لا أعرف من اخترع فكرة الخبر “العاجل”، بصيغته الحالية؛ حيث يكتب على الشاشة باللون الأحمر الجاذب للانتباه، ولا أعرف أي محطة تلفزيونية ينسب إليها هذا الأمر، كما لا أعرف من هو أول مذيع اخترع كلمة “أتحفظ”، تماما كما لا أعرف من هو صاحب فكرة “حصري”، كبديل لكلمة “انفراد”. ومن قال لا أعرف فقد أفتى!
وفي اعتقادي أن المخترعين الأوائل لهذه المفردات، لم يكونوا يعلمون أنه سيتم ابتذالها، بهذا الشكل، بعد أن تم اعتمادها تلفزيونيا في بلاد الاستبداد، فلم يعد “العاجل” هو الحدث المهم الذي وقع حالاً، ولكن يمكن أن يكون مجرد تصريح للأخ الأستاذ عبد الفتاح السيسي قائد الثورة المصرية، وخريج مدرسة القذافي العليا لعلوم الاختراعات الحديثة!
كان السيسي في جمع من قومه، لم أهتم بالاستماع إليه، ذلك بأن القلوب تمل ولو من الفكاهة، وقد أحدث تشبعاً فيها وصل إلى مرحلة التخمة، وإذ فجأة أشاهد على قناة “النيل” للأخبار مفردة “عاجل” باللون الأحمر، في هذه اللحظة انتبهت، لأجد أن العاجل هو نصاً.. “الرئيس السيسي: منذ 30 عاماً لم يكن أحد يتصور تراجع استخدام النقود مثلما يحدث الآن”!
فمن الواضح أن فكرة الخبر العاجل صارت مشوهة في أذهان البعض، وبحاجة إلى إعادة ضبط وتحرير، لدرجة أن المسؤول عن إدارة العمل بقناة “النيل” للأخبار في هذه اللحظة التاريخية، اعتقد أن مجرد فتح عبد الفتاح السيسي لفمه هو الخبر العاجل، وأعتبر ما قاله على أنه فتوحات غير مسبوقة، وتجليات عظيمة في علم الأجرام السماوية، وباعتباره طبيب الفلاسفة، ومن هنا فكل ما يقوله هو أمر يستحق أن يعرض للناس بشكل “عاجل” من أجل لفت انتباههم اليه، ولا أعرف إن كان المسؤول في هذه اللحظة التاريخية من عمر كوكب الأرض، كان يعتقد أن أحداً غيري يشاهد “النيل” للأخبار، أم أنه كان متوحداً مع الحالة، ولا يعنيه إلا إرضاء شخص واحد، إعمالاً لنصيحة خالدة: “إربط الحمار في المكان الذي يختاره صاحبه”، فكان الخبر العاجل، هو ما قاله السيسي من أنه “منذ 30 عاماً لم يكن أحد يتصور تراجع استخدام النقود مثلما يحدث الآن”.
فأين الخبر في ما قاله الفريق أول عبد الفتاح السيسي؟ ليصبح بعد ذلك من حقنا أن نناقش إن كان يصلح أن يكون “عاجلاً”، أم “آجلا”؟! فعند اخضاع ما قاله السيسي لعملية التشريح، فلا يمكن الوقوف على طبيعته، أو صفته التشريحية، لكن المؤكد أنه ليس خبراً إبتداء، ومع ذلك تمدد على الشاشة بالبنط العريض، وباللون الأحمر، الذي يُستخدم لجذب الانتباه!
ولعل اعتقاد القائم على الأمر في قناة “النيل للأخبار”، ناتج من تصوره أن ما قيل كلام مهم، لأن السيسي عندما يردد ما سمع تبدو عليه حالة انشراح، وكأنه يأتي بالذئب من ذيله، أو أنه وقف على اكتشاف علمي خطير، وهو دائم الايحاء والتلميح ثم التوضيح بأنه “فلتة العصر” و”عبقري العالم”، وإذا كان يعلم أنه لم يقرأ كتاباً في حياته خارج المقررات الدراسية، فإنه يعتبر علمه الهاماً وفتوحات ربانية، وقد استدعى من قبل الآية الكريمة “ففهمناها سليمان”، وهو يشير إلى ذاته، فيبدو أن هتافات المتظاهرين بميدان التحرير في تجليات الثورة عن جهل العسكر أصابه بعقدة نفسية أنتجت هذه الحالة، وقد شاهداً ذات ليلة ضابطا يتخلى عن دوره الوظيفي، ويصرخ في المتظاهرين: الضباط يغضبون لهذا الهتاف.. اهتفوا ولو يسقط حكم العسكر!
الخبر وكلام السيسي
وبعيداً عن السيسي وثقافته، فقد كان يلفت انتباهي دائماً استخدام المساحة المخصصة للخبر العاجل (تفرط الجزيرة في توسيع المساحة مع بعض الأخبار العاجلة للفت الانتباه بأن الخبر المحتفى به أكثر أهمية من مجرد عاجل)، لأخبار ليست عاجلة، وبعضها ربما يكون الأفضل تصنيفه بكلمة “مهم” باعتبارها الأكثر ملائمة، وقناة “الجزيرة مباشر” لديها اصطلاح خاص بها بجانب “عاجل” هو “ورد التو”، وقد شاهدنا في جريمة مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، كيف أن الخبر “عاجل” ومع أنه “عاجل” يظل بالساعات على الشاشة!
ولأنني، لا أغلق التلفزيون قبل النوم، فقد أغلق الصوت في كثير من الأحوال، فقد نمت ليلتي وأخباراً عاجلة على الشاشة، فلما استيقظت من نومي قلت ربما لم أنم، لأن نفس “العواجل” لا تزال على الشاشة، ولم أنتبه إلى أننا صرنا في الصباح، إلا والشمس تحط على رأسي، لقد ظلت “العواجل” على الشاشة – إذن – بضع ساعات!
بيد أنها في النهاية أخباراً، فلم يختلف أحد على تصنيفها، والخلاف حول معنى “عاجل”، التي يراها البعض أنها مرادف لكلمة “مهم”، وهذا ليس صحيحاً، فكل الأخبار التي تنشر على أنها عاجلة مهمة، وليست كل الأخبار المهمة عاجلة، ولم نكن نعلم أن هناك من اضطرب وعيهم المهني، حد أنهم لا يعرفون الفرق الجوهري بين الخبر وكلام السيسي!
وهذا التصريح الذي نشرته قناة النيل للأخبار (بالمناسبة لم يعد اسمها للأخبار فقد صارت النيل فقط)، نشرته جريدة “الشروق” بصيغة مختلفة، ولا أعرف إن كان الاختلاف مرده إلى اجتهاد المجتهدين في أقسام الصياغة هنا وهناك، في ترجمة كلام السيسي الذي يكون مبتورا ويتم تحويله إلى مادة صالحة للتعامل البشري، أم أنه هو من كرره بصيغة مختلفة، فاعتمدت القناة صيغة وأعتمدت “الشروق” الصيغة الثانية.
فـ “الشروق” نشرت التصريح على هذا النحو.. “السيسي: بدأنا نرى ملامح اختفاء النقود”. وقد شد هذا التركيز انتباهي حتى تساءلت: ماذا هناك؟!
لقد علمتنا التجربة أنه يحدث كثيراً، أن يلقي السيسي كلاماً يبدو أنه لا محل له من الإعراب، مبتوراً وخارج السياق، لكنه يعبر عن أمر يفكر فيه أو اتجاهاً سيسلكه، والمساحة بين عقله الباطن، وعقله الحاضر، ولسانه، متقاربة، فلا شئ يختمر في ذهنه.. فماذا هناك؟!
أول ما تبادر إلى ذهني أنه ربما ينتوي أن يدفع بالمصريين إلى التعامل بـ “الفيزا” بديلاً عن أوراق البنكنوت، لأنه قرر الاستفادة من الورق المخصص لصناعة النفود وربما بيعه قبل الاستخدام في السوق السوداء، وهو شخص أقرب إلى ثقافة تاجر البقالة.. أنظر إلى تصريحه القديم عن أنه يحتاج إلى “الفكة” من المصريين، ليمكنك تحديد أبعاد شخصيته!
وهل يريد التمهيد لمرحلة اختفاء النقود في مصر، لأن جهة أجنبية ستقدم منحة لمصر من أجل انشاء ماكينات لصرف العملة، مثل المنحة الخاصة بمشروع “تابلت لكل تلميذ” لتوضع عليها المقررات الدراسية بديلاً عن الكتب المطبوعة، وفي بلد تعاني من عدم وجود مقاعد للتلاميذ في كثير من المدارس، وبعض هذه المدارس هي أبنية متهالكة. ومثل أيضا مشروع الكشف على مئة مليون مصري لعلاج فيروس سي، وهو المشروع الذي تمت نسبته لشخص السيسي، في حين أنها منحة أجنبية، لسنا على يقين أنها تنفق بالكامل في الاتجاه المقررة له!
الحالة السودانية
لست ضليعا في الاقتصاد، لا يمكنني سبر اغوار السيسي، فماذا وراء قوله: “بدأنا نرى ملامح اختفاء النقود”، فتجد قناة “النيل للأخبار” في هذا التصريح أهمية، فتنقله إلى مرتبة الخبر، وتدرجه تحت عنوان “خبر عاجل”. وحدود علمي بالاقتصاد في النظرية الاقتصادية الخالدة: “الله جاب.. الله أخذ.. الله عليه العوض”!
قال الذي عنده علم من الكتاب انظر إلى الحالة السودانية في التعامل في موضوع النقود “يستوي لك الصف”، وهناك شاهدنا حالة التزاحم على “ماكينات صرف العملة”، التي تكون خاوية، وما أن يعلموا أن الحكومة ضخت فيها أوراق البنكنوت، حتى يهرعون إليها، لتكون مشكلتهم ليست مع الحكومة ولكن مع هذه الماكينات، وتكون هناك طريقة أخرى لعدم وفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه موظفيها، لا تنسى أن السيسي قام بـ “رشة جريئة”، بقراره زيادة المعاشات، والرواتب، والحد الأدنى للأجور، ولم نكن نعلم ما يفكر فيه، فسوف يدفع الناس لأن تقر بأن أحوالها كانت قبل الزيادة أفضل، فكثير دائم خير من قليل منقطع، عندما تتراكم أموال الموظف لدى الدولة، ولكن الماكينات لا توجد فيها أوراق بنكنوت من أصله أو أوراق كافية!
هل وصل هذا إلى ذهن عبقري قناة “النيل للاخبار”، فوجد في التصريح خبراً بالغ الأهمية، بأن مصر ستنتقل إلى مرحلة صرف الرواتب عبر الماكينات وليس عن طريق خزينة المؤسسات التي يعملون بها، مع اختفاء أوراق النقد، فاعتبره ليس خبراً فقط ولكنه “خبراً عاجلاً”؟!
انها إدارة الدولة بالفهلوة و”لعب الثلاث ورقات”، لكن إذا قلت هذا الكلام في برنامج تلفزيوني فلا تستبعد أن يتمدد المذيع بالحرارة وهو يقول: “اتحفظ على هذا الكلام”، وبعض المذيعين يرون أن “عدة الشغل” ينبغي أن تحتوي على كلمة “أتحفظ”، فيقولها بدون داع ضرورة، وبدون أي ضرورة مهنية، فلا يكون المذيع مذيعا إلا إذا قال “أتحفظ”، فمن صاحب حق الأداء العلني لهذه الكلمة: “أتحفظ”، ومن أول محطة تلفزيونية استخدمتها وكانت حصري لديها، قبل أن يجري انتقالها للمحطات الآخري وابتذالها في وقت لاحق، بل ومن أول من نحت مفردة “حصري” بديلاً لانفراد، والتي أسرف التلفزيون المصري في استخدامها تماشياً مع ثقافة السجع: “حصري على التلفزيون المصري”، فكل المسلسلات التلفزيونية هي “حصري على التلفزيون المصري”، مع أنها تعرض على عشرات القنوات الأخرى، لقد تم ابتذال “حصري” كما ابتذلت كلمة “أتحفظ”، تماما كما ابتذل “الخبر العاجل” فأصبحت تصريحات السيسي أخباراً عاجلة!
“ليس كل تصريح خبر، وليس كل خبر مهم، وليس كل مهم عاجل”، وليس كل زيادة في الرواتب يقرها السيسي سيصرفها.
فلا أمان للدهر ولو صفا.
صحافي من مصر