شهرةً هي ما شاع في العصر الأموي بين جرير (33 ـ 110هـ/653 ـ 728م) والفرزدق، والتي جُمِعَت تحت عنوان “النقائض” . وكان جرير من بني تميم، وقد مدَحَهُم، خلاف هجاء الطِرمّاح:

إذا غضِبَت عليك بنو تميمٍ          حسِبتَ الناس كلّهمُ غِضابا.

وبقي جرير يتهاجى مع الفرزدق طوال 40 سنة، وقد لازم الحجّاج لعشرين سنة، وهجا 80 شاعراً. ولما تعرّض له الراعي النُميري، جاءه إلى المربد في اليوم الثاني ومعه قصيدة من 97 بيتاً، بعنوان “الدامغة”:

ولو وزِنَتْ حُلومُ بني نُميرٍ        على الميزان ما وزنتْ ذُبابا

أي نفَس شِعري يستمر على هذا المنوال من الهجاء 97 بيتاً!

وقد اشتهر شعر جرير والفرزدق في العصر الأموي، فقال بعض مؤرخي الأدب: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحتُ من صخر.

وقد نكتفي بمثال أخير من دِعبل الخزاعي (756 ـ 835م) الذي كان من شعراء الشيعة، من مقامه في الكوفة. لم يذكر أسماءً محددة، لكن مقصده كان مفهوماً لمعاصريه. قال:

ما أكثر الناسَ، بل ما أقلّهُمُ          واللهُ يعلمُ أني لم أقُل فنَدا

إني لأفتح عيني، حين أفتحها،      على كثير، ولكن لا أرى أحدا.

والملاحَظ في أمثلة الهجاء في الشعر العربي أن الشاعر، أحياناً، قد يهجو ويمدح، الشخص نفسه، مثل مديح المتنبي كافورَ الإخشيدي، ثم الانقلاب إلى هجوه، وفي الحالين بأسلوب شعري محير في بلاغته.

وفي عصرنا الحديث، لدينا الكثير من مدائح وهجاء رؤساء الدول والسياسيين. ولا أستطيع الفكاك من ذِكرِ أكبر شعراء العربية، محمد مهدي الجواهري، المتوفى عام 1997. ففي شبابه كان الجواهري من المعجبين بالعهد الملكي بالعراق، وبقي على إعجابه، على الرُغم مما مرّ بالعراق من أنظمة حُكم، وحتى آخر جلسة لي معه عام 1990 في دبي، يوم أعطيَ جائزة العويس للشعر. كان يُحدثني عن الملك والوصي وأركان العهد الملكي، حديثَ مُحبّ صادقٍ في حُبّه. ومن ذلك قصيدة شهيرة له في عيد ميلاد الملك فيصل الثاني:

تِهْ ياربيعُ بزهرِكَ العَطرِ الندي                   وبصِنْوكَ الزاهي ربيع المولد

ما كان إلا أن جَعَلتُكَ مقصدَي                  حتى هوَتْ غُررُ النجوم على يدي

وأنا ابنُ هذي الأرض، صُغتُ من السما             تاجاً لهذا الكوكب المتوقّد

أنا غِرسُكمُ، أعلى أبوك مكانتي                    نبلاً وشرّفَ فضلُ جدِّ كَ مقعدي

لكن بعض الحاسدين من شعراء النجف، بلد الجواهري، لم يَرُق لهم ما نال الجواهري من تكريم في العهد الملكي، فانبرى له شاعر نجفي ّآخر، وما أكثرهم في مدينة يبدأ الأطفال فيها بتعلّم القراءة من كتاب “نهج البلاغة”، فهجاه بقصيدة على نفس الوزن والقافية، وقد نُسِبت إلى الشاعر بحر العلوم، لكنه أنكر ذلك:

صَهْ يا رَقيعُ، فمن شفيعُك في غدِ        فلقد صَدِئت وبان مَعدِنُكَ الرَدي

لو مُتَّ قبل اليوم كُنتَ مُخلداً             مُت بعد هذا اليوم غيرَ مُخلدِ

هذا هجاء لا يقل إبداعاً عن المديح، من الناحية الفنية والبلاغية، ويُقال إن الجواهري قد تألم كثيراً بسبب ذلك الهجاء الذي يعارض قصيدته البارعة في مديحها وجزالة لغتها، فلم يسمح بإدراجها في ديوانه. لكن القصيدة استقرّت في أذهان الكثيرين من محبي الجواهري وشعره.

تعريف “الهجاء” في القواميس وكُتُب الأدب العربي أنه “وسيلةٌ لتعرية أو نقد الحماقة والفساد في شخص أو مجتمع باستعمال السخرية والمفارقة والمبالغة، بهدف تحسين المجتمع وانتقاد الحماقات والخداع”. وهذا التعريف لا يختلف “عما نجده عند الأدباء الإنكليز فهذا الدكتور صموئيل جونسن (1708 ـ 84) يقول في “القاموس” إن الهجاء “قصيدة تذمّ الشر أو الحمق”. ويقول درايدن (1631 ـ 1700) إن “هدف الهجاء الحق تقويم العيوب”. كما يقول دانيال ديفو (1660 ـ 731) إن “غاية الهجاء الإصلاح” وإذا كان الشاعر الرومي جوفينال، بقصائده الست عشرة يهجو فيها عيوب المجتمع الرومي في عصره (60 ـ 130م) هي المثال الذي احتذاه شعراء الهجاء في إنكلترا في القرن الثامن عشر بخاصة، فإننا لا نجد في هجاء درايدن، في قصيدته الدرامية “أبسالوم وأكيتوفيل” شيئاً من الحدة والاقذاع الذي وجدناه في الهجائيات العربية عبر العصور. درايدن، اكتفى بالتلميح دون التصريح فهو يستعمل حكاية تمرّد أبسالوم على والده الملك داوود النبي، بناء على مشورة اخيتوفيل، كما نقرأ في (سِفر صموئيل الثاني، 13 ـ 18) مُشيراً بذلك إلى تحريض شافتسبري، لوضع دوق مونموث، الابن غير الشرعي للملك جارلز الثاني خلفاً للملك، بدلاً من شقيق الملك الكاثوليكي، جيمز، دوق يورك. والملك داوود في قصيدة درايدن، يرمز إلى الملك جارلز.  بهذه الطريقة يتجَنّب الشاعر غضب البلاط بهذه الهجائية السياسية، لأنه إنما يسرد حكاية توراتية يعرفها الجميع ولو أن الهدف السياسي لا يخفى على القراء.

وقد تكون نبرة العبث أسلوب الهجّاء في تناول مسائل أو أحداث تافهة ويضفي عليها هالة من الأهمية، ليقول إن هذا المجتمع لا يُعنى بغير التوافه. في قصيدة الكزاندر بوب، بعنوان “اغتصاب خصلة الشَعر” يصف الشاعر الخصومة التي نشأت بين أسرتين أرستقراطيتين بسبب قيام لورد بيتر، الشاب النزق باقتطاع خصلة من شعر الحسناء بليندا، مما دفع الشاعر إلى الهزء برفق من كل ما هو نزِق في المجتمع. نجد “روح الهواء” المكلّفة بحماية البطلة قلقه حول المخاطر التي قد تصيب الحسناء، مثل انكسار إناء خزفي أو تلوث شرفها أو مُطرَفِها الجديد، وهي مصائب متعادلة في الأهمية عند أفراد هذا المجتمع الزائف القيم، فكانت عملية “اقتطاع” خصلة الشعر تعادل “اغتصاب” العفة في نظر هؤلاء الهائمين.

لكن “البرود” في المزاج الإنكليزي قد يكون المِهاد الذي يقوم عليه الهجاء عندهم، على النقيض من المزاج العربي “غير البارد” عندنا، مما أنتج أمثلة الهجاء اللاذع، في حالات غير قليلة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية