الدورة العشرون من أيام قرطاج المسرحية في تونس 

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تعيش تونس على إيقاع مهرجانها الدولي للمسرح وتجدد العهد مع الأحداث الثقافية الكبرى التي يقبل عليها التونسيون بنهم وشراهة في خضم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها البلد. وتأتي الدورة التي تختتم اليوم لتحتفي بالمسرحين العربي والافريقي بالدرجة الأولى ثم الانفتاح على تجارب مسرحية مختلفة.

وتنتظم هذه الدورة تحت شعار “استنطاق ذاكرة المهرجان” وفي ظل دخول مدينة الثقافة بالعاصمة التونسية، بما تضمه من قاعات عروض فخمة، حيز الاستغلال بعد تدشينها منذ أشهر من قبل رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي.

وكان لفلسطين، حضورها اللافت، فتم تخصيص العرض الافتتاحي بمسرحية “مروح ع فلسطين” ومن خلال قراءات شعرية أعقبت العرض.

وقد خصصت الهيئة المديرة لأيٌام قرطاج المسرحية في دورتها العشرين لقاء خاصا حول المسرح الفلسطيني كتحية إلى المسرحيين الفلسطينيين الذين يواصلون مسيرتهم الفنية والثقافية بالرغم من الاحتلال، فالمسرح يصبح فعل مقاومة وخشبة المسرح هي إحدى وسائل النضال ضد المحتل.

ومن أبرز الوجوه السينمائية والمسرحية الحاضرة في المهرجان هي عرين عمري والفنان أحمد أبو سلعون وغيرهما من رواد الحركة المسرحية الفلسطينية. وقالت عرين عمري أنها بدأت مشوارها من مدينة الناصرة ثم انتقلت إلى رام الله مع مسرح “القصبة” الذي انطلق من القدس. وأكدٌت أن كل الأعمال التي شاركت فيها تتعلٌق بالهم الفلسطيني وهي كل يوم تفكر في الاحتلال لأنه كابوس الفلسطينيين. مؤكدة ان الدور الأساسي للفنان الفلسطيني هو تثبيت حضور فلسطين على خريطة العالم من خلال الفن.

وتحدث الفنان الفلسطيني أحمد أبو سلعون عن انشغالات الفنانين والمثقفين في بلاده مشيرا إلى أن المسرح الفلسطيني يدفع ضريبة الاحتلال الذي انعكس على الشعب ودعا الشباب إلى مواصلة المسيرة رغم كل الظروف القاسية من سجن واحتلال إذ يبقى مناهضة الاحتلال الصهيوني هو المشروع الوطني الأهم.

ولم ينس المهرجان تكريم المسرحيين التونسيين والعرب والافارقة الأحياء والأموات في حركة رمزية يشعر من خلالها الفنان بأهميته وأهمية ما يقدمه للناس. ومن بين المكرمين صباح بوزويتة ولطيفة القفصي وصابر الحامي من تونس، وأحمد أبو سلعوم وعرين العمري من فلسطين وعبد الله راشد من الإمارات وخالد الطريفي من الأردن وحسن كوياتي من بوركينا فاسو وكارول مولنكا كارامارا من رواندا.

كما تم تكريم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، ومهرجان الفنون الركحية بأبيدجان وذلك للتأكيد على البعدين العربي والافريقي للمهرجان المسرحي التونسي.

وشارك في هذه الدورة 39 بلدا وبلغ العدد الاجمالي للعروض 150عرضا منها 16 عملا مسرحيا للأطفال.

من أبرز الأعمال المعروضة مسرحية “مرّ” والتي تحكي قصة حياة شابة تستحضر ذكريات الجدة والجزائر. ويأتي هذا العمل في سياق “التعبيرات المسرحية العربية في المهجر” فخلال ساعة من الزمن قدمت الممثلة الفرنسية ازيادي باسكونانا، نص المؤلف المسرحي الجزائري الفرنسي أمين أدجينا، بأسلوب الـ”مونودرام” وهو فن غير مألوف في المسرح العربي، وتميز العرض ببساطته وتلقائيته.

ومن المشاركات العربية مسرحية “هاملت بعد حين” للمخرج الأردني زيد خليل مصطفى، مزج فيها بين النص الأصلي لشكسبير ونص الراحل ممدوح عدوان “هملت يستيقظ متأخرا” الصادر سنة 1976. ويسعى المخرج من خلال هذا العمل إلى تسليط الضوء على الصراع من أجل السلطة داخل العائلة في محاولة جريئة لتقديم مسرحية هاملت بنكهة عربية وكأنها محاولة استجلاء ما يحدث اليوم في العالم العربي من صراعات على اقتسام النفوذ. واللافت كان محاولة المخرج مزج هذا العمل المسرحي بالتراث الأردني والفلسطيني في محاولة لتقريبه من الواقع المعاش في عالمنا العربي المتأزم.

ودارت فعاليات المهرجان أيضا خارج العاصمة وذلك من خلال تخصيص 35 عرضا مسرحيا توزعت على مناطق تونسية وأهمها مدينة الكاف في الشمال الغربي والتي اشتهرت بفن المسرح وفيها مركز للفنون الركحية والدرامية احتضن الفضاء المخصص له بعض العروض. كما احتضت مدن القيروان وقفصة وصفاقس ومدنين وتطاوين والمهدية وقبلي وجندوبة، عروضا في إطار المهرجان ساهمت في ترسيخ اللامركزية الثقافية في أرض قرطاج العريقة حضارة وفنا.

وكانت تونس ممثلة في هذه المسابقة بعملين هما “ذاكرة قصيرة” لوحيد العجمي، و”جويف” للمخرج حمادي الوهايبي، وشهد عرضهما إقبالا جماهيريا كبيرا لم يكن غريبا على المهرجان الذي يبرز سنويا مدى تعطش الجماهير التونسية للعروض المسرحية. كما حظيت العروض التنشيطية الموازية التي أقيمت في الشارع الرئيسي للعاصمة والندوات الفكرية والملتقيات العلمية والورشات التدريبية باهتمام جماهير المهرجان.

والمثير في الجدل في هذه الدورة هو خروج الممثل السوري حسين مرعي على الركح عاريا تماما في أحد العروض، الأمر الذي أثار حالة من الفزع في القاعة ودفع عددا كبيرا من الجماهير التي لم تكن على علم بالمشهد إلى مغادرة المسرح البلدي. وكان مرعي بصدد أداء دوره في مسرحية بعنوان “يا كبير” على خشبة المسرح البلدي بقلب العاصمة التونسية.

وفي رده على الانتقادات التي انهالت عليه اعتبر أن تعريه هو فضح للنظام السوري الذي يمارس القمع على شعبه أمام صمت العالم ولا مبالاته. لكن رده لم يقنع الهيئة المديرة للمهرجان التي نددت ورفضت هذه الممارسة واعتبرتها لا مسؤولة ومخلة بالعقد الأخلاقي علما أنها لم ترد في شريط الفيديو الذي اعتمدته لجنة اختيار العروض التي ستشارك في المهرجان، بالمقابل لقي موقف إدارة المهرجان بدوره تنديدا من قبل نخب ومثقفين تونسيين اعتبروا البيان مسا بحرية التعبير وتقييدا للفن، وذهب الفاهم بوكدوس وهو أحد معارضي نظام بن علي إلى حد تشبيه بيان إدارة المهرجان بتصدي التكفيريين لبعض الأعمال الفنية منذ سنوات. وندد بالبيان أيضا الأستاذ الجامعي والروائي الحائز عن جائزة البوكر الذهبي عن رواية “الطلياني” شكري المبخوت، واعتبره مؤسفا ومهينا باعتبار أن الفن لا حدود له وأن الجسد حين يؤدي دوره المسرحي ليس هو جسد الشخص الذي يمثل، فالجسد على الركح يصبح جزءا من جمالية تتجاوزه وعلامة في سينمائية النص. وعبر المبخوت عن رفضه لما سماها “الشعبويّة” التي تأتي من جمهور لا يذهب إلى المسرح ولا يدرك قوانينه الجماليّة وقواعد إنتاج الدلالة فيه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية