صنعاء ـ «القدس العربي»: للمرة الثانية خلال أقل من شهر، اتهمت حركة “أنصار الله” (الحوثيون)، المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، بعدم الحياد، منتقدة ما ورد في إحاطته التي ألقاها الثلاثاء أمام مجلس الأمن الدولي، لكنها قالت إن قرار إعلان إنهاء عمله وارد في حال استمر “في تمثيل طرف واحد وتنفيذ أجندة الدول المعتدية على الشعب اليمني”، وفق بيان وزارة الخارجية في حكومة الحركة في صنعاء.
وأبدت الحركة انزعاجًا شديدًا من مضمون الإحاطة الأممية، التي “لم تقدّم وصفًا دقيقًا ومحايدًا للواقع على الأرض، مما يضعف مصداقيتها ويجعلها تبدو وكأنها تسوّي بين الضحية والجاني”، وفق البيان.
وأشار البيان إلى أن الحديث عن السلام والاستقرار يظل ناقصًا وغير مكتمل دون الإشارة بشكل واضح إلى ما سماه البيان “العدوان العسكري السعودي الإماراتي والعدوان الأمريكي البريطاني الإسرائيلي المستمر بالإضافة إلى الحصار الشامل والجائر المفروض على الشعب اليمني منذ سنوات”.
كما أشار إلى أن ما تقوم به قوات الحركة (ردًا على ما تضمنته الإحاطة في هذا الصدد)، “يأتي في إطار الرد المشروع على الخروقات المستمرة من قبل طرف المرتزقة، الذي لم يلتزم بوقف حقيقي وشامل لإطلاق النار، كما أن تعزيز المواقع الدفاعية في مناطق في الحُديدة، إجراء طبيعي وحق سيادي لحماية الأراضي اليمنية والبنية التحتية الحيوية، خاصة مع استمرار تهديدات العدوان”.
ورفض البيان ما اعتبره تحميل صنعاء مسؤولية تجزئة الاقتصاد اليمني، “في حين أن السبب الحقيقي يكمن في القرارات الأحادية التي اتخذها “البنك المركزي في عدن»، معتبرًا “الإجراءات التي اتخذتها حكومة التغيير والبناء، بما فيها إصدار عملات، إجراءات ضرورية تهدف لحماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على استقرار العملة في مناطق سيطرة المجلس السياسي الأعلى، لضمان استمرار تقديم الخدمات للمواطنين”.
وكان المبعوث الأممي رحب “بالخطوات الأخيرة التي اتخذها البنك المركزي اليمني في عدن، والحكومة اليمنية على نطاق أوسع”، منتقدًا “إصدار أنصار الله عملات معدنية جديدة من فئة 50 ريالاً وأوراق نقدية من فئة 200 ريال”.
وطالبت وزارة الخارجية في حكومة الحركة، “المبعوث الأممي بتحمل مسؤوليته بحيادية والحديث صراحةً عن الإجراءات الأحادية التي يمارسها المرتزقة وتهدد بوحدة وسيادة وسلامة أراضي الجمهورية اليمنية، ومنها إصدار بطاقة شخصية جديدة في خطوة تهدف لتكريس الانفصال السياسي وتقويض النسيج الوطني اليمني، بالإضافة إلى الإجراءات الأحادية الرامية للتضييق على المواطن بوضع عراقيل أمام عملية التصديقات للوثائق الدراسية والصحيفة الجنائية وشهادة مزاولة المهن الطبية وغيرها”.
واتهم البيان المبعوث بأنه “يتجاهل عمداً الاعتداءات المباشرة التي قام بها العدوان على الموانئ والمطارات اليمنية منذ بداية الحرب، كما يتجاهل أيضًا مسؤوليته في تخفيف معاناة الحالات الإنسانية الخاصة التي تحتاج للسفر لتلقي العلاج، مما نجم عنه وفاة البعض منهم”.
وإزاء ربط المبعوث الأممي بين فوز اليمن بفرصة حقيقية للسلام، وما اعتبره “حماية من التورط المتزايد في دوامة الاضطرابات الإقليمية المستمرة نتيجة الحرب في غزة”، مطالبًا “بأن تتوقف الضربات ضد السفن المدنية في البحر الأحمر. كما يجب وقف الهجمات الصاروخية على إسرائيل والهجمات الإسرائيلية اللاحقة على اليمن”، جدد بيان وزارة الخارجية في صنعاء التأكيد على أن “تلك العمليات هي عمليات تضامنية مع الشعب الفلسطيني المظلوم في غزة، وليست جزءاً من الصراع الداخلي كما يُروج له المبعوث الأممي”، مؤكدًا أن “تلك العمليات لن تتوقف إلا بوقف العدوان ورفع الحصار عن قطاع غزة”.
في السياق، أعلنت حركة “أنصار الله” (الحوثيون)، في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، عن “تنفيذ أربع عمليات عسكرية، بست طائرات مسيّرة، استهدفت أربعة أهداف حيوية للعدو الإسرائيلي في مناطق بالأراضي الفلسطينية المحتلة”.
وأوضح المتحدث العسكري باسم الحركة، العميد يحيى سريع، في بيان، أن قواتهم “نفذت أربع عمليات عسكرية، بـست طائرات مسيّرة، استهدفت أربعة أهداف حيوية للعدو الإسرائيلي في مناطق حيفا والنقب وأم الرشراش (إيلات) وبئر السبع في فلسطين المحتلة”، مؤكدًا أن “العمليات العسكرية حققت أهدافها بنجاح، وتأتي انتصارًا لمظلومية الشعب الفلسطيني ومجاهديه الأعزاء، وردًا على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم التجويع التي يقترفها العدو الصهيوني بحق الأشقاء في قطاع غزة”.
وتشنّ حركة “أنصار الله” هجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد أهداف متعددة في إسرائيل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما تستهدف منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، السفن المرتبطة بإسرائيل، أو المتجهة إليها، أو التي سبق لشركاتها خرق حظر الدخول لموانئ فلسطين المحتلة، وذلك “تضامنًا مع قطاع غزة” الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي بدعم أمريكي منذ السابع من أكتوبر2023.
وردًا على تلك الهجمات، شنت إسرائيل عدة هجمات جوية منذ 20 يوليو/ تموز 2024 على منشآت حيوية وبُنى تحتية للطاقة في مناطق خاضعة لسيطرة الحركة في اليمن، خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة.
عودًا على بدء، فليست المرة الأولى التي يتهم فيها “أنصار الله” المبعوث الأممي غروندبرغ بعدم الحياد، إذ أصدر غروندبرغ في 17يوليو/ تموز الماضي بيانًا انتقد فيه إصدار الحوثيين عملة جديدة.
وردًا على ذلك، أصدرت وزارة الخارجية في حكومة “أنصار الله” بيانًا قالت فيه إن “بيان المبعوث الأممي يؤكّد مجدداً انحيازه المطلق لدول العدوان ومرتزقتها وخروجه عن الولاية المناطة به كوسيط محايد”.
مما يعني أن تكرار اتهام غروندبرغ بعدم الحياد سيزيد من تعقيد مهمته كمبعوث أممي، وبخاصة على صعيد لقاءاته بطرف “أنصار الله”؛ وفي حال استمر رفض الحركة اللقاء به؛ فإن ذلك قد يدفع غروندبرغ لطلب إعفائه من مهمته، في حال لم تطلب الحركة ذلك من الأمم المتحدة.
وكانت آخر زيارة لغروندبرغ لصنعاء تمت خلال الفترة 6-9 يناير/ كانون الثاني الماضي، في زيارة التقى خلالها عددًا من مسؤولي حكومة “أنصار الله”.
وبينما زار عدن بعدها غير مرة؛ وكانت آخر زيارة في مستهل يوليو، والتقى خلالها رئيس مجلس الوزراء في الحكومة المعترف بها دوليًا، لم تتكرر زيارته لصنعاء؛ لكنه كان يلتقي بـ”أعضاء من قيادة حركة (أنصار الله)” في العاصمة العُمانية مسقط، وفق خبر آخر لقاء نشرته قناة المبعوث الأممي على تطبيق “تلغرام” بتاريخ 28 مايو/ أيار، وهو اللقاء الذي لم ينشر عنه كبير مفاوضي الحركة محمد عبدالسلام المقيم في مسقط.
وكان آخر لقاء بالمبعوث الأممي أعلن عنه عبد السلام، هو اللقاء الذي تم في 24 أبريل/ نيسان الماضي.
عُين السويدي هانس غروندبرغ مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة في اليمن في أغسطس/ آب 2021 خلفًا للبريطاني مارتن غريفيث، الذي عُين في فبراير/شباط 2018، خلفًا للموريتاني إسماعيل ولد الشيخ، الذي عُين مبعوثًا أمميًا لليمن في أبريل/ نيسان 2015م، خلفًا للمغربي جمال بنعمر مستشار الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون اليمن منذ عام 2011، والذي قاد لاحقًا جهود الوساطة بين أطراف الأزمة اليمنية، والتي بموجبها تم الخروج باتفاق نقل السلطة؛ ومنها دخلت البلد في أتون حرب منذ عام 2015م.