بغداد ـ «القدس العربي»: فيما ينتظر رئيس الجمهورية برهم صالح، كلام رجل الدين الشيعي البارز علي السيستاني، اليوم الجمعة، للبتّ بترشيح شخصية تتولى رئاسة الحكومة الجديدة، خلفاً للمستقيل عادل عبد المهدي، أعلن رسمياً رفضه تولي مرشح تحالف البناء» أسعد العيداني المنصب، واضعاً استقالته، أمام مجلس النواب العراقي (البرلمان).
وقال رئيس الجمهورية في بيان وجهه أمس إلى رئاسة البرلمان، «وصلني كتابكم حول تحديد الكتلة الأكثر عدداً، وبما يؤكد تشخيص (كتلة البناء) ككتلة الأكثر عدداً، وكما وصلني من (كتلة البناء) يتضمن ترشيح أسعد عبد الأمير العيداني لرئاسة مجلس الوزراء».
وأضاف: «مع تمسكنا بالنص الدستوري بوصفه سقفاً حاكماً في إدارة الدولة، أود أن أشير إلى أن مسؤوليتي الوطنية في هذا الظرف التاريخي الحساس، وفي ضوء الاستحقاقات التي فرضها حركة الاحتجاج المحقة لأبناء شعبنا تحتم علينا أن ننظر إلى المصلحة الوطنية العليا قبل النظر إلى الاعتبارات الشخصية».
وأشار إلى أن «المصالح العليا للبلاد، التي أقسمت عند تسلمي المسؤولية رئيساً للجمهورية على صونها والدفاع عنها، تفرض اليوم مسؤولية وطنية على عاتق الرئيس بدعم تفاهم حول مرشح رئاسة الحكومة المقبلة. والتي تستوجب المصلحة أن يكون عامل تهدئة للأوضاع وغير جدلية ويستجيب لإرادة الشعب العراقي الذي هو مصدر شرعية السلطات جميعاً. وقد كنت أجريت سلسلة مشاورات مع القوى النيابية والسياسية ومع الفعاليات الشبابية والنقابية والأكاديمية والدينية والاجتماعية، حول مواصفات واشتراطات رئيس الحكومة المقبل. وتم تقديم طلب موقع من (174) نائباً حددت فيه مواصفات رئيس الحكومة».
وأكمل: «آخذاً في الحسبان مسؤولية رئيس الجمهورية تجاه شعبه، ومسؤوليته الوطنية تجاه استقرار البلد وسلامته، ومنطلقاً من حرصي على حقن الدماء وحماية السلم الأهلي، ومع كل الاحترام والتقدير للأستاذ أسعد العيداني، أعتذر عن تكليفه مرشحاً عن (كتلة البناء)».
وتابع: «وصل إلى رئاسة الجمهورية عدّة مخاطبات حول الكتلة النيابية الأكثر عدداً يناقض بعضها البعض، فقد أرسلت رئاسة مجلس النواب/ مكتب النائب الأول كتاب مرقم أشار فيه إلى أن التحالفات السياسية الـ(16) في الجلسة الأولى لمجلس النواب هي الكتلة النيابية الأكثر عدداً وعلى هذا الأساس تم تكليف عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة. أعقب هذا الكتاب كتاباً آخر سُلم إلينا باليد (…) يشير إلى إن كتلة البناء هي الكتلة النيابية الأكثر عدداً علما إن هذا الكتاب لم يرسل إلى رئاسة الجمهورية ولم يسجل وارد إلينا في حينه (16/9/2018) ولم ننتخب آنذاك رئيساً للجمهورية، ولو وصل إلى رئاسة الجمهورية لتم تقديم المرشح لتشكيل الحكومة من قبل كتلة البناء وليس من قبل الكيانات الـ(16) المتحالفة، وبعد أن أرسلنا هذه الملاحظات أرسل السيد رئيس مجلس النواب كتاباً آخر (…) كان نصّه إن الكتلة النيابية الأكثر عدداً هي كتلة البناء وهي المعنية بالترشيح وهو ما يناقض كتابي مجلس النواب في (2/10/2018) و(16/12/2019))».
ومضى قائلاً: «في نطاق واجبي الذي يحتم صون الدستور وحمايته، يجب الإشارة إلى المادة 67 من الدستور التي تلزم رئيس الجمهورية بـ(المحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه)، وكذلك المادة 76 التي تُلزم الرئيس بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل مجلس الوزراء، من دون أن يكون له حق الاعتراض. وبما أن هذا الموقف المتحفظ من الترشيح الحالي قد يُعدّ إخلالاً بنصّ الدستور، لذلك أضع استعدادي للاستقالة من منصب رئيس الجمهورية أمام أعضاء مجلس النواب، ليقرروا في ضوء مسؤولياتهم كممثلين عن الشعب ما يرونه مناسباً. فيقينا لا خير يرتجى في موقع أو منصب لا يكون في خدمة الناس وضامناً لحقوقهم».
وختم صالح بيانه بالقول: « أؤكد على أن الحراك السياسي والبرلماني يجب أن يكون معبراً دائماً عن الإرادة الشعبية العامة، وعن مقتضيات الأمن والسلم الاجتماعيين، وعن الاستحقاق لتوفير حكم رشيد يوفر الأمن ويرتقي إلى مستوى تطلعات الشعب وتضحياته».
ضغط شيعي
وتضغط القوى السياسية الشيعية – تحالف البناء تحديداً، لاختيار مرشحٍ منها لشغل المنصب.
فبعد أن أعلن وزير التعليم العالي قصي السهيل، «اعتذاره» لتحالف «البناء» بزعامة العامري والمالكي، عن الترشح لمنصب رئيس الوزراء، اتفق قادة التحالف على ترشيح أسعد العيداني، محافظ البصرة، للمنصب.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر مُطلعة على ملف مفاوضات اختيار رئيس الوزراء الجديد، إن العيداني التقى رئيس الجمهورية برهم صالح في قصر السلام الرئاسي في بغداد، أول أمس، في خطوة لتثبيت ترشيحه لدى رئيس الجمهورية.
ووفق المصادر، فإن العيداني لم يقدم أوراق إعتماده كمرشح البناء لرئيس الجمهورية، كون الأخير يطلب مرشحاً توافقياً بين البناء وسائرون، بالإضافة إلى كونه مقبولاً من قبل الشارع المحتجّ.
ويبدو أن حظوظ العيداني بدأت في الانحسار، بعد الرفض الشديد الذي يواجهه في ساحات الاحتجاج، التي تعتبر مقياساً لمدى قبول جميع الأسماء المرشحة لشغل المنصب بالنسبة للشارع المنتفض منذ مطلع تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فضلاً عن إعلان رئيس الجمهورية برهم صالح «رفضه» تقديم العيداني كمرشحٍ للمنصب.
وفي حال أرادت القوى السياسية وتحديداً «الفتح» و»سائرون» ضمان موافقة المحتجين على أحد مرشحهيم، فيتوجب عليهم الالتزام بـ«المواصفات» التي حددها المحتجون لرئيس الحكومة الجديد، وأبرزها «الاستقلالية» وعدم انتمائه إلى أي حزب سياسي، فضلاً عن كونه ليس من مزدوجي الجنسية.
في الأثناء، يدور الحديث عن ترشيح شخصيتين «توافقيتين» للمنصب، هما رئيس هيئة النزاهة السابق، القاضي رحيم العكيلي، وقائد قوات جهاز مكافحة الإرهاب السابق، المحال على التقاعد، الفريق الركن عبد الغني الأسدي.
وحسب المصادر، فإن العكيلي والأسدي يمتلكان المقبولية لدى تحالفي الصدر والعامري، كما إن لهما سمعة جيدة عند الشارع العراقي، وتنطبق عليهما مواصفات المحتجين، غير إن ترشيح أحد الأسماء لم يظهر إلى العلن بعد.
أحد المرشحين للمنصب، النائب المثير للجدل فائق الشيخ علي، أكد أن رئيس الجمهورية لن يكلف أحداً بتشكيل الحكومة الجديدة قبل خطبة السيستاني.
الشيخ علي «غرّد» أمس قائلاً: «رئيس الجمهورية لن يكلف اليوم (أمس) أحداً بتشكيل الحكومة، حتى يستمع إلى خطبة الجمعة للمرجعية».
وأضاف مخاطباً ممثل السيستاني أحمد الصافي، المقرر أن يتلو خطبة الجمعة اليوم: «يا خطيب المرجعية: إياك أن تقول للرئيس (أن يراعي مطالب الشعب والكتل السياسية) لأنه سيتم تكليف مرشح الكتل مباشرة، وستضيع دماء الشهداء هدرا».
الانتفاضة أسقطت حكومة القمع
بالتزامن مع إعلان رئيس الجمهورية رفضه مرشح تحالف «البناء» أسعد العيداني، لتولي منصب رئيس الوزراء الجديد، أفاد تحالف «سائرون»، أن صالح يقاوم ضغوطات الداخل والخارج لتمرير «مرشحي المحاصصة».
وقال النائب عن كتلة «سائرون» النيابية صباح الساعدي في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب أمس، إن «الأحزاب التي قادت العملية السياسية خلال 16 عاماً لم تنتج إلا فساداً ودماراً وضياعاً للوطن، وتحاول اليوم البقاء على منهجها السابق من خلال تدوير رجالاتها في محاولة لبقائها على السلطة».
وأضاف أن «الانتفاضة الشعبية هي من أسقطت حكومة القمع والفساد والمحاصصة وأجبرت رئيسها على الاستقالة ولا يمكن القبول برئيس وزراء جديد من نفس رحم المحاصصة».
وأشار إلى «محاولات لتمرير مرشحي الأحزاب من خلال ضغوطات على رئيس الجمهورية، وهنا لابد من تثمين موقف رئيس الجمهورية الذي لايزال يقاوم ضغوط الأحزاب الداخلية والخارجية وندعوه إلى الاستمرار بموقفه». وتابع أن «رئيس الحكومة القادم يجب أن يكون من رحم الشعب والتظاهرات السلمية ويكون ممثلاً لدماء الشهداء»، مبيناً أن «سقوط حكومة الشعب والقمع وتغيير مفوضية الانتخابات وإقرار قانون الانتخابات تؤكد ما ذكرناه من أن مراحل التغيير الشامل آتية، وأننا على أعتاب مراحل لتغيير الحكومة».