«الخاطبة» شخصية من الفولكلور الشعبي في زمن الزواج السهل

كمال القاضي
حجم الخط
0

الخاطبة شخصية نسائية موهوبة في الإقناع والسعي بين الناس لإتمام مشاريع الزواج، لها مواصفات خاصة وتتميز بطلاقة اللسان وحُسن المُعاملة والمُجاملة وتتحرك في محيط اجتماعي واسع لتتمكن من أداء مهمتها بسهوله ويسر. تعتمد الخاطبة على مهاراتها الشخصية في التوفيق بين العروسين بمعسول الكلام وإرضاء غرور الطرفين، فهي تأتي بما يرغب فيه الشاب أو الشابة من صفات وإشارات في شريك الحياة ويزداد نشاطها بشكل ملحوظ في المناطق الشعبية، فقد ظلت وسيطاً مُعتمداً لفترة طويلة من الزمن قبل أن يتغير شكل الحياة وتتحول إلى الشخصية المحورية إلى مجرد تراث إنساني.
نموذج الخاطبة ورد في مئات الأعمال الفنية والدرامية وتخصصت في الدور الذي أخذ شكلاً كوميدياً فنانات شهيرات من أهمهن آمال وجملات زايد وملك الجمل ونعيمة الصغير وغيرهن كثيرات كانت أدوارهن سبباً مباشراً في شهرتهن، ولعل المثال الأوضح في تجسيد دور الخاطبة الشعبية بلباقتها وتفاصيلها وقاموسها الخاص من العبارات الغنية والثرية والمُحفزة على الزواج تمثل في أداء الفنانة الاستعراضية الشهيرة نيللي حين جسدت الدور بخفة ظلها المعهودة في فوازير رمضان إبان فترة الثمانينيات في حلقات يومية جعلت من شخصية “الخاطبة” ولقبها عنواناً رئيسياً. فقد نوعت نيللي في حلقاتها الفكاهية على مدار شهر رمضان في تلك الأثناء بين نوادر الخاطبة ومقالبها في نوبات الزواج التقليدي القائم على فكرة الترغيب بلا مُقدمات أو حيثيات موضوعية.
ونجحت الفنانة بالفعل مع المخرج الاستعراضي الكبير فهمي عبد الحميد في إلقاء الضوء على الجانب الفكاهي المُضحك للمرأة الاستثنائية العاملة في هذا المجال بحماس وتفاني مقابل مكاسب معنوية ومادية محدودة أحياناً وجزيلة أحياناً أخرى حسب الحالة والظروف ونجاح الزيجة المُراهن عليها في كل مرة.
ومنذ تاريخ عرض فوازير “الخاطبة” لا تزال الصور الكاريكاتيرية التي قدمتها نيللي مصدراً للبهجة والتندر لاختلاف الأنماط التي تم إبرازها في حلقات غايرت الشكل النمطي المعهود في السينما المصرية والدراما وامتدت إلى برامج التسلية الخفيفة وحلقات الست كوم في مراحل لاحقة.
لقد ركزت السينما في تناولها للشخصية الثرية على العرض الظاهر والشكل الخارجي أكثر من الجوهر فعمدت إلى تصويرها في كثير من الحالات كإنسانة انتهازية وصولية تستهدف المنفعة الذاتية في المقام الأول ولا تبالي بالنتائج الكارثية التي يُمكن أن تترتب على زواج غير مُتكافئ تم بطريقة ملتوية وبُنيت أسسه على قواعد واهية من الأكاذيب ودواعي الترغيب، لهذا بقيت الخاطبة برغم جاذبيتها الفنية والإبداعية عنصراً مُتهماً ونموذجاً سلبياً باستثناء أدوار قليلة ظهرت فيها الشخصية الشعبية الشهيرة بشكل سوي يطابق الواقع في حالات خاصة للغاية.
في فيلم “الليلة الموعودة” للمخرج التلفزيوني المهم يحي العلمي استطاعت الممثلة نعيمة الصغير الاقتراب بدرجة عالية من النموذج المرفوض لدور الخاطبة المُدلسة القائم نشاطها على مبدأ الخديعة والغش والتوريط باعتبار ذلك من الأسباب الرئيسية للمشاكل الزوجية وحالات الطلاق وجرائم النصب والاحتيال.
وعلى قدر الشجون التي حملها الفيلم في تفاصيل علاقة الأم كريمة مختار بابنها الوحيد أحمد زكي بعد زواجها من التاجر النصاب المعلم سيد “فريد شوقي” رسخت الصورة الذهنية السيئة والسلبية لشخصية الخاطبة وتأكدت حيثيات الإدانة كونها كانت المُحرض على الزواج الفاشل، وذلك برغم محاولات المُعالجة من جانب الخاطبة نعيمة الصغير بالاعتراف بالخطأ والوقوف إلى جانب الحق، لكنها لم تُعف تماماً من المسئولية لتأخر ندمها واعترافها.
هذا الحكم السينمائي على شخصية الخاطبة ودورها الاجتماعي في فيلم يحي العلمي تكرر في العديد من الأفلام ربما بمزيد من القسوة، فهناك أفلام ناقشت مُشكلة تعدد الزوجات في ضوء توجيه اللوم للوسطاء وعلى رأسهم الخاطبة بطبيعة الحال، وكما ظلمت السينما المصرية شخصية “الحمى” وأظهرتها في صورة مُستهجنة ومرفوضة لتسلطها وعدوانها الدائم على زوجة الابن أو زوج الابنة فعلت نفس الشيء مع الخاطبة بوضعها في برواز خاص يوحي بالامبالاة والاستهتار وعدم الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية، وفي مُعظم الحالات جاء التوظيف كوميدياً لتفادي الانتقادات والمساءلات على أساس أن الكوميديا تسمح بالتناول الساخر ولا تؤخذ عادة مأخذ الجد وهو نوع من الحماية توفرها السينما لنفسها على حساب الحقيقة في بعض الأحيان.
هناك نوعيات كوميدية خالصة لأدوار الخاطبة لم يقصد بها الإساءة أو التدقيق في طبيعة المهنة أو خلفياتها وإنما وردت في سياقاتها الطبيعية كملامح إنسانية فقط، كتلك الأدوار التي قامت بها زينات صدقي على سبيل المثال في عينات قليلة من أفلامها مع إسماعيل يسن وماجدة وفاتن حمامة وعبد الحليم حافظ وعمر الشريف وأحمد رمزي كفيلم “أيامنا الحلوة” الذي تطوعت فيه بالوساطة لدى فاتن حمامة للزواج من أحد الشبان الثلاثة الذين يحبونها مُجتمعين، عبد الحليم وعمر الشريف وأحمد رمزي، ولكنها في هذا الدور لم تُجسد دور الخاطبة المُحترفة وإنما اكتفت بالإلماح فقط للنموذج الأقرب لها بوصفها واسطة خير تسعى للم الشمل، وتكرر ذات الدور مع اختلافات طفيفة في فيلم “معبودة الجماهير” حيث دعمت زينات العلاقة العاطفية بين عبد الحليم وشادية من باب التعاطف والود ليس أكثر من دون اعتبار لأية مكاسب خاصة بها.
هكذا تم التعامل مع دور الخاطبة سينمائياً بوجهات نظر مُختلفة وفي ضوء مُعالجات مُتباينة لتمتعها بأهمية اجتماعية وإنسانية وضعتها في مصاف الشخصيات الكلاسيكية الباعثة على التأمل والمُستحقة للدراسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية