«الرئاسي» اليمني يقر تعويم سعر الدولار الجمركي وسط مخاوف وانتقادات

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء – «القدس العربي»: أقرّ مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، خلال اجتماعه الأخير، تحرير سعر الدولار الجمركي، وذلك استنادًا إلى الخطة المقدّمة مع مجلس الوزراء، على أن يُنفذ القرار خلال أسبوعين، حال استكمال إجراءات ضبط وتحصيل الإيرادات في المحافظات الواقعة في مناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، مشددًا على ضرورة توريدها إلى الحساب العام للحكومة طرف البنك المركزي اليمنيّ وفروعه.
وأثار هذا القرار ردود فعل وانتقادات اقتصادية حادة، في ظل ما تشهده مناطق الحكومة من ارتفاع في الأسعار، وتوقف صرف المرتبات الحكومية؛ وتدهور مستمر في الأوضاع المعيشية، وسط مخاوف من أن يؤدي تحرير سعر الدولار الجمركي إلى موجة «صادمة» في ارتفاع الأسعار، تُضاعف من الأعباء المعيشية؛ وبالتالي زيارة معاناة اليمنيين.
اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بردود فعل مختلفة إزاء هذا القرار، معظمها عكست مخاوفًا وحملت انتقادات حادة.
وقال محمد طاهر، في تدوينة على منصة (إكس): «تحرير سعر الدولار الجمركي هو الشيء الوحيد اللي بيطبقوه، لأنه مش لصالحنا نحن المواطنين. أما بقية القرارات؟ لن يطبقوها، لأنها ستضرب مصالح أصحاب القرار».
فيما قال الصحافي الاقتصادي، ماجد الداعري، في تدوينة أخرى: «لا يمكن تحرير الدولار الجمركي على ضوء قرار مجلس القيادة الرئاسي إلا بعد استكمال كافة مراحل وخطوات الإصلاحات الاقتصادية واستعادة موارد الدولة أولا، ومعرفة مدى الحاجة الاضطرارية إلى اتخاذ هذا القرار الكارثي على أسعار السلع والبضائع والوقود والأدوية وغيرها من عدمه».
أما الباحث عبدالله باراس؛ فكتب: «مجلس القيادة يوجّه الحكومة بتحرير سعر الدولار الجمركي، خطوة ستنعكس سلباً على الأسعار وستسبب في مجاعة كبيرة في المناطق المحررة».
فيما قال المحامي، محمود أنيس ميسري، رئيس مؤسسة سلام للتنمية وحقوق الانسان إن «قرار تحرير سعر الدولار الجمركي، الذي نصت عليه خطة الاصلاحات الاقتصادية، تم اتخاذه بإجماع جميع الأعضاء. حيث تظهر الوثيقة بأن الممتنعون: لا يوجد، المتحفظون: لا يوجد».
وأضاف: «فما حذرنا منه سابقًا عن سعر الدولار الجمركي، وأن المواطن هو من سيدفع الثمن، وافق عليه كل من كان سبب في تعذيب المواطن».
كما يرى فؤاد الجعدي أن «قرار رفع سعر صرف الدولار الجمركي سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين، وتآكل القوة الشرائية للأجور، وأثره الاجتماعي سيكون قاسيا ما لم تتخذ تدابير موازية لحماية الفئات ذات الدخل المحدود».

ضغوط خارجية

الصحافي والمحلل الاقتصادي عبدالحميد المساجدي، رئيس منتدى الإعلام والبحوث الاقتصادية في عدن، قال في تصريح إلى «القدس العربي» إن «قراءة قرار مجلس القيادة بشأن تعويم سعر الدولار الجمركي يجب أن تبدأ من فهم أن القرار ليس إجراءً اقتصادياً معزولاً، بل خطوة مالية مرتبطة بشروط تنفيذية وسياسية».
ومن وجهة نظره «فالتوقيت لا يمكن فصله عن ثلاثة عناصر مترابطة تتمثل أولاً في الحاجة العاجلة لزيادة إيرادات الدولة، واحتواء العجز المالي بعد سنوات من الهدر، والضعف في تحصيل الإيرادات».
ويشير ثانيًا إلى «الضغوط الخارجية أو لنقل من أجل استعادة ثقة المانحين والمؤسسات المالية الدولية، ولا سيما صندوق النقد، التي تشترط إصلاحات هيكلية وإثبات قدرة على إدارة المالية العامة، وثالثاً الدعم السعودي الأخير الذي يربط في مضمونه غالباً التزاماً بحزمة إصلاحات لتثبيت الوضع المالي والنقدي قبل أو موازاة أي خطوات قد تزعزع الاستقرار. لذلك القرار يبدو مؤقتاً ومقنناً كخطوة لرفع الموارد، لكنه مشروط بتدابير مرافقة».

التزامات

وأقرّ نص القرار، الذي أطلعت عليه «القدس العربي» على الموافقة على خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة، والتي تتضمن معالجة الاختلالات القائمة في عملية تحصيل وتوريد الموارد العامة في المحافظات، والتزام المحافظات، وفي مقدمتها (عدن- مأرب – حضرموت- المهرة- تعز)، من خلال توريد الإيرادات المركزية إلى الحسابات المخصصة لها (حساب الحكومة العام) طرف البنك المركزي اليمني وفروعه في المحافظات، ويمنع تجنيب أو الصرف من هذه الموارد تحت أي مبرر.
وألزم القرار، محافظي المحافظات بعدم التدخل بأعمال وشؤون المنافذ الجمركية سواء بمنح أي تخفيضات أو إعفاءات جمركية أو أي تدخلات غير قانونية أخرى، والالتزام باللوائح. كما أقر أن تخضع كافة المنافذ البرية والبحرية الجوية للإجراءات الجمركية الحكومية بشكل مباشر بما في ذلك إجراءات المكتب الفني.
وأقرّ، أيضًا، إلغاء كافة الرسوم غير القانونية المفروضة من قبل محافظي المحافظات أو الوزارات أو تحصيل أي رسوم بسندات غير قانونية بالمخالفة لأحكام القوانين واللوائح المنظمة، وإلغاء كافة الصناديق المستحدثة بدون أي إجراءات قانونية، وإلغاء كافة الميازين لرقابة الحكومة، واغلاق كافة المنافذ البحرية المستحدثة بالمخالفة للقوانين المنظمة (قنا- الشحر-نشطون- راس العارة)، وتوريد حصة الحكومة من مبيعات الغاز المحلي إلى حساب الحكومة العام طرف البنك المركزي اليمني.
كما أقرّ إلزام شركة النفط اليمنية بتوريد قيمة مبيعات المشتقات النفطية المنتجة محليًا وحصة الحكومة من قيمة مبيعات البنزين المحسّن إلى حساب الحكومة المفتوح طرف البنك المركزي. كما ألزم كل من الشركة اليمنية لتكرير النفط وشركة بترومسيلة وشركة صافر بتسليم كامل انتاجها من كل المواد المنتجة إلى شركة النفط اليمنية.
وألزم القرار وزارتي الدفاع والداخلية بإلغاء كافة النقاط في كافة مداخل المدن، وإلزام وزارة الخارجية بتوريد الدخل القنصلي إلى الحسابات المخصصة طرف البنك المركزي، وإلزام كافة الوزارات المشرفة على الوحدات الاقتصادية بتوريد حصة الحكومة من فائض الأرباح، وإغلاق كافة الحسابات المفتوحة خارج البنك المركزي.
وأقرّ تعزيز الإيرادات المستدامة من خلال تحرير سعر الدولار الجمركي في ضوء الخطة المقرة من قبل مجلس الوزراء، وفي فترة لا تتجاوز أسبوعين من تنفيذ البنك المتعلق بضبط الإيرادات في المحافظات وإيداعها في حساب الحكومة لدى البنك المركزي وفروعه، وإقرار الخطة الطارئة المقدّمة من قبل مجلس الوزراء لتعزيز الموارد المستدامة.

موجة تضخم

ويرى عبدالحميد المساجدي «أن التطبيق الفعّال يتطلب ضبط الإيرادات والحد من التسريبات الجمركية، وتوافر آليات شفافة لصرف العائدات، وإلّا فرفع السعر سيقود إلى موجة تضخم تضاعف معاناة الفئات الأضعف. إصدار قرار رئاسي لتأييد تطبيق قانون موجود لا يقوّيه؛ فالقوة الحقيقية للتنفيذ ترتكز على الإرادة السياسية والتوافق داخل مجلس القيادة والقدرة على تطبيق الإجراءات المرافقة».
كما يعتبر أن «تحرير الدولار الجمركي دون ضبط الإيرادات سيقلّص أية مكاسب مؤقتة في قيمة العملة، ويعكس نفسه فوراً في ارتفاع أسعار السلع، بينما ربط التنفيذ بخطة طوارئ مالية متفق عليها مع صندوق النقد والمانحين ومع وجود دعم خارجي يمكن أن يحوّل القرار إلى مصدر موارد مستدام، شرط أن تكون هناك ضمانات تنفيذ ومراقبة ومخصصات للحماية الاجتماعية».
المتابع للوضع الاقتصادي والمالي للحكومة الشرعية يرى أن القرار قد يكون ضرورياً لزيادة الإيرادات، وفق المساجدي مضيفًا أن «توقيته مرتبط باستجابة لصندوق النقد والدعم السعودي. لكنه محفوف بالمخاطر التضخمية ما لم يُصحبه ضبط للإيرادات، استثناءات وحماية للفئات الضعيفة، وتوافق سياسي ينقل القرار من قرار شكلي إلى تنفيذ».

التداعيات

فيما يتعلق بتداعيات تحرير الدولار الجمركي على الأسعار وظروف العيش، يقول إن «تحرير ورفع سعر الدولار الجمركي يعني مباشرة ارتفاع تكلفة استيراد السلع المُحتسبة بالجمرك، خصوصاً السلع غير الأساسية والسلع الوسيطة. إذا رُفِع السعر إلى مستوى السوق فإن أسعار كثير من السلع المستوردة سترتفع بسرعة، وينتج عن ذلك ضغوط تضخمية متجددة قد تُبقِي أو تعيد ارتفاعات الأسعار حتى لو تحسنت قيمة الريال مؤخراً لوقت قصير».
لكن المساجدي يرى أن «الركيزة الأساسية لنجاح رفع الدولار الجمركي ليست فقط في القرار نفسه، بل في قدرة الدولة على تحويل تلك الزيادة في السعر إلى إيرادات فعلية للخزينة».
ويستدرك «إذا بقيت إيرادات الجمارك مُفرَّطة في التسريب أو لم تُحوَّل إلى حسابات الحكومة المركزية، فإن الزيادة ستذهب إلى حسابات خارج البنك المركزي، بينما تعاني الخزينة من نفس العجز أو أسوأ. لذلك اشتراط تنفيذ القرار بعد وضع خطة رئيس الوزراء وضبط الإيرادات، وهي فترة سماح أسبوعين بحسب نص القرار، هو محاولة لربط الخطوة بآليات تنفيذية لتقليل مخاطر الارتداد التضخمي، ولفتح نافذة تعاون مع صندوق النقد والمانحين».
السعر السابق للدولار الجمركي في مناطق نفوذ الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وصل إلى 700 ريال، فيما سيصل بعد التعويم، في حال تم تنفيذ القرار، إلى 1600 ريال، ويشير المساجدي إلى أن السلع الأساسية الخمس مثل القمح والأرز والسكر وغيرها مستثناة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية