«الخروج إلى المسرح»: حينما يقترب المسرح التونسي بكل دلالاته من الجمهور

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: «الخروج إلى المسرح…الخروج إلى الحياة» هي تظاهرة فنية ثقافية يعيش على وقعها الجمهور التونسي بتنظيم من مسرح أوبرا تونس وقطب المسرح والفنون الركحية، وتحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية التونسية. وتساهم هذه التظاهرة في دورتها الرابعة، في تقريب المسرح التونسي من جمهوره وذلك من خلال تقديم عروض مسرحية محترفة يحضرها ثلة من خيرة المسرحيين سواء تعلق الأمر بممثلين أو مخرجين أو بكتاب سيناريو أو بتقنيين في مجال الإضاءة والمؤثرات الصوتية أو غيرهم.

وفي هذا الإطار، ولضمان الحضور الجماهيري، تم فتح أبواب المسرح مجانا وللعموم، كما تمت برمجة العروض على الساعة السابعة والنصف مساء أي بعد انتهاء التونسيين من العمل والدراسة وعودتهم إلى بيوتهم. وقد كسبت التظاهرة الرهان إلى حد الآن وعرفت الإقبال الجماهيري المنشود الذي جسّد عشق التونسيين للمسرح الذي أولته دولة الاستقلال عناية خاصة عملا بمقولة شكسبير «أعطني مسرحا أعطيك شعبا راقيا».

تنوع في العروض

وشهد اليوم الافتتاحي من هذه التظاهرة عرض مسرحية بعنوان L’albatros أو «طائر النورس» من إخراج الممثل والمخرج المسرحي التونسي الشاذلي العرفاوي والمخرج الإيطالي سينزيا ماتشانيانو. والمسرحية هي إنتاج مشترك بين مسرح أوبرا تونس ومسرح ستابيل بكاتانيا الإيطالية وتم عرضها بمسرح الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بالعاصمة.
كما شهدت التظاهرة عرض مسرحية «مايراوش» (لا يرون) من إخراج منير العرقي وإنتاج المركز الوطني لفن العرائس وكان ذلك بمدينة الثقافة أيضا ولكن بقاعة أخرى هي قاعة المبدعين الشبان التي شهدت أيضا عرض مسرحية «شوق» التي أخرجها حاتم دربال وأنتجها مركز الفنون الدرامية والركحية بن عروس.
ومن العروض المقدمة أيضا مسرحية «الهروب من التوبة» من إخراج عبد الواحد مبروك وإنتاج مركز الفنون الدرامية والركحية بتوزر (الجنوب الغربي للبلاد التونسية) ومسرحية «الفيرمة» إخراج غازي الزغباني وإنتاج فضاء الأرتيستو بمسرح الجهات. ومن العروض الهامة أيضا في هذه التظاهرة الثقافية مسرحية «1114» من إخراج معز القديري وإنتاج مسرح أوبرا تونس.

صراع القلب والعقل

وتدور أحداث المسرحية الأخيرة حول الصراع الأزلي بين العقل والقلب، أي بين العاطفة والمنطق، وهي الثنائية التي تطغى على تفكير الإنسان وتتجاذبه وتجعله في حيرة من أمره عند اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بحياته وفي لحظات حاسمة. وفي هذه المسرحية يسعى كلاهما، أي العقل والقلب لإنقاذ الجسد الذي قرر الانتحار بسبب المشاكل والصعوبات وضغوط الحياة واليأس وانعدام الأمل، فهل يجدان الحل لهذا «الجسد العبء» على كليهما في حوارهما المسرحي الذي يقطر إبداعا كما أغلب أعمال المسرح التونسي؟
إن قصة هذه المسرحية مقتبسة من مسرحية «ذهان 4:48» للكاتبة سارة كين التي انتحرت بعد كتابتها لهذه المسرحية ببضعة أيام وتركت نصّا جاء فيه: «كانت لديّ القدرة على البكاء أما الآن فقد تجاوزت مرحلة الدموع». فالمسرحية باختصار هي مذكرات كين في المستشفى وعبرت فيها عن ما عاشته من صراع بين عقلها وقلبها قبل أن تقدم على الانتحار لكن الفرق أن كين انتحرت لكن جسد المسرحية تم إنقاذه لأنه أنصت إلى حديث العقل.
إن المسرحية بالنهاية هي حصة علاج نفسي في عيادة للطب النفسي لشخصية لديها ملف طبي رقمه 1411 وتعاني من اضطرابات نفسية وبحاجة لطبيب يأخذ بيدها يشخص المرض في مرحلة أولى ثم يضع العلاج المناسب. وقد بدأ تشخيصه من خلال صوت سأل المريض في بداية المسرحية «انت عندك صحاب» بمعنى هل لديك أصدقاء ويؤكد الطبيب بذلك على أهمية أن يكون الشخص ناجحا اجتماعيا ولديه أصدقاء كسبب من أسباب التوازن النفسي.

قضايا سياسية

ومن المسرحيات التي عرضت في تظاهرة «الخروج إلى المسرح» مسرحية «الفيرمة» وهي كلمة إيطالية مستعملة في العامية التونسية وتعني المزرعة وهي إن دلت على شيء فهي تدل على تأثير الجالية الإيطالية التي عاشت في تونس على المصطلحات اللغوية الفلاحية باعتبارها امتهنت هذا النشاط في وقت ما. و«الفيرمة» هي من إنتاج فضاء «الأرتيستو» وهي أيضا كلمة إيطالية وتعني الفنان، ومن تمثيل كل من محمد حسين قريّع وإباء حملي ويسرى الطرابلسي وأسامة غلام وغازي الزغباني الذي تكفل أيضا إلى جانب النص والإخراج بموسيقى العمل، أما الإضاءة والديكور فهما لسليم الزغباني.
ويعرف غازي الزغباني بأعماله المتمردة التي لا تعترف بمحاذير وخطوط حمراء، وبطرق جميع ما يعتبره البعض من المحرمات السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها. ولم تشذ هذه المسرحية عن القاعدة حيث تناولت قضايا سياسية عديدة مثل الاستبداد والتسلط والفساد والظلم والدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وغيرها. وتتحدث المسرحية عن سي «الأمجد» هو رجل ثري يمارس النشاط السياسي ويتعرّض إلى حملات بمواقع التواصل الاجتماعي تشنها ميساء الناشطة في المجال الحقوقي. وقد جعل ذلك الناشط السياسي يهدد الحقوقية بالويل والثبور في مرحلة أولى ثم يقوم باختطافها وإخفائها في الفيرمة أو الضيعة الفلاحية أو المزرعة في مرحلة ثانية.

محاكاة الواقع

وتتشكل «الفيرمة» في المحكية التونسية وتعني المزرعة، من خمس غرف فيها خمس شخصيات منعزلة عن العالم وفي كل مشهد يقع تسليط الضوء على غرفة من هذه الغرف، واحدة تضم أخا لرجل السياسة المستبد والغرفة الأخرى تضم زوجته، وكل من الأخ والزوجة يعيشان الظلم والقهر. وتضم الغرفة الثالثة العضد الأيمن لرجل السياسة الذي ينفذ الأوامر ويقمع الجميع باستثناء سيده الذي يتلقى منه الأوامر لاستهداف الآخرين والتنكيل بهم. وتضم الغرفة الرابعة الناشطة الحقوقية المخطوفة المشار إليها فيما الخامسة هي لسيد الفيرمة الظالم المستبد الذي يقمع الجميع ولا توجد في قلبه الرحمة حتى بأقرب الأقربين له وهما زوجته وشقيقه فمابالك بالناشطة الحقوقية.
لقد رأى البعض في مسرحية الفيرمة محاكاة للواقع التونسي الذي يضم مستبدين في الحقل السياسي وهم كثر وفي مختلف التيارات والأحزاب وفي صفوف المستقلين أيضا. وكم من مستبد تظاهر بالديمقراطية وانتقد من في الحكم على تأبيد البقاء لكنه سار على نهجهم وبقي على رأس حزبه لعقود وصفى خصومه وأزاحهم حين عارضوه.
كما تعج تونس بالنشطاء الحقوقيين الذين يتصدون للمستبدين ولا يخشون في الحق لومة لائم وقد كانوا في الماضي يودعون في غياهب السجون ويتم التنكيل بهم وحتى بأفراد عائلاتهم. كما تضم تونس بقية شخصيات الفيرمة التي يبقى لديها رغم كل شيء توق مستمر للتحرر والانعتاق في مجتمع حي يعالج مشاكله من خلال المسرح ولا يعترف بتابوهات أو محاذير رغم المحاولات المتكررة لاستهداف نعمة الحريات من قبل أكثر من سياسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية