بغداد ـ «القدس العربي»: يشاهد الفلاحون العراقيون في المناطق السنّية، وخصوصاً في مناطق غرب نينوى، محاصيلهم الزراعية تحترق أمام أعينهم، نتيجة عدم دفع «الأتاوت» لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) الذي غيّر من أسلوب عملياته في الآونة الأخيرة، واعتمد تكتيكاً جديداً يضمن له تحقيق «نصرٍ معنوي» في أقل تقدير.
وأقدم «الدولة»، مؤخراً، على حرق آلاف الدونمات الزراعية في أقضية سنجار والبعاج وتلعفر، غربي وجنوب غرب نينوى، عبر استخدام وسائل بسيطة بعيدة عن الرصاص والعبوات الناسفة والسيارات الملغومة، تمثلت في إحراق المحاصيل باستخدام الزجاج (المكبر)، ما يتيح له الهرب وضمان إشعال فتيل الحريق.
النائب السابق عن محافظة نينوى، عبد الرحمن اللويزي، قال لـ «القدس العربي» إن «الحرائق الممتدة إلى قضاء تلعفر، تم اكتشاف عدسة (مكبرة) تم وضعها لإحداث الحريق، الأمر الذي يشير إلى أن الحادث وقع بفعل فاعل»، مبيناً أن الغرض من إحداث حريق بهذه الطريقة هو أن «الفاعل سيأخذ وقته في الهروب».
وأضاف: «عناصر داعش موجودون في المنطقة. هم يحاولون العودة بشتى السبل وبمختلف الأنشطة، سواء بعمليات إرهابية أو غيرهاً»، موضحاً أن التنظيم «يحتاج إلى تمويل حتى يعيد نشاطه مرة أخرى، واستغلوا هذه القضية بالذات (الحرائق)، على اعتبار أن هذه المحاصيل تمتد إلى مناطق شاسعة لا يمكن السيطرة عليها، خصوصاً في هذه المناطق المفتوحة، غرب نينوى».
واعتبر، إقدام «الدولة» على فرض الإتاوات على المزارعين «نصراً معنوياً للتنظيم، قبل أن يكون نصراً مادياً. الإتاوات تعني أن التنظيم أعاد فرض سيطرته على المنطقة».
وبين أن اتهام حزب العمال الكردستاني بالوقوف وراء حوادث الحريق، «قضية سياسية». وجدد اتهامه لتنظيم «الدولة» الوقوف وراء «حوادث حرق الأراضي الزراعية، إما لابتزاز المزارعين أو للانتقام من البعض الآخر الذي انخرط في صفوف القوات الأمنية والحشود».
وزاد: «لم يدفع أي من المزارعين الإتاوات للتنظيم. الناس لا يريدون أن يورطوا أنفسهم بدعم داعش، كونها جريمة إرهابية، وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب. هم أهون عليهم أن تحرق محاصيلهم من أن يرتكبوا جريمة».
وأكمل: «هذه العمليات هي مؤشر آخر إضافي على عودة داعش إلى تلك المناطق، كونها شاسعة ومفتوحة».
ودعا إلى «تطوير أساليب القوات الأمنية لغرض الحدّ من تحركات داعش، بالإضافة إلى تفعيل الجهد الاستخباري»، مشيراً إلى أن «عندما كان الحشد موجوداً في المنطقة (قبل انسحابه وترك المنطقة للقوات الأمنية من الجيش والشرطة) كان ينفذ واجبات في عمّق الجزيرة (الصحراء الممتدة إلى سوريا)، الأمر الذي لا يعطي مجالا للتنظيم بالتحرك».
وتابع: «الأهالي كانوا ممتعضين من الإجراءات الأمنية المشددة التي كان الحشد يفرضها على المنطقة، كالتصاريح الأمنية وآلية الكفيل، لكن كل هذه الإجراءات أسهمت في بسط الأمن. بعد انسحاب الحشد اختلف الأمر، وبدأت الحوادث تكثر»، موضّحاً أن «الأكراد خرجوا في وقت سابق في قضاء مخمور وقالوا بأنهم تعرضوا لابتزاز من قبل داعش الذي طلب منهم دفع أتاوات لكنهم رفضوا وطالبوا بحمايتهم. بعد ذلك تم إحراق مزارعهم».
وأكد أن «أسباب الحرائق في المناطق السنّية المفتوحة التي يصعب السيطرة عليها، يقف خلفها تنظيم الدولة».
في الأثناء، ناشد قائممقام قضاء سنجار محما خليل، الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، بإنقاذ محافظة نينوى من «سياسة الأرض المحروقة».
وقال، في بيان: «في اليومين السابقين شهدت محافظة نينوى حرقا متعمدا لآلاف الدونمات الزراعية التي من الممكن أن تكون رافدا وطنيا يدعم السلة الغذائية للمواطن العراقي، فضلا عن الفترة السابقة التي شهدت حرائق أيضا من هذا النوع»، مطالبا بدعم «الفلاحين والمزارعين وتعويضهم».
نداءات استغاثة عاجلة لعبد المهدي وبارزاني… والحكومة المحلية تطلب الدعم من أربيل ودهوك
وأضاف: «هناك ثقة ويقين لا يقبلان الشك بأن هذه الحرائق يقوم بها الدواعش وأذنابهم، الذين يريدون حرمان المحافظة وأهلها من هذا الخير (المحاصيل الزراعية) الذي أفاض الله به، ليكون تعويضا بسيطا عما تعرضت له هذه المحافظة المنكوبة من دمار وما تعرضت له سنجار بالذات إلى إبادة جماعية يشهد لها كل العالم».
وتابع أن «هذه الكارثة تحتاج إلى وقفة جادة من حكومتي رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورئيس الإقليم نجيرفان البارزاني، وإلا لا يعقل أن تتكرر هذه الحرائق بصورة غريبة وأن لا نجد لها أي حلول».
ورأى أن «هذا الأمر يتطلب تقديم الدعم اللوجستي للمحافظة عبر مجموعة من الإجراءات الحقيقية، أولها دعم الطبقة الفلاحية والمزارعين بتعويضهم، وتوفير المكائن والمعدات الخاصة بالحصاد، حتى لو كان على سبيل نقلها من المناطق الجنوبية إلى شقيقتها نينوى».
وطالب «التحالف الدولي» بـ«مساعدة الحكومة المحلية للمحافظة وفتح تحقيق لمعرفة الجناة الحقيقيين الواقفين خلف هذه الجرائم التي تستهدف ثروة قومية متعلقة بقوت الشعب العراقي»، مشيدا بـ«دور حكومة نينوى المحلية وبالقوات الأمنية العراقية التي لم تقصر في مساعدة الناس، بعد أن قضت على أسطورة الدولة في الأمس القريب».
إعدامات علنيّة
كما طالب «بمعاقبة الجناة الحقيقيين وإنزال أقصى القصاص بهم وأن تكون إعداماتهم علنية وأمام الأشهاد، لما اقترفت أيديهم من جريمة هددت قوت الشعب العراقي»، مبينا أن «حاجة العراق من الحنطة والشعير 4 ملايين طن، في حين أن الموصل وحدها زرعت ما يفوق الـ 6 ملايين طن، وهذا يمكن أن يرفد ميزانية الدولة بأكثر من ملياري دولار على الأقل، ما يعني نينوى تستطيع توفير فائض كبير ما عدا المحاصيل التي تزرع في المحافظات الأخرى».
وأكد أن «رجوع المزارعين إلى حياتهم الطبيعية وإنتاج المحاصيل، هو دليل على عودتهم لحياتهم الطبيعية رغم الآلام التي ألمت بهم جراء ممارسات عصابات داعش الإرهابية».
شدّة الحرائق التي نشبت الثلاثاء الماضي في غرب نينوى، دفعت الحكومة المحلية إلى الاتصال بمحافظتي أربيل ودهوك، في إقليم كردستان العراق، لتوفير سيارات الإطفاء.
وأعلنت محافظة نينوى في بيان لها إن «حريقين نشبا في مدينة الموصل، الأول في مفرق ناحية القيارة الفوقاني، والثاني باتجاه قرية كهريز، جنوب الحضر».
وأضافت أن «الدفاع المدني تمكن من السيطرة على الحريقين»، مشيرة إلى «الاتصال بمحافظي أربيل ودهوك لتوفير سيارات الإطفاء تحسباً لإزدياد النيران».
وإضافة إلى الأضرار المادية التي خلّفتها الحرائق، أصيب عدد من عناصر الدفاع المدني العراقي بانفجار خلال عملية إخماد حريق في سنجار في محافظة نينوى.
ونقل موقع «شفق نيوز» عن مصدر أمني قوله إن «ثلاثة من منتسبي الدفاع المدني أصيبوا بجروح وحروق جراء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات داعش خلال إخمادهم للحرائق التي نشبت في الأراضي الزراعية في قرية أم الشبابيط في قضاء سنجار غرب الموصل»، موضحاً أن «الانفجار أسفر أيضا عن احتراق عجلة الإطفاء».
السيطرة على الحرائق
تفاقم الأوضاع في المناطق الزراعية في نينوى، دفع المفوضية العليا لحقوق الإنسان، خاضعة لرقابة البرلمان، إلى إطلاق «نداء استغاثة عاجل» إلى الحكومة للسيطرة على حرائق آلاف الدونمات في سنجار والبعاج.
نائب رئيس المفوضية، علي ميزر الشمري، قال، في بيان إن «على الحكومة العراقية ممثلةً برئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ومحافظ نينوى، تدارك الأمور والسيطرة على الحرائق الهائلة التي تلتهم آلاف الدونمات في قضائي سنجار والبعاج وتسير بسرعة فائقة، ولا توجد سيارات إطفاء كافية لاخماد الحرائق».
وأضاف: «سبق وأن حذرنا مرارا وتكرارا من استمرار هذه الحرائق الخطيرة التي تهدد الأمن الغذائي للعراق وأرزاق المزارعين والفلاحين وعوائلهم ومصالحهم ومصادر عيشهم وحتى مساكنهم»، مشيرا إلى أن «الحكومة لم تستجب لتحذيراتنا ومطالبنا».
ودعا إلى «بذل الجهود العاجلة لتحريك سيارات الإطفاء من مركز المحافظة والمحافظات الأخرى للسيطرة على النيران وحماية خيرات العراق».
وإلى غرب العراق، حيث التهمت النيران مساحات شاسعة في قضاء القائم التابع لمحافظة الأنبار، والمحاذي للحدود العراقية ـ السورية.
مديرية الدفاع المدني العراقي، أصدرت بياناً أكدت فيه أن «الحرائق في قضاء القائم غرب محافظة الأنبار هي امتداد لاحتراق مساحات كبيرة للمحاصيل في الجانب السوري، ونتيجة الشرار المتطاير مع الرياح اندلعت الحرائق في حشائش وأدغال بالقرب من الحدود العراقية السورية».
وأضافت: «تمت السيطرة على الحادث من قبل فرق الدفاع المدني المتواجدة في القضاء».
دعوات للتحقيق في كركوك وتعويض المتضررين
لم تشمل موجة الحرائق في العراق محافظة نينوى فقط، بل امتدت إلى محافظة كركوك، الأمر الذي دفع نواب «التحالف العربي» في المدينة، إلى إعلان عزمهم، جمع تواقيع نيابية لإلزام الحكومة بفتح تحقيق في أسباب تلك الحرائق والجهات المتورطة فيها.
وقال نواب «التحالف العربي» في كركوك في بيان مشترك، أصدروه، أمس الخميس، إن «الثروة الزراعية في محافظة كركوك خاصة والعراق بشكلٍ عام، تمر بأسوأ أيامها بعد الجريمة الشنعاء التي تتعرض لها المحاصيل الزراعية في أقضية الحويجة وداقوق والدبس، على أيد خفية وخبيثة لا تريد لهذا البلد وثرواته، التقدم والتطور».
واضافوا في بيانهم المشترك، أن «ما تتعرض له المحاصيل الزراعية في محافظة كركوك، جريمة نكراء مدانة بأشد العبارات وأن المناطق الزراعية في المحافظة مهددة الآن بمزيد من الحرائق ما دامت الدولة لا تحرك ساكنا تجاه هذه المأساة». وتابعوا: «في هذه الأيام المباركة على جميع العراقيين، نطالب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، بالتدخل الفوري والعاجل من أجل تشكيل لجنة للتحقيق في خفايا وتفاصيل هذه الجريمة وكشف الجناة للرأي العام، كما ونطالبه بتوجيه القوات الأمنية لحماية المناطق الزراعية والتصدي لأي محاولة حاقدة للقيام بحرائق جديدة».
وأوضحوا أن «من منطلقِ الحفاظ على الثروة الزراعية في البلد وتنميتها، نطالب جميع مؤسسات الدولة وعلى رأسها مجلس الوزراء لعقد جلسة طارئة بخصوص هذا الأمر الخطير، وتشكيل لجنة متخصصة من وزارتي الزراعة والمالية لإحصاء نسبة الخسائر التي تعرض لها الفلاحون في محافظة كركوك لإجل اطلاق تعويضات لهم ومساعدتهم في هذه الأزمة».
وقال البيان: «من جانبنا كممثلين عن الشعب، سنقوم بجمع تواقيع لإصدار قرار نيابي يلزم الحكومة بفتح تحقيق لكشف أسباب هذه الجريمة والجهات المتورطة فيها، كما ويلزمها بتعويض الفلاحين المتضررين في المناطق التي تعرضت للحرائق».
وطالب نواب كركوك عن حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بـ«وضع حد لاستمرار الحرائق التي تطال المحاصيل الزراعية وما تسببه من خسائر للفلاحين وللزراعة في البلاد».
وقالوا في بيان: «نناشد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بضرورة التدخل الفوري لوضع حد لاستمرار الحرائق التي تطال المحاصيل الزراعية وما تسببه من خسائر للفلاحين وللزراعة في البلاد بشكل عام، حيث حصل مؤخرا حرق آلاف الدونمات المزروعة بالحنطة ضمن مناطق سركران وداقوق الخاصة بالفلاحين الكرد في محافظة كركوك نتج عنها خسائر فادحة».
وأضافوا: «نطالب رئيس الوزراء بإرسال لجان لتعويض الفلاحين المتضررين على وجه السرعة، وتشكيل لجان تحقيقية لمعرفة المتسببين في هذا الموضوع والجهات التي تقف خلفهم من أجل إنهاء هكذا أعمال يمكن أن نصفها بالإجرامية».