بغداد ـ «القدس العربي»: بدأت الكتل السياسية المعارضة لإدارة عادل عبد المهدي، بزيادة الضغط على الحكومة عبر سعيها لإعادة ترتيب أوراق تحالفاتها، معتمدة على مبدأ المعارضة، ومستندة على جمّلة إخفاقات للحكومة في ملفي الخدمات ومكافحة الفساد، الأمر الذي يُنذر بخلق إصطفافات جديدة، تقودها شخصيات سياسية بارزة مثل زعيم تيار «الحكمة الوطني» عمار الحكيم، ورئيس الوزراء السابق، زعيم تحالف «النصر»، حيدر العبادي، ورئيس المنبر العراقي إياد علاوي، وأيضاً قوى سياسية سنّية برئاسة أسامة النجيفي.
وتشترك تلك الشخصيات والكتل السياسية التي تتزعمها، أنها الأشدّ في انتقاد رئيس الوزراء والأداء الحكومي، وكونها لم تحصل على مناصب في كابينة عبد المهدي، وأيضاً أنها لا ترتبط بتحالفات لها علاقات وثيقة بإيران، الأمر الذي يبعدها عن «العقوبات الأمريكية» التي استهدفت، وربما تستهدف، شخصيات وصِفت أنها مقربة من طهران، وتنتظم جُلّها في تحالف «البناء» بزعامة هادي العامري.
وحتى الآن لم يتضح موقف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي يرأس أكبر كتلة، وهي «سائرون» في مجلس النواب (54 مقعداً برلمانياً)، إذ لم يُعلن الصدر أو نواب الكتلة أي موقف صريح بالتوجه صوب المعارضة، كون تحالف «سائرون» مشتركا في الحكومة، وأحد الطرفين (الصدر والعامري) اللذين اختارا عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء.
رئيس المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجي واثق الهاشمي، قال لـ»القدس العربي»، إن «ما يحدث في العراق متوقع، كون التحالفات الموجودة حالياً نشأت ضعيفة، وكونها أتت بفعل التأثير الخارجي وليس بسبب الفعل الداخلي»، مؤكداً أن «المصالح الخارجية هي التي تحكم، وهي التي أوجدت لاعبين أساسيين (أمريكا وإيران) يحكمان، ويدفعان باتجاه تشكيل تحالفي (الإصلاح والبناء)، الأمر الذي أدى إلى تفككهما ليكون هنالك تحالف بين (سائرون والفتح)».
وأضاف: «هذا الأمر أشعر بقية الكتل السياسية أنها أفرغت من محتواها، وإنها عُزلت وهُمشت، فضلاً عن وجود رئيس وزراء لا يتمتع بالقوة، ناهيك عن كونه غير مرشح من كتلة شيعية أو سنية أو من حزبه. هناك من يرى أنه أمر إيجابي كونه أتى بتوافق الكتلتين (سائرون والفتح)، لكن ماذا عن هذا التوافق الذي لن يستمر طويلاً؟».
وأكمل: «الآن بدأ حراك جديد يتمثل بسعي تحالف سائرون، وتيار الحكمة سبقه بذلك، لاستجواب عبد المهدي، لكن ذلك التوجه لن يُثمر عن تشكيل كتلة (معارضة) كبيرة»، لافتاً إلى أن «مناداة الحكيم بتشكيل حكومة الظل، هو أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية. يجب أن تكون هناك معارضة».
ومضى إلى القول: «نحن في العراق منذ 2003 إلى الآن. الجميع يحكم والجميع يُشرّع ويُنفّذ ويتظاهر. هذه الظاهرة عجيبة»، منوهاً بأن «ذهاب الحكمة إلى المعارضة وتشكيل حكومة الظل هو ظاهرة صحيّة».
مشورة الصدر
وأشار إلى إن «تحالف سائرون لديه مشكلة. هم يقولون أنهم مع المعارضة لكنهم مشاركون في الحكومة والسلطة والهيئات المستقلة»، موضّحاً أن «في هذه الدورة هنالك مشكلة جديدة في سائرون، تتمثل في إن تحالفها (الإصلاح والإعمار) غير متفق، وهناك خلافات بين كتله أدت إلى انسحابات، فضلاً عن سير تحالف سائرون، في بعض المواقف، بغير توجهات الصدر (لأول مرة). رأينا توزيع المناصب بالاتفاق مع تحالف الفتح بدون مشورة الصدر وغيرها. هناك مشكلة داخلية في سائرون، وهم في وضع لا يحسدون عليه».
وأكد أن «إيران لن تقبل أن تتم الدعوة إلى استجواب الحكومة وإقالتها وإقامة انتخابات جديدة وتشكيل حكومة جديدة».
وعن الموقف السني الجديد المتمثل بالسعي لتشكيل كتلة جديدة تمثل المكوّن، بزعامة رئيس تحالف «القرار» أسامة النجيفي، بين الهاشمي أن «هناك قضية تحدثت بها مع مسؤول أمريكي (لم يُفصح عنه)، أغفلتها واشنطن، وهي أن السياسي العراقي، الشيعي والسني والكردي، مقتنع بأن الوصول إلى السلطة يأتي من خلال طهران وليس واشنطن. هذه الحقيقة اكتشفتها أمريكا اليوم، لذلك ترى أن أغلب القيادات السياسية هرولت نحو إيران وبدأت تطلب المناصب منها»، مؤكداً أن «النجيفي عُزل عن هذا التوجه، وتلقى دعماً خارجياً (أمريكياً أو خليجياً) لتشكيل كتلة سنية جديدة تضم عناصر شابة، وتحاول أن تجد لها دوراً».
وأضاف: «هذه الكتلة ستأخذ أقطاباً من سنّة الإصلاح»، منوهاً أن «هناك مشكلة في البيت السني المفكك، إضافة إلى الأزمة الخليجية التي عصفت به، لذلك لن نجد كتلة سنية متكاملة وموحدة».
زعيم تيار «الحكمة الوطني»، عمار الحكيم، كشف أخيراً عن عزم تياره استجواب الوزراء ممن وصفهم بـ»الضعفاء أو الفاسدين أو لديهم تاريخ غير مشرّف»، خلال الفصل التشريعي الجديد المقرر أن ينطلق في 3 أيلول/ سبتمبر المقبل.
الحكيم قال في بيان أصدره مكتبه، عقب لقائه «جمّعاً من النخب والكفاءات المهنية والمجتمعية»، في مقر إقامته بمنطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد: «أكدنا على عدد من النقاط المهمة لكي تؤدي الحكومة مسؤولياتها، وكان أهمها :ضرورة حفظ سيادة العراق واستقلال قراره السياسي».
وأشار إلى «ضرورة ايجاد علاقة ايجابية بين المكونات وبين الحكومة والحكومات المحلية وبين الحكومات المحلية ذاتها»، مؤكداً أنه «لا بد من القيام بخطوات جدية لتقديم الخدمات عبر الشروع بالمشاريع الخدمية الاستراتيجية».
ولفت إلى «أهمية تقديم رؤية لتقوية الاقتصاد عبر دعم القطاع الخاص وايجاد فرص العمل وتوفير التسهيلات للمستثمرين ورأس المال، وتطوير المنظومة الأمنية والاستخبارية وتكثيف حملات الضغط على الخلايا النائمة الارهابية».
وتابع أن «التحرك الجدي لمكافحة الفساد من وازع وطني بعيدا عن النفعية وظاهرة بيع المناصب، والتعامل مع الفساد كما التعامل مع الارهاب»، موضحاً أن «تيار الحكمة الوطني المعارض يعكف في الوقت الحالي على تهيأة الغطاء القانوني للمعارضة عبر تفسير مواد الدستور وضمان حقوق المعارضة في قانون مجلس النواب ونظامه الداخلي».
حكومة الظل
وأكمل: «نواصل السعي لتشكيل جبهة المعارضة وحكومة الظل من قبل خبراء في كل مفصل واختصاص»، مشيراً إلى أن «سيتم العمل على استجواب الوزراء ممن يتصفون بالضعف أو الفساد أو التاريخ غير المشرف».
وحذر من «الاستمرار بمعادلة اللامسؤول»، داعياً إلى «أهمية وضوح الفريق المسؤول عن الحكومة كي يتسنى للجمهور مكافأته او معاقبته».
واعتبر أن «وجود المعارضة هو الذي سلط الضوء على تقرير الانجاز الحكومي، وان هذه التقارير كانت تمر مرور الكرام دون اكتراث، وهذا تفسير حي لتقويم المعارضة لاداء الحكومة».
في الشأن ذاته، التقى رئيس الوزراء السابق، زعيم تحالف «النصر» حيدر العبادي، مطلع الأسبوع الجاري، رئيس ائتلاف «الوطنية»، وزعيم «المنبر العراقي»، إياد علاوي، لبحث «تقويم» العمل الحكومي خلال الفترة الماضية.
العبادي وعلاوي بحثا أيضاً، وفقاً لبيان صحافي، «العمل من أجل تصحيح الأوضاع لتقديم كل ما يحتاجه المواطن والسير قدما في الحفاظ على ما تحقق خلال المرحلة الماضية».
سنياً، يرى القيادي في حزب «الحل» النائب محمد الكربولي، أن «الحكومة في مأزق حقيقي، كونها قبلت الولوج في أتون السلطة المستعر بصراع الأحزاب»، مشيرا إلى أن «وقت الاختبار يوشك أن ينتهي».
جاء ذلك في تغريدة للكربولي على «تويتر»، كتب فيها: «من الصعب توقع الإنجاز ممن لا يعرف ماذا يريد، الحكومة في مأزق حقيقي كونها قبلت الولوج في أتون السلطة المستعر بصراع الأحزاب ذوات الأنياب والمخالب الطويلة». وأوضح أن الحكومة «عارية تماما من أي رؤية تحقق حياة أفضل للعراقيين». ولفت إلى ان «وقت الأختبار يوشك أن ينتهي، والورقة قد تسحب في أي لحظة».
ويبدو أن تحالف الصدر يركزّ على مدى تعاطي الحكومة في ملف الخدمات، كونه ينعكس بشكل مباشر على الشارع، الأمر الذي قد يكون سبباً لإسقاط حكومة عبد المهدي.
في هذا الشأن، طالب النائب عن تحالف «سائرون»، عضو لجنة الخدمات برهان المعموري، بعقد جلسة برلمانية طارئة لبحث أسباب تردي الواقع الخدمي في البلاد، مؤكداً استضافة رئيس مجلس الوزراء لتحديد المقصرين ومحاسبتهم.
وقال في بيان: «بعد اقترابنا من مضي سنة كاملة على تشكيل حكومة عادل عبدالمهدي إلا إننا كممثلين للشعب العراقي لم نلاحظ أي تطور بمختلف الملفات الهامة في البلاد»، مبيناً أن «المواطن لم يلمس لحد الآن أي تقدم يذكر في ملف الخدمات أو الصحة أو التعليم أو الثقافة أو الرياضة وغيرها من الملفات».
وأوضح أن «من أهم الملفات التي تشهد تردياً واضحاً هو الملف الخدمي الذي يعتبر من الملفات التي تلامس حياة المواطن وتسبب في معاناته على مدى عقود طويلة من الزمن»، لافتاً إلى أن «هنالك تعمد من قبل المتصدين لهذا الملف للاستمرار في أذية أبناء الشعب العراقي وعدم توفير أبسط الخدمات له».
وأضاف أن «الإمكانات التي تتمتع بها البلاد والمردودات المالية التي تدخل إلى خزينة الدولة قادرة على تنفيذ مشاريع إستراتيجية عملاقة وبمواصفات تقنية علمية متطورة»، مستدركاً «إلا أن مافيات الفساد واستشراء ظاهرة المحسوبية هما من أهم الأسباب التي أدت إلى التراجع الخطير في هذا الملف الحساس».
وتساءل: «ألا يستحق أبناء الشعب العراقي الصابر المضحي أن ينعم بالخدمات بعدما عانى الأمرين طوال الفترات الماضية»، مطالباً في الوقت ذاته رئاسة مجلس النواب بـ»القيام بواجبها الوطني والدعوة إلى عقد جلسة طارئة يستضاف فيها رئيس مجلس الوزراء لكشف المقصرين أمام الراي العام ومحاسبتهم».
وفي ملف مكافحة الفساد، يبدو أن تحالف الصدر «غير مقتنع» بأداء عبد المهدي في هذا الشأن، معتبرا أن المجلس الأعلى لمكافحة الفساد برئاسة رئيس الوزراء بات «على المحكّ».
وقال رئيس كتلة «الإصلاح والإعمار» النيابية صباح الساعدي، في بيان أصدره أول أمس، إن «تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد والذي كان يسمى المجلس المشترك لمكافحة الفساد الذي تأسس نهاية عام 2006 برئاسة لجنة النزاهة النيابية، كان القصد منه هو متابعة ملفات الفساد الكبرى».
وبين أن «المجلس اليوم برئاسة رئيس مجلس الوزراء السيد عادل عبد المهدي، وهو على المحك في إظهار نتائج ملفات الفساد الكبرى خصوصا مع اقتراب انتهاء السنة الاولى من عمر الحكومة».
وأضاف أن «هذا الملف لم يتم التقدم به بشكل واضح وملموس رغم مرور اكثر من سبعة اشهر على إعلانه رسميا وتحديد الملفات التي يعمل عليها حيث المفروض الإعلان عن نتائج ملفات الفساد الكبرى مثل: بيع المناصب الكبرى في الدولة والتعينات في المناصب والدرجات الخاصة وتهريب النفط وجولات التراخيص، والفساد في البطاقة التموينية، وانتاج الطاقة الكهربائية، وبناء المدارس (الهياكل الحديدية) ومشروع الألفي مدرسة وغيرها».
ونبه إلى أن هناك «الكثير من ملفات الفساد في قطاعات الصناعة والزراعة والبلديات والخدمات، أعلن عن بعضها رئيس مجلس الوزراء في جلسة مجلس النواب الأولى في الفصل التشريعي الثاني ووعد بإعلان النتائج عن ذلك قريبا».
وختم أن «نجاح الحكومة في مكافحة الفساد مشروط في إعلان نتائج ملفات هذه الملفات وغيرها ومحاسبة ومحاكمة الفاسدين أو المتسترين عليها وذلك لما تملكه الحكومة والمجلس الأعلى لمكافحة الفساد من إمكانيات كبيرة وغير محدودة من سلطة وقانون وقوة للوصول على المعلومات والوثائق والحقائق والمستندات وهذا ما تفتقر له باقي الجهات الأخرى كل ذلك منوط بتحقيق إرادة حكومية جدية لمكافحة الفساد عبرت عنها مرارا عبر رئيس وزرائها عادل عبد المهدي».