أرشيف.
صنعاء – «القدس العربي»: أعلن الحوثيون ،أمس الخميس، عن توجه وفد لهم مع الوسيط العماني إلى الرياض لاستئناف المفاوضات مع المملكة، والتي سبق أن بدأت عبر لقاءات انطلقت من ظهران الجنوب وصولاً إلى مسقط، و زيارتين غير معلنة لصنعاء، قبيل زيارة معلنة التأم فيها الجانبان بصنعاء في مفاوضات 8-13 ابريل/نيسان، والتي شهدت مدا وجزرا، لكن الجانبين أعلنا أن نتائجها كانت إيجابية، وأن ثمة جولة أخرى في الرياض خلال مايو/أيار.
لكن تلك الجولة تعثرت بسبب تشعب قضايا الخلاف، وبخاصة ذات العلاقة بالتدابير الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالوضع المعيشي للناس.
لم تتوقف مشاورات مسقط خلال الشهور الماضية، التي أعقبت مفاوضات صنعاء، كما زار وفد الوساطة العمانية صنعاء في 17 أغسطس/ آب، وكرر الزيارة، أمس الخميس. وتأتي الزيارة الأخيرة لاطلاع قيادة جماعة الحوثيين على الموقف الأخير التي أفضت إليه المشاورات الأخيرة في مسقط، قبيل انطلاق الوفد الحوثي مع الوسيط العماني للرياض لاستئناف المفاوضات، التي يمكن القول إنها تستهدف استكمال حلحلة الملفات التي تعيق بناء الثقة بين طرفي النزاع، والمتمثلة في الملفين الاقتصادي والانساني ذي العلاقة بمرتبات الموظفين ورفع القيود عن المطارات والموانئ والمنافذ بين مناطق سيطرة الطرفين، وإطلاق الأسرى وفتح الطرقات واستئناف تصدير النفط وتوحيد العملة والبنك المركزي اليمني. ويضيف إليها الحوثيون “خروج القوات الأجنبية وإعادة الإعمار”.
في المستهل لا يمكن قراءة ما استجد دون الإشارة إلى أنشطة مكثفة إقليميًا ودوليًا وأمميًا شهدتها الأيام القليلة الماضية، استهدفت جميعها التسريع في جهود السلام وتحقيق خطوة للأمام في مشاورات مسقط، وصولًا إلى مفاوضات تحسم القضايا الخلافية.
على الصعيد الإقليمي، مضت سلطنة عمان في جهودها المساندة للجهود الأممية في الدفع نحو تحقيق نتائج إيجابية في المشاورات بين الرياض والحوثيين، سعيًا إلى الترتيب لتوقيع اتفاق هدنة موسعة ومطولة، تعقب الاتفاق على إجراءات من شانها تمهيد الطرق إلى تسوية شاملة برعاية أممية ودعم دولي واقليمي.
تعد زيارة الوفد العماني الأخيرة لصنعاء الثانية خلال شهر؛ لكن الأخيرة جاءت بعد أن ضاقت فجوة الخلاف؛ ولا يستبعد مراقبون تأثير زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لمسقط منتصف الأسبوع ، ولقائه سلطان عمان هيثم بن طارق، إذ إن مباحثات الجانبين قد شملت الأزمة اليمنية، واسهمت في الدفع بالمشاورات قدمًا.
بالتزامن مع ذلك، تلقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، اتصالاً هاتفيًا من وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، الممسك بملف المفاوضات. ومن المؤكد أن وزير الدفاع قد أطلع العليمي على نتائج المشاورات في مسقط، والتي تم بناء عليها الاتفاق على استئناف المفاوضات مع الحوثيين في الرياض.
وشهدت الأيام الماضية أنشطة دبلوماسية أوروبية دولية مكثفة، حيث التقى رئيس مجلس القيادة، العليمي، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي وعدد من سفراء دول الاتحاد الذين زاروا عدن، والتقوا، أيضًا، رئيس مجلس الوزراء، معين عبدالملك، وعددا من الوزراء، ومن غير المستبعد أن جهود السلام كانت محورا لتلك اللقاءات.
جاءت تحركات الدبلوماسيين الأوروبيين عقب بيان جلسة مجلس الأمن الدولي الشهرية بشأن الأزمة اليمنية، يوم الاثنين. وأكد بيان الجلسة المغلقة تأكيد المجلس على ضرورة التسريع في خطوات السلام، وأهمية المضي في طريق التسوية السياسية للأزمة.
وكان المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، قد ألقى إحاطته، التي استعرض فيها ما حققته لقاءاته في الرياض وأبوظبي وعدن وغيرها، مع عدد من المسؤولين في اليمن والتحالف باتجاه الدفع بعملية السلام إلى الإمام. السؤال الآن: هل بالإمكان أن تشهد مفاوضات الرياض أول انفراجة “حقيقية” في مسار الأزمة اليمنية؟ وهو سؤال يتطلب في مقدمة إجابته سؤالًا آخر فحواه: ما طبيعة الانفراجة المتوقعة في مفاوضات الرياض؟
ما يرجوه المراقبون من هذه المفاوضات، هو استعادة الثقة بين طرفي النزاع؛ وهو أمر لا يبدو مستحيلاً؛ وإن كان هناك مَن يعتبره كذلك؛ وهو ما يتطلب مزيدا من الضغط الإقليمي باتجاه الاتفاق على التدابير ذات العلاقة بالجانبين الاقتصادي والإنساني.
ويرجّح البعض أن الموافقة على الذهاب إلى الرياض لم تكن لتتم إلا وقد تم تجاوز الملفات الشائكة اقتصاديًا وانسانيًا، والتي تستهدف التخفيف من معاناة الناس لارتباطها بمعيشتهم، وبالتالي يتفاءل هؤلاء انطلاقًا من اعتقادهم بأن ثمة ترتيبات جدية هذه المرة لتخلص المفاوضات إلى توقيع اتفاق هدنة موسعة ومطولة بين الطرفين؛ باعتبارها محصلة تفكيك الملفات الشائكة، تمهيداً لعملية سياسية بمشاركة كل القوى اليمنية من خلال مفاوضات شاملة تضع حدا للنزاع المستمر هناك منذ تسع سنوات.
هل يمكن أن تكون مفاوضات الرياض الخطوة الأولى بهذا الاتجاه؟ يمكن لهذه المفاوضات أن تحقق اختراقًا في جدران الأزمة، في ظل ما بات عليه الإقليم والمجتمع الدولي من ايمان راسخ بالحل السياسي وتسوية عادلة، وهو ما أكدته الأنشطة المكثفة التي شهدتها الأيام الماضية، في ظل ما قطعته المشاورات في مسقط من خطوات تبقى مفاوضات الرياض الاختبار الحقيقي لها، مثلما كانت مفاوضات صنعاء اختبارا للمشاورات السابقة في مسقط…علاوة أن كل ذلك يتطلب من الأطراف اليمنية إدراك أهمية المرحلة وخطورة استئناف الحرب أو استمرار الوضع الراهن؛ لأن البلد لم يعد قادرا على احتمال مزيدا من الاقتتال، في ظل ما وصل إليه الحال من دمار وخراب ،وقبل ذلك معيشة الناس، إذ صار غالبية اليمنيين، على امتداد البلد، تحت خط الفقر، بما فيهم الذين كانوا يعتقدون أنهم لن يفتقروا يومًا، لكنهم باتوا اليوم فقراء.