انشغل الشارع العراقي بالتطورات التي خلّفها عرض مشهد تمثيلي في برنامج سياسي، تحدّث عن فساد قادة وضباط في الجيش العراقي.
بغداد ـ «القدس العربي»: يخشى مثقفون عراقيون ومختصون في مجال الدفاع عن حرية الرأي والتعبير في البلاد، من اعتياد الحكومة الاتحادية والمؤسسات التابعة لها، على اللجوء لسلاح «الملاحقة القضائية» في حال كشفهم حالات «فساد» منتشرة في أغلب مفاصل الدولة العراقية، فيما يرى مختص في حقوق الإنسان، إن العمل في هذا المجال يعدّ «انتحاراً» في ظل غياب الأدوات و«الضمانات».
وانشغل الشارع العراقي بالتطورات التي خلّفها عرض «مشهد تمثيلي» في برنامج سياسي، تحدّث عن فساد قادة وضباط في الجيش العراقي.
وعرضت قناة «يو تي في» المملوكة لرجل الأعمال العراقي، خميس الخنجر، رئيس تحالف «السيادة» المتحالف مع زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، والحزب الديمقراطي الكردستاني، برئاسة مسعود بارزاني، حلقة من برنامج «مع الملا طلال» الذي يقدمه الإعلامي العراقي المتحدث السابق باسم رئاسة الوزراء مصطفى الكاظمي، تضمنت مشهداً أداه الممثل العراقي أياد الطائي، الذي ظهر مرتدياً بزّة عسكرية برتبة عميد في الجيش، متحدثاً عن ملفات فساد في وزارة الدفاع.
المشهد التمثيلي أثار غضب وزارة الدفاع التي علقت في بيان صحافي حينها بالقول: «ما تناوله البرنامج من حديث يسيء إلى سمعة كل الجيش العراقي ويمحي كل تضحياتهم وبطولاتهم وما قدموه من أجل أن ينعم كل المواطنين بالأمان» ملوحة باللجوء إلى القضاء.
وبعد ساعات، قررت هيئة الإعلام والاتصالات (غير الحكومية) المعنية بتنظيم عمل وسائل الإعلام المرئية في العراق، تعليق بث البرنامج لـ«إساءته للجيش العراقي» واعتبرته «يسبب خطراً على قطاعات الجيش العراقي وتماسكها في الميدان» استجابة لشكوى من وزارة الدفاع.
ورداً على قرار «الهيئة» رفض أحمد ملا طلال الاعتذار. وقال في «تدوينة» له «تحرشت بعش الدبابير، انتقلنا من مرحلة الفساد والفشل إلى مرحلة تكميم الأفواه والدكتاتورية والقادم أسوأ، لن أعتذر عن كشف جزء من الحقيقة ولن أعتذر للفاسدين».
وفي وقتٍ لاحق، كتب الإعلامي العراقي يقول: «صدور مذكرتي إلقاء قبض وتحري وفق المادة 226 التي تصل عقوبتها إلى السجن 7 سنوات (بحقه وبحق الفنان أياد الطائي)».
وأضاف موجهاً كلامه للطائي: «أخي إياد.. في الوقت الذي تعفو فيه حكومتنا عن تاجر مخدرات محكوم، فهي مارست ضغوطها على القضاء وحصلت على أمري إلقاء قبض وتحري بحقي وحقك».
وردّ الطائي على ملا طلال في «تدوينة» جاء فيها: «وأكثرهم للحق كارهون… صديقي أحمد دع القضاء يأخذ مجراه. نحن أشرنا لحالة شاذة ويبدو ان الأمر جاء ليس على هواهم. الأمر لله من قبل ومن بعد».
المختص في حقوق الإنسان في العراق، الدكتور علي البياتي، يقول لـ«القدس العربي» إن «أي إعلامي أو شخصية عامة عندما تحاول أن تنتقد ظاهرة معينة، فإنها ستدخل ضمن حرية التعبير عن الرأي وحقّ الوصول إلى المعلومة والمساءلة المجتمعية التي من المفترض أن تكون محمية في النظام الديمقراطي» مبيناً إنه «إذا كانت هناك أيّ فقرة فيها إساءة على أي مؤسسة، فيجب أن تكون هناك إجراءات للاستفادة من تلك المعلومات».
وأضاف: «المعلومات التي تُنشر (تتعلق بملفات فساد في مؤسسات الدولة) يجب أن تكون محركاً لمؤسسات الدولة لتحقق فيها والتأكد منها، لكن تحريك دعاوى ضد إعلاميين وصحافيين لن يكون عاملا مساعدا في بناء دولة مؤسسات، كما إنه لن يسهم في سيادة القانون التي تتطلب من المسؤول أن يكون على قدر تحمّل الانتقادات والتعامل مع المؤسسات الأخرى سواء كانت منظمات أو الإعلام أو مؤسسات حقوق الإنسان، للحفاظ على حقوق المواطن وليس على حقوق المسؤول».
ووفقاً للبياتي فإنه «لا توجد إحصاءات دقيقة بشأن عدد الانتهاكات لحقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي في العراق، لكننا نسمع بشكل يومي عن هكذا قضايا. آخرها ما حدث مع الإعلامي أحمد ملا طلال والفنان أياد الطائي، وقبلها سمعنا أيضاً بأن هناك دعوة مماثلة ضد نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي. شخصياً رُفعت ضدّي دعوى من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ممثلاً للجنة الأمر الديواني رقم 29 (تسمّى لجنة أبو رغيف) بسبب تصريح لي في عام 2020 بشأن مزاعم التعذيب في مراكز الاحتجاز العراقية».
واعتبر أن «ضمان الحريات ليس كلاما نظريا، بل يحتاج إلى قوانين تترجمه، وإجراءات» موضحاً إنه «لا يمكن لحكومة وجهاز تنفيذي لوحده ـ في نظام ديمقراطي ـ أن يكون عاملا مساهما وحيدا في مكافحة الفساد أو تطبيق سيادة القانون أو بناء نظام يهدف إلى بناء المواطن ورعاية حقوقه».
وشدد البياتي على أهمية «التعاون بين الحكومة والمؤسسات الأخرى، وأهمها الإعلام والصحافة ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان».
وأكد إن «المنظمات الدولية المعنيّة بحقوق الإنسان تعد ّالعراق متراجعاً في هذا الملف. منظمة Freedom House الدولية المعنية بمراقبة وضع حقوق الإنسان والحريات في العالم، وضعت العراق في تقريرها عام 2021 ما دون مستوى وجود الحريات الأساسية (المدنية والسياسية). العراق لم يكن موجوداً في قائمة الدول» مبيناً إن «هناك دولاً نظامها الديمقراطي ليس بالمستوى المطلوب، لكنها وجدت مكاناً في التقرير، بكون إن فيها حريات أكثر من العراق».
ورأى إن «تأثير تراكم مثل هذه التقارير ستكون سيئة على العراق أمام المجتمع الدولي، كما يمكن أن يتم استغلال ذلك سياسياً في المحافل الدولية».
وأشار إلى إن «العراق اليوم فاقد لعضوية مجلس حقوق الإنسان الدولي، كما إنه لا يمتلك الآن مفوضية (في إشارة إلى مفوضية حقوق الإنسان) فعّالة بسبب انتهاء عضوية مجلس المفوضية (البياتي أحد أعضائه) وعدم تشكيل مجلس جديد، ودخلنا في طريق المحاكم بهذا الموضوع الذي يسيء لتصنيف العراق في التحالف الدولي لحقوق الإنسان، بعد أن حصلت المفوضية العراقية على تصنيفات جيدة لكن التراجع الأخير الذي حدث سينعكس على ذلك التصنيف».
وعدّ إن «عدم اتخاذ العراق أيّ تدابير حقيقية تحمي الحريات والحقوق، سيؤدي إلى وجود نوع من التنافر بين المؤسسات العراقية ونظيرتها الدولية، على اعتبار إن المجتمع الدولي داعم للعراق لإن هناك نظاماً ديمقراطياً، بالإضافة إلى الدستور والمبادئ العامة التي تحمي حقوق الإنسان».
ووفقاً لرأي البياتي فإن «الآلية الوحيدة لكبح الحكومة عن التجاوز على الحريات، هو إعطاء المجال للمؤسسات الأخرى الديمقراطية (الصحافة ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات حقوق الإنسان) للعمل ومنحها فسحة كاملة» مبيناً إن «المنظمة الديمقراطية ليست وحيدة القطب وتعمل على الحكومات والجهاز التنفيذي فقط، وإنما هي مجموعة مؤسسات تنفيذية ورقابية وحقوقية ومدنية وإعلامية، تهدف إلى حماية هذه الحقوق والحريات».
وختم: «الدستور العراقي والمواثيق الدولية التي وقّع عليها العراق المتعلقة بالحريات، هي مجردّ فخّ يقع فيه العامل في هذا المجال. المتصدون للعمل بمجال حرية التعبير عن الرأي يواجهون السلطة التي بإمكانها استخدام القوة لإسكاتهم» مطالباً في الوقت عينه بتوفير أدوات وضمانات للتعبير عن حرية الرأي، وغير ذلك «سيكون العمل في مجال حرية التعبير عن الرأي هو عمل انتحاري فقط».
ولاقى الأمر القضائي بحق الإعلامي والفنان العراقي موجة انتقادات واسعة، إذ كتب الممثل أسعد مشاي «تدوينة» يقول فيها: «كلنا نتفق على ان الجيش العراقي هو سور الوطن، ومواقفهم المشرفة نفتخر بها… (ولكن تعلمون إنه) مشهد تمثيلي وتصدرون على أساسه مذكرة إلقاء قبض بحق فنان عراقي والفنان العراقي مشهود له بوطنيته، فكيف إذا كان هذا الفنان أياد الطائي المعروف بمواقفة المشرفة تجاه بلده التي لا تعد ولا تحصى؟ هذه جريمة كبرى بحق الطائي والفنان العراقي بشكل عام».
ودعا مشاي الفنانين العراقيين إلى أن يقفوا بوجه هذه المذكرّة. كذلك، كتب السياسي العراقي المستقل، عزّت الشابندر، يقول: «لعلي لا اُبالغ إذا قلت بأن البرنامج النقدي الذي بدأ به الإعلامي أحمد ملا طلال منذ أول شهر رمضان على شاشة الـ Utv فيه من الإبداع والواقعية التي قلّ مثيلها في أسوأ مرحلة من مراحل وتاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها حتى الآن، ولذلك يأتي قرار إيقاف بث البرنامج وإجراء تقديم ملّا طلال إلى القضاء باعتباره الأسوأ من نوعه من قبل السلطة التنفيذية، ويؤكد مصداقية البرنامج وأهميته في كشف حقائق لم تَعُدْ سرًاً».
وأضاف: «نهيب بالقضاء العراقي ان يحافظ على استقلاليته وعلى نقائه وعلى مهنيته وعدالته وذلك بالوقوف إلى جانب الديمقراطية وحرية الكلمة، حيث لا يُرعب الطواغيت إلّا الكلمة».
كما أعلن مركز «مترو» للدفاع عن حقوق الصحافيين/ات، الأسبوع الماضي، رفضه «الوقف الفوري» لبرنامج «مع ملا طلال» عاداً الإجراء لا مبرر له ومؤشراً على تراجع حرية العمل الصحافي في العراق.