كنّا مراهقين نحب المسرح في مدينة العمارة جنوب العراق. كنّا بالأحرى نحب المسرح حد الجنون، لأنه مأوانا ومساحة صداقاتنا وصدقنا مع أنفسنا والخشبة التي نلعب عليها أحلامنا ونخرج من أبعادنا المحدودة لنبزغ في شخصيات وأماكن متخيلة. كان المسرح بسيطا والأعمال شبه بدائية، لكنه مع ذلك كان الكوة التي نطل منها على فضاء السحر.
هناك سمعت لأول مرة المخرج أستاذنا الراحل مهدي حمدان يذكر اسم المخرج بيتر بروك بإعجاب عميق. بدأنا نطارد القليل الذي يكتب عنه وعن تجاربه ونحلم برؤية عمل له غير تلك الصور التي نعثر عليها في الصحف والمجلات للقطات من أعماله الشكسبيرية. كان المسرح مدخلنا إلى الكتب والأدب. بعد سنوات، في عام 1991 تحديدا، وبينما كانت طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية تدك أرض العراق وتسحق بيوته وبناياته وجسوره ومؤسساته العسكرية والمدنية، وأيام كانت الصواريخ الذكية والغبية تنقض علينا كوحوش أسطورية، كنت أقرأ على ضوء فانوس، رواية «لورد الذباب» لوليم غولدنغ وأنا أعرف أن بيتر بروك أخرج فيلما مأخوذا عنها. أقرأ وأنا في لب ذلك الرعب محاولا تخيّل ما يمكن أن تبدو عليه أشكال أبطال الرواية الأطفال كما أظهرهم بروك العظيم. بعد ذلك بأعوام وبعد ان خرجنا من العراق شبه عراة إلا من ذاكرة عصية على الكسر، رأيت الفيلم، وبعدها رأيت فيلما وثائقيا عن تجربة الفيلم وأبطاله الصغار، حيث يقوم بيتر بروك وكاتب الرواية والأطفال الذين كبروا الآن بزيارة للجزيرة التي صور فيها الفيلم بمناسبة مرور ثلاثين عاما على تلك التجربة المؤثرة.
كانت تجربة مثيرة بحق وأهم ما بقي راسخا في ذاكرتي من ذلك الفيلم الوثائقي مشهد يحاول فيه غولدنغ أن يتحدث عمّا كان يعنيه في روايته، لكن بروك يقاطعه موضحا أن السبب الوحيد لاهتمامه فيها وتحويلها إلى فيلم، هو القطيعة بين البشر ووهم أنهم يتفاهمون عبر اللغة بينما لا أحد منهم يفهم الآخر.

بيتر بروك
الذين رأوا مارا- ساد على الشاشة يدركون عمق رؤية هذا المخرج المدهش واهتمامه الفذ بالبشر وبأحلامهم وغرائزهم. أتذكر مقالا ترجمته قبل أكثر من عشرين عاما عن كونه مخرجا صاحب رؤية فريدة وفهما مغايرا للفضاء والحركة والأشكال والألوان التي ينسجها بحس استثنائي وأناة خلاّقة ليطرح عروضه المذهلة التي يرتاد بها الأصقاع الغامضة في داخل البشر، وفي عالمهم الخارجي. حين قدّم صياغة مسرحية مبتكرة للملحمة الهندية (المهابهارتا) بعد كتابتها للمسرح مع جان كلود كارييه قال، إنه لم يلتفت إلى الجانب الديني من الملحمة وإن ما استقطب اهتمامه هو الجانب الإنساني فيها. المثير أن بروك قام أولا بتقديم تمارينه الأولى على المسرحية أمام صبيان من المدارس من أجل أن يعرف إذا كانت تسحق المشاهدة أم لا.
في سنواته الأخيرة كان يركز على الدارسات العلمية الخاصة بعلم الأعصاب، ولعل لهذا علاقة بإخراجه عمل طبيب الأعصاب الشهير الراحل (أوليفر ساكس) « الرجل الذي ظنًّ أن زوجته قبّعة» في منتصف التسعينيات. تحدث بروك عن علاقة ما يعرض بحواس المشاهد وكيفية استثمار ما يفيدنا به علم الأعصاب في المسرح. ليس هناك حد يقف عنده المسرحي العظيم، بل هو دائم البحث ولا ينظر إلى ما حققّه، بل إلى ما ينتظر التحقيق. رأيت له محاضرة متاحة على الإنترنت ألقاها في زيارته لإسرائيل تحدث فيها عن هذا الموضوع. وحين أتيح للحاضرين طرح أسئلتهم، سأله أحدهم عمّا يمكن أن يفعلوه كمسرحيين في تل أبيب؟ قال له بروك بصراحة وصدق الفنان الأصيل الحق: «تحدثوا عن معاناة الفلسطينيين عمّا يعانوه يوميا على أيدي حكوماتكم» فأطبق على القاعة صمت ثقيل.
من أعماله التي لا تنسى قطعا فيلمه «لقاء بأشخاص أفذاذ» المأخوذ عن كتاب الروحاني الكبير غوردجييف وعوالمه الصوفية المذهلة وهو من الأفلام القليلة جدا التي تشير ولو إشارة عابرة إلى الديانة اليزيدية. رحل بروك عن هذا العالم وهو يقترب من العيش قرنا على هذا الكوكب، الذي ظل يستثير شغفه وفضوله ويتحفه بما يخلع عليه من جمال ليملأ فضاءات فارغة بالعميق والجميل والمؤثر. كأن الأطفال مقايس الدهشة في هذا العالم، لذا وبعد أن عرض عليهم عمله الهائل المهابهارتا يقول بروك إنه قرر الاستمرار في التمارين وعرض المسرحية.
رأيت «المهاربهارتا» مرارا وتكرارا، وما زلت أعود إليها بين الحين والآخر حتى بعدد صدور ترجمتي العربية لها عام 2018. عليَّ أن أقول إني ترجمتها من لغة بروك نفسه، وكان هذا في حد ذاته يوفر لي متعة هائلة ويشعرني بالتواصل مع ذلك الرجل المدهش الذي سيظل عالقا في ذاكرة البشر طالما كان هناك مسرح ومشاهدون.
كاتب عراقي