تونس-«القدس العربي»: خصومه قبل مشجعيه، أقرّوا بأن الإنتر سيجدد العهد مع التتويج بالدوري الايطالي، ليعانق اللقب التاسع عشر في تاريخه بعد انتظار متواصل من 2010.
وملاحقوه في الدوري ينتابهم الشعور ذاته، فقد “اقتنعوا” منذ فترة أن كتيبة كونتي لها من فارق النقاط ما يؤمن حظوظها للتتويج، خصوصا ان الأداء مقنع عكسته سلسلة وردية من النتائج، كل ذلك أحبط المطاردين للإنتر، وجعلهم يبحثون عن نيل “مركز أوروبي” يضمن لهم المشاركة في دوري الأبطال الموسم المقبل، علما ان الأوراق تبعثرت في هذا السياق حيث لم تعد الأولوية لميلان ويوفنتس كما كان يوحي به الوضع في الترتيب منذ أسابيع قليلة. أتلانتا يواصل إزعاجه لأصحاب الاسماء الكبيرة بوجوده وصيفا للإنتر مؤكدا لهم انه رقم صعب في الدوري ولم يعد حضوره المميز يتسم بالمفاجأة، ثم ان دخول نابولي ولاتسيو على الخط سيجعل الانظار تتركز في الجولات الخمس المتبقية من عمر الدوري على صراع محموم لنيل بطاقات دوري الابطال.
هذا المشهد النيراتزوري الذي فصل بين الإنتر والآخرين بفارق كبير، ما كان للدوري الايطالي ان يعيشه لو لم يرسمه بامتياز المدرب انطونيو كونتي باختياراته واستراتيجيته الفاعلة في المواعيد الحساسة، ويقول ربان الإنتر: “المنافسة في الدوري عبارة عن معركة، وعندما تخوض معركة لا مجال لغير الانضباط فموتك هي حياتي! بذلت قصارى جهدي لغرس عقلية الفوز في اللاعبين، قد أكون مزعجا بممارسة ضغوط لم يعتادوها، لذلك وجدوا في البداية صعوبة في متابعتي، تلك هي طريقتي في الحياة التي تجعلني أعيش مهنتي بكامل كياني، وقد يقودني ذلك الى التوقف مبكرا عن مسيرتي في التدريب”. ربان بهذه العقلية من البديهي أن يلهم لاعبيه، ولا عجب ان بلغ عدد كبير منهم ذروة النضوج والعطاء في هذا الموسم وشكلوا الركيزة الاساسية للفريق بدءا من الحارس سمير هاندانوفيتش قائد الفريق وأفضل من يحمي عرينه، الى الحصن المكون أمامه من سكرينيار وباستوني وحكيمي ودي فري، ومرورا بخط الوسط حيث تكسب المعارك بفضل الاكتشاف الرائع نيكولو باريلا ورفيقيه بروزوفيتش وبيريزيتش والدنماركي ايركسون الذي قدم في يناير/ كانون الثاني من توتنهام واستطاع ان يتأقلم مع الكالتشيو بعد بداية صعبة، وصولا الى الثنائي الهجومي المرعب لاوتارو مارتينز وروميلو لوكاكو، الذي يعيش مع الانتر أفضل تجاربه الاوروبية التي تنقل فيها بين عديد الفرق الشهيرة.
الى هنا، اللوحة لا تشوبها شائبة، جذابة وبريقها ساحر، ومن رسمها وضع حدا لجفاء استمر عشر سنوات، ورغم جمال المشهد وروعته فان جماهير الإنتر تعيش حالة غير عادية يقترن فيها الفرح بالخوف! فرح بلقب سيتقدم به فريقهم على القطب الثاني لمدينة ميلان بفارق رقم (19 مقابل 18)، وخوف من وضع مالي مخيف وعجز كبير يتواصل في الحقيقة منذ سنوات قبل أن يأتي الصينيون في يونيو 2016 عبر “سونينغ القابضة” وصاحبها المقاول الملياردير جانغ جيندونغ، وبحصة قدرها 68,55% في رأس مال النادي، أصبح العملاق الصيني متعدد الاختصاصات (من أبرزها المواد الكهربائية) هو المالك للعملاق الاوروبي متعدد الألقاب، في 2018 تولى ابنه ستيفن جانغ رئاسة مجلس ادارة النادي الميلاني. وفي عهده استمر ضخ الاموال لدعم الفريق بصفقات ضخمة جاوزت 300 مليون دولار أتت بنجوم مثل لوكاكو ومارتينز وايركسون وحكيمي وسانشيز. لكن لأن لكل شيء اذا ما تم نقصان، فان الانتر لم يهنأ كثيرا برغد العيش، فالنادي كغيره من كبار أوروبا تأثر بالوباء وتبعاته، ونال نصيبه من الخسائر الفادحة بسبب كوفيد-19. وتجلت المتاعب المالية لادارة النادي في صعوبة السداد للمبالغ المتبقية من صفقات انتقال لاعبين مثل لوكاكو (مانشستر يونايتد) وحكيمي (ريال مدريد) وايركسون (توتنهام)، اضافة الى تأخير في دفع أجور اللاعبين لشهور. صحيح ان الفريق على المستطيل الأخضر يعيش أحلى فتراته بروعة نتائجه، و كما قال كونتي: “نحن واعون بالمصاعب المالية للنادي، ونكون كاذبين لو قلنا ان الوضع لا يشغل بالنا، لكن تبقى مهمتنا ان نعمل مع اللاعبين ونركز على بلوغ الهدف”. هذا الشعور بالمسؤولية أنقذ الوضع رياضيا، لكن لحظة فارقة في أواخر فبراير 2021 أقضت مضاجع الجماهير لتحوم في مخيلتهم العديد من علامات الاستفهام.
جيانغسو، هو الأخ الآسيوي غير الشقيق للإنتر، تمت تصفيته بقرار من الوالد الملياردير مالك النادي بعد ثلاثة شهور من احتفاله بأول لقب له في الدوري الصيني. الوالد، لم يعد يحبذ الاستثمار في كرة القدم والحال انه هو من أتى بالايطالي فابيو كابيلو مدربا لفريقه وباللاعبين البرازيليين راميريز (من تشلسي مقابل 30 مليون يورو) وأليكس تيشييرا (من شاختار مقابل 50 مليون يورو)، هذا يعني ان النجاح ليس ضامنا لديمومة المشروع، وهو ما ولّد “القلق الايطالي” حول مصير الإنتر، فمن تخلص من “إبنه الآسيوي” قد يكررها أوروبيا رغم ان الانتر لا يقارن تاريخا وعراقة ومجدا.
المخاوف تبدو طبيعية وجماهير النيراتزوري تراهن على عشق رئيسهم ستيفن لناديهم، اذ جاء على لسانه ذات مرة، أنه واقع في حب الإنتر ولا ينوي التفريط فيه. وبين نبضات قلب الابن، والفكر المادي لوالده سيحتار دليل الجماهير. وفي انتظار قادم الايام وما تخفيه، فان مهمتها الاولى الآن هي إطلاق العنان لفرح طال انتظاره.