«الخطابة والمُبالغة» عناصر الضعف في الإبداع والأداء التمثيلي

كمال القاضي
حجم الخط
0

كثيراً ما يتردد تعبير الخطابة عند الإشارة إلى ضعف مستوى الأداء التمثيلي أو تهافت النص المكتوب في الفيلم أو المسرحية أو الدراما التلفزيونية، وهناك نجوم كبار وقعوا في شرك الأداء الخطابي الفج برغم تمتعهم بالموهبة ووصولهم إلى مستوى النجومية أو ربما الأستاذية في بعض الأحيان.
غالبية ما تم رصده من عيوب الأداء التمثيلي كان في فترة مُبكرة من عُمر السينما المصرية، حيث اتسمت الموضوعات والقضايا المطروحة في زمن البدايات بالكلاسيكية الشديدة والعمل على إظهار الهدف المباشر من الحدوتة الدرامية بشكل تعليمي وتلقيني إلى حد مُبالغ فيه.
وهناك أمثلة شديدة الوضوح تدل على إتباع المنهج الخطابي في بعض المواقف المهمة التي بُنيت عليها الأحداث الدرامية، كما في فيلم «زينب» للمخرج محمد كريم وبطولة راقية إبراهيم ويحي شاهين، ففي حينها لم يكن الأداء النمطي عيباً يُفسد العمل الفني أو يُشير إلى ضعف موهبة الممثل أو الممثلة، إذ لم تكن السينما المصرية قد مرت حينئذ بمراحل التطور الكافية، لذا اعتبرت التجارب الأولى محض تجريب فيلم يؤخذ معيار الأداء مقياساً للإجادة إلا إذا كان مقروناً بالعناصر الفنية الأخرى كالتصوير والمونتاج والصوت والديكور وغيرها.
هناك أيضاً فيلم «الشيخ حسن» للممثل الكبير حسين صدقي يحسبه الكثير من السينمائيين واحداً من الأفلام الرائدة والمهمة بمقياس عصره، وهو بالقطع كذلك إذا تغاضينا عن المُباشرة في توجيه المضمون واللغة المكتوب بها السيناريو، بالإضافة إلى الأداء التقليدي للبطل حسين صدقي الذي حصل في حينه على عشرات الفرص كبطل مُطلق لكثير من الأفلام مع بطلات ونجمات كبيرات كليلى مراد ومديحه يسري على سبيل المثال.
ومن بين نجوم التراجيديا والكوميديا على حد سواء النجم الكبير يوسف وهبي صاحب الرصيد الأوفر في السينما والمسرح وهو المُلقب بالأستاذ، فقد ناله حظ من النقد في هذا الخصوص واتُهم في بعض الأحيان بالمبالغة في الأداء والتمسك بلغة الإرشاد والخطابة والرسمية الشديدة في التعبير عن المضمون الدرامي وفق السياق المكتوب والمُتفق عليه، وهذا الأمر حسب الآراء والتفسيرات تكرر في السينما والمسرح في أعمال بعينها خصمت القليل من تقديرات تميزه كممثل وفنان له تاريخ وبصمة وحضور.
ولعل ما أصاب جيل الرواد من مآخذ على بعض الأدوار طال أيضاً نجوم بعينهم من جيل الوسط كالفنان محمود يسن فلم تحظ كل أدوارة بالقبول برغم نجاحه الساحق وشعبيته الكبيرة، فهناك تباينات في مستوى ما قدمه من أفلام، حيث لم تسمح كل الأدوار التي قدمها بإظهار كل طاقاته الإبداعية وظل متراوحاً بين المتميز والأقل تميزاً. ففي فيلم «قاهر الظلام» الذي جسد فيه شخصية عميد الأدب العربي طه حسين لم يكن في أحسن حالاته الإبداعية برغم حصوله على جائزة الأداء التمثيلي آنذاك، بينما أبدع في غالبية ما قدمه من شخصيات كان لها بالغ الأثر في احتفاظه بلقب نجم الشباك لفترة طويلة.
وهناك أيضاً أدوار معينة لنور الشريف أثبتت جدارته كممثل مُحترف مثل «كتيبة الإعدام» و«جري الوحوش» و«أهل القمة» و«دائرة الانتقام» و«ضربة شمس» و«أيام الغضب» و«ناجي العلي» و«آخر الرجال المُحترمين» و«العار» تقابلها أدوار أخرى كانت أقل حظاً في نجاحها وارتباط الجمهور بها كفيلم «دماء على الأسفلت» و«عفريت النهار» ولهيب الانتقام» وغيرها وهي نوعية تجارية لم يُعطها الفنان الكبير حقها من العناية وظهر فيها تكلف أدائه بالشكل الذي أفقدها الكثير من الأهمية.
ولو بحثنا عن النماذج التي قدمتها السينما المصرية على مدار رحلتها المئوية سنجد أن من بينها أفلام كثيرة لم يُحالفها النجاح نتيجة المُبالغة في الأداء التمثيلي من جانب الأبطال والبطلات، كبعض أفلام نادية الجندي التي انشغلت فيها بتقديم النموذج الخارق للمعلمة القوية التي تتحدى كل العقبات وتواجه أقوى الرجال بثبات يندر حدوثه إلا في أفلام نجمة الجماهير كفيلم «وكالة البلح» وفيلم «ملف سامية شعراوي» و«عصر القوة» و«امرأة هزت عرش مصر» وغيرها من العناوين التجارية المصنوعة خصيصاً لشباك التذاكر.
ولم تكن نادية الجندي وحدها التي اتسمت أفلامها بالمُبالغة وإنما مثلت المُبالغة ظاهرة قوية في فترات معينة تسببت في فشل بعض الأفلام ومن بينها نوعيات من أفلام فيفي عبده كفيلم «الصاغة» وفيلم «القاتلة والغجر» وهي نوعيات وإن كانت حققت مُعدلات ربحية مُرتفعة في دور العرض إلا أنها لم تُعد من الأفلام الجيدة بحسابات السينمائيين والنقاد.
هذا بالإضافة إلى وجود إشكالية أخرى لدى الجمهور المصري في استقبال الأفلام المُركبة برغم أهميتها مثل فيلم «أرض الأحلام» لفاتن حمامة و«أرض الخوف» لأحمد زكي و«قلب الليل» لنور الشريف و«الراقصة والسياسي» لنبيلة عبيد و«النداهة» لماجدة وشكري سرحان. فهذه الأفلام تحتاج لاستقبال خاص ووعي مُختلف بمستويات الطرح الثقافي والسياسي وهي شروط لا تتوافر عادة في كل الفئات من الجمهور، حيث اختلاف الأذواق والرغبات والفروق الذهنية والفكرية تؤدي في كثير من الأحيان إلى بعض الأزمات وتتسبب في خسارة أفلام بعينها مادياً وجماهيرياً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية