تونس-“القدس العربي”: يستعد التونسيون لاستحقاق سياسي على غاية من الأهمية نهاية هذا العام، يتمثل في الانتخابات التشريعية والرئاسية لاختيار خليفة للباجي قائد السبسي ولتشكيل برلمان جديد مدته النيابية خمس سنوات. ووفقا لاستطلاعات الرأي فإن حركة النهضة تحتل المرتبة الأولى في نوايا التصويت تليها حركة نداء تونس التي كانت إلى وقت غير بعيد تحتل المرتبة الأولى في استطلاعات الرأي.
وتبدو هذه الاستطلاعات منطقية بالنظر إلى الخريطة الحزبية والمشهد السياسي الذي يتشكل من حزب كبير بفعل أعداد المنخرطين والداعمين الداخلي والخارجي، وأحزاب أخرى صغيرة لا يبدو أن لديها القدرة في الوقت الراهن على الحصول على المركز الأول في الانتخابات التشريعية. فحتى حركة نداء تونس التي فازت بانتخابات 2014 تفككت على مرحلتين، الأولى كانت بخروج أمينها العام السابق محسن مرزوق الذي تبعه عدد كبير من نواب الحركة وقيادييها وقواعدها وشكلوا حزبا جديدا، والثانية كانت بخروج رئيس الحكومة يوسف الشاهد وتمرده على رئيس الجمهورية بدعم من حركة النهضة وتبعه عدد من نواب الحركة والمنتمين إليها.
وتطرح بعض الأحزاب السياسية نفسها في الوقت الراهن بديلا عن حركة نداء تونس في تجميع العائلة الدستورية خاصة وأن النداء لم ينجح في تسويق نفسه مثلما أراد في البداية على أنه الممثل الشرعي للدساترة والوريث للحركتين الوطنية والإصلاحية. فالقيادات الدستورية وضعت في الصف الثاني والثالث وحتى العاشر في حركة نداء تونس مقابل اضطلاع اليساريين والنقابيين والمستقلين بالمناصب القيادية، ما اضطر كثير من هذه القيادات والقواعد الدستورية الندائية إلى مغادرة حركة نداء تونس.
ومن بين الأحزاب الدستورية التي بدأت تعود إلى الواجهة، حزب المبادرة الذي يرأسه وزير الخارجية الأسبق ووزير الإصلاح الإداري الحالي كمال مرجان، وينوبه على الرئاسة الأمين العام السابق للتجمع الدستوري الديمقراطي المنحل محمد الغرياني. فهذا الحزب الذي خاض انتخابات 2011 التأسيسية وفاز بعدد مقاعد معتبر فيها بالنظر إلى الشيطنة التي طالت أبناء التيار الدستوري في ذلك الوقت، والذي خسر الكثير من قواعده ومموليه بعد بروز حركة نداء تونس، والذي يستعد قريبا لعقد مؤتمره، عاد إلى الواجهة اليوم وهو ممثل بوزيرين في حكومة الشاهد إضافة إلى أنه نجح في تسويق نفسه كحزب رصين متسامح قام بمراجعات وانخرط في اللعبة الديمقراطية مع الحفاظ على هويته الوطنية الدستورية مثلما تردد أغلب قياداته التي تحتفظ بعلاقات احترام متبادل مع حركة النهضة.
التمسك بإرث الماضي
ومن بين الأحزاب الدستورية التي تطرح نفسها بديلا لحركة نداء تونس في تجميع العائلة الدستورية، التي تصنف على أنها مع حركة النهضة الأكثر قدرة على الحشد وأنها الأكثر تمرسا بالحياة السياسية، الحزب الدستوري الحر الذي ترأسه المحامية عبير موسى. والفرق بينه والمبادرة هو أن الأخير ما زال متمسكا بالماضي ولا يعترف بالتحولات السياسية التي شهدتها تونس ولا بالمنظومة الجديدة وعلاقته بحركة النهضة يعتبرها المراقبون سيئة رغم أن مؤسس الحزب حامد القروي ونجله تربطهم بالقيادي النهضوي ورئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي علاقات وطيدة، وطالته اتهامات عند التأسيس بأن الهدف من وراء بعثه هو تشتيت القواعد الدستورية بينه وبين النداء والمبادرة قبيل انتخابات 2014.
فالخطاب السياسي للدستوري الحر يوصف بأنه راديكالي لكنه يلقى تجاوبا من عدد كبير من القواعد والقيادات الدستورية السابقة ولديه جمهوره العريض الذي يعتبر أن ما حصل في تونس سنة 2011 ليس ثورة بل مؤامرة دولية هدفها تهديد استقرار البلاد والقضاء على مكتسبات دولة الاستقلال. وبات لرئيسة الحزب عبير موسى جمهور واسع من الراغبين في سماع خطابها الذي يصفه البعض بأنه “صدامي” ويجده البعض الآخر صوت الحق والعدل.
ويطرح البعض اسم كمال مرجان رئيس حزب المبادرة كمرشح رئاسي توافقي يمكن أن يقبل به الطرفان الدستوري والإسلامي دون أن يحوز على الرضا التام من الجانبين. ويؤكد البعض الآخر أنه حتى في حال عدم فوزه فإنه قادر على الاضطلاع بإحدى الرئاسات الثلاث خاصة وأن سيرته الذاتية تؤهله إلى ذلك وهو الذي عمل ثلاثين سنة في هياكل المنتظم الأممي ونال حقيبتي الدفاع والخارجية زمن بن علي وأسس حزبا سياسيا ما أهله للعودة مجددا إلى الحكم ونيل حقيبة في الحكومة الجديدة التي يرأسها يوسف الشاهد.
كما أن مرجان حسب الكثيرين ديبلوماسي محنك، يذهب باستمرار باتجاه التوافق وهو أبعد ما يكون عن الصدام مع هذا الخصم السياسي أو ذاك وهي خصال نادرة يصعب توفرها في أغلب الفاعلين في الساحة السياسية التونسية الحالية. وهناك حديث في الكواليس مفاده أن فرضية أن يكون الشاهد ومرجان على رأسي السلطة التنفيذية بعد 2019 أمر وارد، في حين أن رئاسة البرلمان قد تؤول إلى قيادي من حركة النهضة. ولعل فرضية أن يترشح “الشيخان” الباجي قائد السبسي (الدستوري) وراشد الغنوشي (الإسلامي) إلى الاستحقاق الرئاسي المقبل تبقى واردة وهو ما سيعيد خلط الأوراق ويذهب بكل التوقعات أدراج الرياح.