تعامل الإعلام المصري، في واقعة البطل محمد صلاح، على أنه من بنها!
و«بنها» مدينة مصرية، لم أتشرف بزيارتها من قبل، لكن مع هذا وجدت ذات عام أنني ارتكبت مخالفة مرورية فيها، وعبثا حاولت إقناع وكيل النيابة المختص، بأنني لم أذهب الى «بنها» حيا أو ميتا، نائما أو مستيقظا، وكل ما فعله هو تخفيض قيمة الغرامة. لكني بعد ذلك تذكرت المسلسل التلفزيوني «عيون»، بطولة الفنان فؤاد المهندس، الذي كان يقوم فيه بدور محام، وقد أصيب بمرض نفسي جعله يسير ليلا وهو نائم، واتهم بارتكاب جريمة قتل، قبل أن يُبرأ منها، وحمدت الله أن الأمر توقف عند المخالفة المرورية، ولم يمتد إلى اتهامي بارتكاب حادث، أودى بحياة بإنسان!
وعبارة إنه يتصرف على أنه من «بنها»، تذكر بصياغات مختلفة، لكنها تفيد معنى واحداً، هو تجاهل أمر أو ادعاء عدم العلم بأمر ما، وبشكل يكون غالبا مرتبطا بالبلادة أو ادعائها، وهي عبارة مأخوذة من تصرف للمسافرين، عندما يداهمهم محصل التذاكر بالقطار، فيدعون أنهم صعدوا القطار من بنها، في حين أنهم استقلوه من محطة أبعد، ومنها أخذ الوجدان الشعبي عبارة إنه يتصرف على أنه من «بنها»!
وهو حال الإعلام المصري، تلفزيونا، وصحافة، ومواقع إلكترونية، من تجاهل الحادث وكأنه لم يقع، وعلى نحو أثار تساؤل الناس عن السبب. والسبب معروف والمعروف لا يعرف، فقد اعتبروا أنهم عندما يتصرفون على أنهم من «بنها»، لن يعلم الناس بما جرى، وكأننا لا نزال نعيش في زمن نعرف فيها أخبار بلدنا، عبر «صوت أمريكا» أو إذاعة لندن الناطقة باللغة العربية، أيام أن كانت «هنا لندن القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية»، وقبل أن يلحق بها اسم «بي بي سي»، ولا يزال القوم يعيشون في زمن، خرج فيه الإعلام المصري، ومن إذاعة صوت العرب، إلى الصحافة المطبوعة، بإعلان الانتصار الساحق الماحق على إسرائيل، وأن الجيش المصري على أعتاب تل أبيب، بينما الحقيقة لم تكن كذلك!
لا يوجد إعلام مستقل في مصر، فهو إما اعلام تملكه السلطة، أو آخر تتصرف فيه السلطة تصرف المالك فيما يملك، ولهذا كان القاسم المشترك هو تجاهل الخبر، ثم بدأ التطرق على مضض، وليتهم ما فعلوا!
التمسك بالرواية اليتيمة:
فعندما حل اللواء خالد الذكر سمير فرج ضيفا على «عزة مصطفى» في برنامجها على قناة «صدى البلد» قال كلاما يُضحك الثكالى، إذ وقف عند الرواية الرسمية التي تجاوزتها الأحداث بما أذاعه الجانب الإسرائيلي للأسف، وأثبتت القرائن عدم صحتها للأسف، لتنتصر الرواية الإسرائيلية مع بالغ الأسف.
فقداسة الجنرال وبعد أيام من الحادث، كرر الرواية المصرية اليتيمة التي نشرها المتحدث العسكري في اليوم الأول، وهي أن الجندي المصري كان يواجه مهربين للمخدرات، عندما أطلق عليه الجنود الإسرائيليون الرصاص، لأن المطاردة استدعت دخوله خلفهم للأراضي الإسرائيلية (يقصد أرض فلسطين المحتلة)!
وبعد أيام من الحادث، ووقوف الرأي العام على حقيقة ما جرى، فلا مهربو مخدرات ولا يحزنون، كان جنرالا آخر على شاشة «الجزيرة مباشر» يردد الرواية الرسمية، وهو وإن سقط اسمه من ذاكرتي، فيكفي أنه تم تقديمه على أنه رئيس جهاز الاستطلاعات العسكرية سابقا، وهو ذاته الجنرال صاحب الرأي المتناقض من قضية تيران وصنافير، فعلى شاشة قناة تلفزيونية قال إن الجزيرتين مصريتان، وعلى شاشة قناة أخرى أكد بثقة أنهما سعوديتان، ولله في خلقه شؤون!
جنازة عسكرية للشهيد:
ليس هذا موضوعنا، فما يهمنا هو تمسك القوم بالرواية الأولى، التي لم يحدث عليها «تحديث»، وهذا يضعهم في حرج بالغ، لأنه إذا كان الجندي المصري مات وهو يواجه مهربي مخدرات، وإن استهدفه الجيش الإسرائيلي بالخطأ، فهو شهيد الواجب، فلماذا لم تخلع عليه السلطات المصرية لقب «الشهيد» وحاله كذلك، ولماذا لم تنظم له جنازة عسكرية، كما حدث مع زملاء له من شهداء الواجب، ولماذا الحرص على ألا يشيّع إلى مثواه الأخير في جنازة شعبية من المؤكد أنها ستكون حاشدة؟!
لقد تسلمت السلطات المصرية الجثمان من الجانب الإسرائيلي، ومن هناك إلى المقابر في قرية «كفر العمار» في محافظة القليوبية التي تتبع لها مدينة «بنها» أيضا.
ذكر الجنرال سمير في حديثه مع المذيعة عزة في شموخ يليق بكونه جنرالا ذا هيبة، أن المعلومات ضئيلة من الجانب الإسرائيلي، وأنه يعذرهم لأن الموضوع كبير بعض الشيء… انظر من يتكلم؟!
فاللافت هنا أن الشح كان من الجانب المصري، حيث اكتفى المتحدث العسكري بخبر واحد يتيم وإن الله يحب المحسنين، وفيه ذكر أن القتل حدث بعد مطاردة الجندي لمهربي مخدرات، قال اللواء سمير فرج إنهم دخلوا من مصر إلى إسرائيل! وبحسم يليق بوضعه العسكري المهيب قال اللواء سمير، إن إسرائيل رسبت في التعامل مع الواقعة، فقد بدت كما لو كان الإسرائيليون يبحثون عن «حاجة». وهو خطاب موجه للداخل، متجاهلاُ ثورة التكنولوجيا التي جعلت من مواطن يعيش في أقصى قرية بالريف المصري، يقف على الحقيقة بسهولة! لا بأس، مع التمسك بالرواية المصرية، فلماذا لم يتم إطلاق لقب الشهيد رسميا على الجندي؟ ولماذا لم يشيّع في جنازة عسكرية؟!
إنني مدرك لأزمة الجيل الذي ينتمي اليه كل من الجنرالين المتقاعدين، فهو جيل لا يستطيع تصور أن الدنيا تغيرت، وأن الناس لم يعودوا في انتظار الإعلان عبر صوت العرب، أو أحداث 24 ساعة على التلفزيون المصري، وهو الجيل نفسه الذي ينتمي له شقيق لزميلنا كان في زيارته في مقر الجريدة، وأطلع على عمل وكالات الأنباء، وأدهشه أن تمر الأخبار عبر جهاز التيكرز، وأدهشه أيضا أنها تأتي من الخارج ولا تمر عبر أي جهاز أمني، وذلك في زمن كان فيه جهاز الفاكس نفسه، لابد أن يمر عبر الاستخبارات، قبل استعماله، وقال وهو لا يزال في دهشة: والأمن القومي المصري؟!
لقد كانت فرصة لانطلاق قناة «القاهرة» الإخبارية، التي ولدت ميتة، إذا فتحت مجالا للتغطية الجادة، ومن المؤكد أنها كانت ستحتكر مجالا للتغطية لا يتوفر للجانب الإسرائيلي، أو حتى لقناة «الجزيرة»، التي لم يفتح مكتبها بعد في القاهرة.
إنها الخيبة الثقيلة!
أرض جو: نصبوا زفة للفنان عادل إمام، بمناسبة ذكرى مولده، وهو يستحق هذا بامتياز، فحالة تفوقه على أقرانه الذين ظهروا معه في مسرحية «مدرسة المشاغبين»، وحدها تحتاج لحديث طويل، وبعيدا عن الرسالة فهو ملك الكوميديا في مصر!
وتأخذ الذكرى هذا العام أهميتها من كونه اختفى عن المشهد، مع إعلان وفاته أكثر من مرة، بل إن البعض على منصات التواصل تطوع بنشر صور له لم تكن صحيحة، فالهدف منها هو التشفي، وكأنه تجوز الشماتة في تغير الملامح لرجل تجاوز الثمانين من عمره، وبعد تاريخ حافل بالعمل، ولهم في هذا النشر مآرب أخرى! هي نفس المآرب التي جعلت من يتطوعون بنشر صورة للمجند المصري لم تكن حقيقية، وعند اكتشاف أمرها نشروا له فيديو أيضا لم يكن حقيقيا، ثم نشروا فيديو لسرادق عزاء ضخم، لم يكن له، فمن أنتم؟!
المثير للدهشة هو هذا الاحتفاء من قبل الإعلام التابع للسلطة، حتى أن عزة سالفة الذكر طالبت بإطلاق اسم عادل إمام على ميدان في مصر، وهو يستحق – من وجهة نظري- أكثر من ذلك، بل يستحق أن نطلق اسمه على العاصمة الإدارية الجديدة، تخليدا لذكراه، وامتنانا من النظام لرسالته، وتأكيدا على أن باني الجمهورية الجديدة هو الراعي الرسمي للفنون!
بيد أن القوم بدوا كمن يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، فتغييب عادل إمام لم يكن من جانب حكومة الإخوان، ولكن بقرار من السلطة الحالية المحتكرة للدراما، ثم منحته عملين فقط على مضض خلال العشر سنوات الماضية، وفي فترة كان فيها «الزعيم» قادرا على العطاء، وهي سياسة تغييب كل النجوم والقامات الفنية لصالح جيل محمد رمضان، فحتى عبلة كاملة لا تعمل!
ألا يستحى القوم؟!
صحافي من مصر