الحوار الوطني المصري: نقاش مفتوح بلا أفق

تامر هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: على واقع أزمة اقتصادية تعيشها البلاد، وانتقادات متواصلة لملف حقوق الإنسان، تعقد في مصر جلسات حوار وطني دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي.

الحوار الذي دعا إليه الرئيس المصري في نيسان/أبريل 2022 تأخر إطلاق جلساته لأكثر من عام، ما برره مجلس أمناء الحوار الوطني الذي تشكل برئاسة نقيب الصحافيين السابق ضياء رشوان، بطول فترة الإعداد لمحاور الحوار وتشكيل اللجان وغيرها من الأمور اللوجستية.
الحركة المدنية الديمقراطية المعارضة التي ظلت طوال عام، تؤكد ربط مشاركتها في الحوار، بتنفيذ ما وصفته بتعهدات السلطة بضمانات جدية الحوار وعلى رأسها الإفراج عن سجناء الرأي، عادت وأعلنت مشاركتها رغم تراجع السلطة عن تنفيذ تعهداتها.
وقالت الحركة التي تضم 12 حزبا معارضا، إن قرارها بالمشاركة جاء بعد تصويت أجرته شارك فيه ممثلو الأحزاب المنضوية فيها و10 من الشخصيات العامة، وجاءت نتيجته بالموافقة على المشاركة بأغلبية 13 من المشاركين، مقابل اعتراض 9 أصوات.

فرصة محتملة

وقالت الحركة في بيان توضيحي لموقفها، إنها رحبت بدعوة الحوار التي أطلقها رئيس الجمهورية، واعتبرتها فرصة محتملة لإطلاق عملية سياسية تقر الحق في التعددية والتنوع باعتبارها مصدرا للقوة وتأكيدا لحقوق المواطنة والمشاركة؛ وإن قرارها بالمشاركة جاء باعتبار أن الدعوة للحوار وليست مهرجانا لتأييد سياسات تعارضها الحركة أصلا؛ وأيضا لأن هذه الدعوة تتوافق مع ما دأبت عليه الحركة من نشاط يستهدف فتح المجال العام.
وأضافت الحركة في بيانها: أنها تقدر ما ترمي إليه الدعوة من إصلاح سياسي باعتباره الهدف الرئيسي من الحوار كضرورة يحتاجها الوطن، ولتبلور مسارات سلمية للتغيير تقطع الطريق على الفوضى والانفجارات «حتى نتجنب ما يحدث في محيطنا الإقليمي الذي تعصف به الصراعات السياسية والأهلية، وتدفعه إلى مصائر قاسية تهدد استقرار وأمن شعوبها ولأن مصر هي قلب الإقليم فإن حوارا سياسيا يضم السلطة ومؤيديها مع المعارضة الوطنية المدنية المستقلة، يمكنه أن يمنح للوطن والإقليم نموذجا راشدا وآمنا في التغيير وتحقيق ما نريده من قيم ديمقراطية وأطر للعيش المشترك».
وزادت: على الرغم مما دفعته الحركة المدنية من أثمان وما نالها من تضييق وحصار نتيجة لمواقفها السياسية المستقلة خلال ما يقرب من العشرة أعوام الأخيرة، وعلى الرغم من اختلاف قطاعات من المعارضة السياسية والنشطاء حول خيار الحوار في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وسخط شعبي واسع، اختارت الحركة «خيار الحوار» كمسار ديمقراطى محتمل للتغيير إيمانا منها أن الإصلاحات السياسية التي تحقق الشفافية والمحاسبة وحرية الرأي والنقد واستقلال وتوازن السلطات هي الكفيلة بالحفاظ على أي إصلاحات اقتصادية.
‎وقدرت الحركة كل جهد من كل طرف يسعى لإطلاق هذه العملية وانخرطت مع الجهات الداعية في عملية طويلة للتحضير له من خلال مرشحيها في مجلس أمناء الحوار ولجانه المقترحة، ومن خلال عمل شاق للوصول إلى توافق بين مكوناتها وصياغة مواقفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى تقدم رؤيتها كاملة وما تطرحه من بدائل للسياسات التي تعارضها.
وتمسكت الحركة ببعض المحددات التي اعتبرتها جوهرية لإعطاء هذا الخيار فرصة للنجاح، منها أن هذا حوار «سياسي» بين معارضة وموالاة، وليس نقاشا مفتوحا بلا بوصلة أو إطار متفق عليه، وأن الحوار هو جزء من عملية سياسية لا يمكن أن تتحول إلى مسار جاد أو إلى رهان سياسي حقيقي إلا بقدر ما تنتجه من انفتاح سياسي يتم من خلاله الإفراج عن السجناء السياسيين، وتتوقف فيه حملات القبض على المعارضين السلميين، وتتسع مساحات التعبير عن الرأي، ويفتح المجال للنشاط الحزبي والأهلي الدستوري. وهي كلها ضمانات لازمة وضرورية ودلالاتها الرمزية أن الإفراج عن سجناء الرأي هو إشارة خضراء لقبول الحق في تعدد الآراء، والحق في معارضة السياسات بدون التعرض للملاحقة والتهديد.
وجددت الحركة ‏‎مطالبها بالإفراج عن سجناء الرأي ورفع القيود عن الحريات باعتبارها مخرجا من الأزمة، وأن بضع عشرات أو مئات أو الآلاف من المعارضين السلميين لا يمكن أن يمثلوا تهديدا للأمن، وأن الانفراجة السياسية هي مدخل لمنح الحوار مصداقية تجعل منه خيارا سياسيا جادا ومسارا مقبولا لتحسين الظروف والأوضاع بشكل آمن ورشيد، خصوصا مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وموجات التضخم المتلاحقة التي عمقت معاناة الغالبية من المصريين.
تتعرض الحركة للحصار حسب البيان، حيث أكدت، أن ‏‎رغم كل ما أبدته الحركة من مواقف متزنة ومسؤولة، وهو ما ظهر واضحا في بياناتها وفي المؤتمرات التي نظمتها وبلورت فيها سياسات واقعية للخروج من الأزمة، ورغم إخلاصها في تبني خيار الحوار السياسي، إلا أن الأمور سارت في الاتجاه المعاكس، فتراجعت وتيرة الإفراج عن مساجين الرأي بل عادت حملات ملاحقة أصحاب الرأي، وضاقت مساحات الظهور الإعلامي لرموز الحركة، بل استمر حصار العمل الحزبي ومن ذلك رفض عقد أي موتمرات للحركة وأحزابها في المحافظات حتى تحت عنوان عرض وجهة نظر الحركة بخصوص أهمية الحوار، بل فوجئت بعض أحزاب الحركة بتعنت شديد في حجز بعض الأماكن لدعوات إفطار رمضانية في أماكن عامة. الأمر الذي زاد من شكوك الحركة المدنية والمتابعين في فرص نجاح هذه العملية السياسية التي قد يطلقها الحوار.
‎تناولت الحركة في بيانها، تباين موقف الأحزاب المنضوية فيها من المشاركة، وقالت: وافقت أحزاب على المشاركة استنادا إلى أنها ترى أنه تم تحقيق ما تم الاتفاق عليه من ضمانات، وأحزاب عارضت لأنها اعتبرت أن ما تم غير كافٍ من ناحية وأقل من ما هو متفق عليه من ناحية أخرى، فضلاً عن المخاوف المتزايدة مما يمكن أن يؤدي إليه السياق الأخير من انحراف الهدف من الحوار عن مساره.

ضمانات الجدية

وعادت الحركة للتأكيد في ختام بيانها، على أن «استمرار مشاركتنا سيكون مرهونا بتنفيذ بقية الضمانات التي اتفقنا عليها ووعدنا بها، بالإضافة إلى توفير أجواء شفافة وآمنة للحوار ونأمل أن يكون قرار المشاركة هو فرصة لإطلاق عملية سياسية لإصلاح سياسي واجتماعي شامل وجاد، يعين الوطن على تجاوز أزماته ويرفع المعاناة عن عموم المواطنين، ويفتح الطريق لتأسيس دولة مدنية ديمقراطية حديثة تعمل هيئاتها المنتخبة لصالح غالبية المواطنين وتصان فيها الحقوق والحريات».
موقف الحركة من المشاركة، واجه اعتراضات داخل الأحزاب السياسية المنضوية فيها، ما دفع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، لمقاطعة جلسات الحوار، والتأكيد على أن المشاركة دون ضمانات تجعل الحوار أشبه بعملية شكلية تستهدف تحسين صورة النظام وتدجين المعارضة السلمية، كما شهد حزب الكرامة تقديم عدد من قياداته الشابة في المحافظات استقالتهم، احتجاجا على ما وصفوه بالالتفاف على قرار هيئة الحزب العليا برفض المشاركة.
حديث الرافضين للمشاركة خاصة بسبب تراجع السلطة عن تنفيذ وعود الإفراج عن سجناء الرأي، رد عليه ضياء رشوان منسق الحوار الوطني، قائلا، إن معظم مطالب الحركة المدنية قد نفذت، مؤكدا أن الحركة سبق وقدمت قائمة سجناء بعضهم محبوسون احتياطيا وآخرون أدينوا، شملت 1074 اسما، في حين وصل عدد من أفرج عنهم حتى الآن 1280 اسما.

غياب ضمانة التمثيل العادل

في المقابل، رأى مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» في ورقة موقفه حول الحوار الوطني، أن الحوار الذي دعت له السلطة في مصر لا يستهدف الشروع في عملية إصلاح، أو الالتفات لأزمة حقوق الإنسان، نظراً لغياب ضمانات التمثيل العادل للمعارضة في الحوار، وتجاهل السلطات لمطالبها، إلى جانب عدم جدية المبادرات المشابهة التي أعلنت عنها الحكومة سابقا.
ودلل المركز على موقفه، بأن الأسابيع التالية على إعادة تشكيل لجنة العفو الرئاسي في نيسان/أبريل 2022 شهدت العفو عن 6 سجناء سياسيين، كما أمرت محاكم الإرهاب منذ ذلك الوقت بإخلاء سبيل 417 آخرين (لم يتم إسقاط القضايا المرفوعة ضدهم) لكن في المقابل، وفي الفترة نفسها، جددت المحاكم حبس ما لا يقل عن 4432 سجيناً سياسياً، فضلاً عن الاعتقالات الجديدة.
إلى ذلك انتقدت منظمات حقوقية إدراج السلطات المصرية أكثر من 1600 مواطن على قوائم الإرهاب خلال الأسابيع الماضية، بينهم نشطاء سياسيون وإعلاميون وصحافيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، وحتى لاعبو كرة سابقين، حسب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان.
وقالت المنظمات الحقوقية في بيان، إنه رغم بدء جلسات الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، هناك تزايد في وتيرة إصدار السلطات المصرية لقرارات إدراج مئات المواطنين المعارضين على قوائم الإرهاب.

19 لجنة

وبعيدا عن الانتقادات لملف حقوق الإنسان، يرى معارضون أن توافق مجلس الأمناء على 19 لجنة فرعية تندرج تحت المحاور الرئيسة الثلاثة: السياسي والاقتصادي والمجتمعي، مثل توسيعا للقضايا التي سيناقشها الحوار على عكس رغبة المعارضة التي كانت تطالب باقتصار الحوار على الملف السياسي.
الحوار الذي انطلقت جلساته الفعلية قبل أسبوعين، وجاءت خريطتها لتشمل ثلاثة أيام أسبوعية، يخصص كل يوم منها لمناقشة قضايا إحدى المحاور، شهد تباينا في موقف الموالاة والمعارضة منذ الجلسة الأولى للجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي، ففي الوقت الذي أعلنت أحزاب المعارضة تبنيها لنظام القائمة النسبية، أكدت أحزاب الموالاة أنها تتبنى نظام القائمة المطلقة.
وفيما يبدو أنه تمهيد لإمكانية عدم الاتفاق على حلول للأزمات داخل اللجان، قال منسق الحوار الوطني ضياء رشوان، إن إدارة الحوار سترفع كافة الآراء حال عدم التوصل لاتفاق إلى رئيس البلاد.
وفي ما يخص المحور الاقتصادي، وفي الوقت الذي انتقدت المعارضة ما وصفته بسياسة الاستدانة والأزمة الاقتصادية التي تؤثر على حياة المصريين، بررت الموالاة الأزمة بالزيادة السكانية التي تشهدها مصر.

سياسة الاقتراض

لم تتراجع السلطات عن سياسة الاقتراض التي تبنتها خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع جلسات الحوار، وافق مجلس النواب المصري على الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة للعام المالي 2021 – 2022 وسط انتقادات واسعة من نواب المعارضة لارتفاع قيمة الدين العام والدين الخارجي.
وقال نواب المعارضة، إن الدين في عام 2016 بلغ نحو تريليون جنيه وصل في عام 2019 إلى أكثر من 4 تريليون جنيه، والآن في الحساب الختامي المعروض، يتعدى الـ6 تريليون جنيه، وذلك بنسبة زيادة 262 في المئة.
ووافق مجلس النواب على الاتفاقيات التي وقعتها الهيئة القومية للإنفاق، بقرض لتنفيذ مشروع إنشاء الخط الأول لشبكة القطار الكهربائي السريع بين (العين السخنة- الإسكندرية- العلمين- مطروح) والصادر بها قرار رئيس الجمهورية رقم 145 لسنة 2023 بإجمالي 2.15 مليار يورو.
وتشهد مصر أزمة اقتصادية طاحنة أدت إلى انهيار العملة المحلية، وإلى موجات متتالية من ارتفاع الأسعار خاصة السلع الغذائية، في وقت تتهم المعارضة السياسات التي يتبناها نظام السيسي القائمة على الاقتراض والاستدانة بالتسبب في الأزمة التي تشهدها البلاد.
رغم دعوة النظام المصري المعارضة للجلوس على طاولة حوار لبحث كل الملفات بدون خطوط حمراء، سوى الدستور والسياسة الخارجية، إلا أن سياسة النظام المصري لم تطرأ عليها أي تغيرات أو حتى تأجيل لبعض القرارات التي أكدت المعارضة رفضها لها كسياسة الاستدانة، أو ملاحقة المعارضين، ما دفع كثيرين إلى التأكيد على ضرورة عدم التفاؤل بنتائجه، واعتباره فرصة للمعارضة للحديث بحرية بعد سنوات من التضييق الذي عانته، وأن الحوارت التي تشهدها قاعاته يمكن اعتبارها جعجعة بلا طحن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية