ذكرني الفيلم الأمريكي «إنه حظي» بغرامي القديم بالسينما، كيف كان الحظ حقا وراء مشاهدتي له. لقد غبت عن السينما العالمية كثيرا في السنوات الأخيرة، وأُغرمت بقنوات مثل «روتانا كلاسيك» أو «سيما» أو»نايل سينما» أو غيرها، تعيد الأفلام العربية القديمة التي شكلت حياتي أيضا، تعينني أو تنسيني ما حولي من أحداث وأفعال. تحول الغرام إلى مشاهدة منزلية كأني أبحث عن شخصيات أسطورية رغم أنها كانت حقيقية يطول الحديث عن أسمائها. كم تمنيت أن تقام في الميادين تماثيل لشخصيات مثل إسماعيل ياسين، أو عبد الفتاح القصري، أو زينات صدقي، أو فؤاد المهندس وغيرهم من صناع البهجة التي عشنا معها، أو راقصات مثل كيتي وسامية جمال ونعيمة عاكف وتحية كاريوكا، فتكون تماثيلهم مصدر سعادة للعابرين، تنسيهم، ولو لدقائق، مصاعب الزمن، أو حتى صورهم بدلا من صور الزعماء الذين نبعد عنها أنظارنا. هذا الغرام بالسينما مشى معي منذ الطفولة، بعد أن شاهدت أول فيلم وأنا في الخامسة من عمري عام 1951.
لم يكن عدد نفوس مصر ذلك الوقت أكثر من ثلاثة وعشرين مليونا، ولم تكن الإسكندرية التي ولدت فيها أكثر من ثلاثمئة ألف سكندري، ومعهم ستون أو سبعون ألفا ممن أطلقوا عليهم الجاليات الأجنبية، من أرمن ويونان وقبارصة وشوام ويهود وإيطاليين وغيرهم، كانوا حاصلين على الجنسية المصرية. طبعا لن أتحدث عن كيف تم إخراجهم، وما جرى من تحول إلى الخلف في البلاد. تحدثت عن هذا من قبل كثيرا وخصصت الجزء الثاني من ثلاثية الإسكندرية، الذي يحمل عنوان «طيور العنبر» لذلك. و»طيور العنبر» بإيجاز هي الطيور الأسطورية التي تفرز العنبر، وكيف مشت من فضاء البلاد.
أعود إلى السينما وأتذكر كيف صرت في المدرسة التلميذ الذي يهوى الهروب منها إلى السينما، أو لا يعود إلى بيته مباشرة من المدرسة، بل يظل في الشارع حتى يدخل حفل الثالثة بعد الظهر، أكثر من مرة في الأسبوع. سهلت السينما الحياة حولي فمع كل فيلم جميل أخرج منها أرى العالم أجمل يستحق الابتهاج. من ناحية أخرى فتحت لي أبواب القراءة في الأدب، فأكثر الأفلام التي رأيتها كانت عن ملاحم يونانية، أو روايات أجنبية وعربية، صرت أبحث عنها وأقرأها وأقرأ عنها. مثلا في فيلم مثل «هيلين طروادة» يموت أخيل بسهم جاء في كعبه فنندهش، ومع القراءة في ما بعد عرفت أن الأسطورة تعني أن لكل انسان نقطة ضعف لا يدركها، وقفزت أسئلة من نوع كيف لا يدرك الطغاة ذلك. غيرت السينما كما غير الفن التشكيلي الذي هويت حضور معارضه في لغتي وشكل كتابتي. تمر السنون ويتغير الحظ.
لم أعد قادرا على تحمل كيف يقف العالم صامتا، أمام جرائم إسرائيل في غزة التي مرّ عليها عامان الآن وتحدث كل يوم. ولا كيف لا تستطيع المحكمة الجنائية الدولية القبض على نتنياهو الذي حكمت عليه بالإجرام. طبعا أعرف أن دولا مثل أمريكا وألمانيا وفرنسا وإنكلترا تسانده، لكن كيف لا يستجيب العالم للدول المغايرة المضادة لنتنياهو على كثرتها. أعرف ماذا ومن يحكم العالم، العالم الذي ليس لنا فيه نحن الأدباء غير أن نكتب ونقيم عوالم أفضل في رواياتنا، أو قصائدنا، أو أفلامنا، أو مسرحياتنا. لكن فجأة منذ أيام تذكرت عام 2003 كيف شاهدت فيلم «عربة اسمها الرغبة» لجيسيكا لانج في قناة «أم بي سي 2» التي كنت مغرما بها، وهو الفيلم الذي تم إنتاجه في منتصف التسعينيات. وعند نهايته المؤلمة وهم ينقلونها إلى مستشفى الأمراض العقلية، بعد كل ما مرّ بها من آلام وخيانات، تقول للممرض الذي يأخذها من يدها إلى العربة «كنت انتظرك يا حبيبي منذ وقت طويل»، كانت تقصد حبيبها الذي خذلها، ولم تدرك إلى أين هي ذاهبة. بالمناسبة ليس هذا هو الفيلم الأول عن مسرحية تينيسي ويليامز العظيمة. لقد سبق ورأيت في منتصف الخمسينيات فيلما بالعنوان نفسه للمخرج أيليا كازان ومارلون براندو وفيفيان لي، وبقي معي الحزن من أجل البطلة، لكن تاهت التفاصيل. تابعت الفيلم ولا أنسى كيف قمت بعد مشاهدته لأكتب رواية معاكسة تماما هي «عتبات البهجة» كأني أبحث عن الضحك في الدنيا.
تذكرت ذلك فجأة هذه الأيام، وسألت نفسي لماذا يستمر الغرام بالأفلام العربية القديمة كل هذا الوقت. صحيح إنك على عكس الناس جميعا تشعر بطول الوقت، وأن اليوم صار ثمانية وأربعين ساعة، لكن ذلك لأن الوقت لديك متوفر، فلا عمل منظما لك خارج البيت، بينما الوقت يمر شئت أم أبيت. سألت نفسي كيف نسيت متابعة الأفلام الأجنبية منذ سنوات وهي تأتي إليّ في التلفزيون ولا تحتاج إلى وضعها في فلاشة مثلا لأراها. عُد إلى قنوات الأفلام الأجنبية، فالسينما شهدت وتشهد تطورا كبيرا في العالم. ذهبت إلى قناة «إم بي سي 2 « وجاء حظي مع فيلم لم أشاهده من قبل هو «إنه حظي»، أو «هو حظي فقط» Just my luck وبالإنكليزية. الفيلم من إنتاج عام 2006 ومن إخراج دونالد بيتري، وبطلته هي ليندساي لوهان، التي أراها لأول مرة، لأني ما زلت أقف عند جوينيث بالترو ومونيكا فيتي وكاترين زيتا جونز.
وجدت رغبة في أن أتابع الوجوه الجديدة التي تقريبا غابت عني، رغم أن أفلامهم في العشرين سنة الأخيرة، فجاء هذا الفيلم الكوميدي والدرامي الذي فيه حظ ليندساي لوهان جميل، لكن حظ صديقها غير جميل. يتبادلان القبلات فيصير حظها سيئا وهو حظه أحسن، وهكذا تنطلق هي في الفيلم في تقبيل الآخرين بحثا عن حظ أحسن مما يدخلها مراكز الشرطة أحيانا، وفيه أيضا لا تكف عن قبلات من معها. أخذتني طرافة الفكرة وجمال الأداء عما حولي، وقلت في نفسي ما أجمل أن يصبح هذا حقيقة. لكن من سنُقبِّل في هذا العالم .
الساسة الذين يخربون الدنيا، هل يمكن أن نسلط عليهم سيئي الحظ يقبلونهم فنرتاح منهم. أم الأدباء الذين يسرقون من أعمال الآخرين مشاهد كاملة، او موضوع الرواية نفسه، ثم يشتمونهم في أي فرصة لصرف النظر عن سرقاتهم، في الوقت الذي يتغافل فيه النقاد عن اكتشاف ذلك. قلت انسَ ما حدث معك ولا يزال، فقد قررت من زمان أن لا تتحدث فيه. عد إلى الخيال أجمل. كيف أن كثيرا من روايات الخيال العلمي لم تعد خيالا. روايات مثل 1984 وغيرها لجورج أوريل صارت حولنا حقيقة، أو «آلة الزمن» لهربرت جورج ويلز، أو روايات جول فيرن وغيرها كثير، بل تشغل الحرب بين الكواكب الآن أفلاما عن روايات حقا، لكن نراها حولنا في صواريخ عابرة للقارات، رغم كثرة تحقق هذه الروايات قفز سؤال هذا الفيلم إنه حظي يخايلني، صرت أتذكر حياتي وكيف عشت كارها لإسرائيل حتى جاء يوم أرى سكانها يهرعون في الشوارع بالثياب الداخلية من أثر الضرب الإيرانى، وأقول إنه حظي تبدل بعد سنوات طويلة أرى فيها جرائمها، تبدل دون قبلات. لا يزال حولي الكثير مما أتمنى أن يتبدل في بلادي وغيرها من العالم العربي وفي إيران نفسها، لكن الدخول فيه سيفسد ما أشاعته القبلات حولي في الفضاء من بهجة. لا أعرف كيف استطاع كاتبا القصة جوناثان بيرنشتاين ومارك بلاكويل الوصول لهذه الفكرة التي حققتها كاتبتا السيناريو آنّا ماريين كينج وآمي هاريس. هل كونهما امرأتين جاء السيناريو حاملا الصدق الفني في تشكيل القصة سينمائيا، ورائحة وطعم الشفاه! طبعا أعرف أن للمخرج والممثلين وكل طاقم العمل دورا في ظهور فيلم على بساطته، يأخذ بك وسط جنون هذا العالم. لكن في النهاية يقفز السؤال ألا تستسلم يا صديقي فتستطيع أن تغير حظك بيدك وأعمالك، رغم ما ستواجهه من كبت للحريات، أو غيرة بين الكتاب، فالعالم يمضي إلى الأمام والقبلات دون مبالغة تفتح الأبواب.
كاتب مصري