بيروت-“القدس العربي”: عمّ الغضب الشعبي في مختلف المناطق اللبنانية فور إعلان مصرف لبنان عن رفع الدعم على المحروقات، وتهافت مواطنون على محطات البنزين لملء خزاناتهم بالوقود قبل ارتفاع سعر الصفيحة.
ووقعت ليلاً تحركات احتجاجية غاضبة في طرابلس بلغت حد إشعال النيران في محيط منزل الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، فيما قطع محتجون طريق ضهر العين في الكورة بسبب فقدان المازوت وإطفاء المولدات إضافة إلى طريق البداوي وفي كفررمان النبطية قطع مواطنون الطريق بالسيارات والعوائق الحديدية والحجارة عند تمثال الصباح، ومنعوا السيارات من دخول المدينة، احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية، كما أقفل محتجون اوتوستراد الناعمة بالاتجاهين وطرقات الشويفات وبشامون والجية وعاليه وعبرا ومزرعة يشوع وعدداً من طرقات البقاع.
وغداة قرار رفع الدعم عن المحروقات، استدعى رئيس الجمهورية ميشال عون صباحاً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى اجتماع في قصر بعبدا، تزامناً مع تغريدة لنائب التيار الوطني الحر السابق نبيل نقولا يتوجّه فيها عبر “تويتر” إلى رئيس الجمهورية بالقول: “فخامة الرئيس، رياض سلامه ذاهب إلى القصر، آخر خرطوشة إقبض عليه بواسطة الحرس الجمهوري لأنه متآمر على الدولة، وضعه في السجن حتى يبق البحصة”. وأضاف” أيها الثوار الأوادم والشعب جميعاً أقفلوا الطريق واقبضوا على رياض سلامة. طفح الكيل. رجل يتحكم بمصير شعب غير مقبول”.
وخلال الاجتماع الذي شارك فيه وزيرا المال والطاقة، شدّد الرئيس عون على “أن قرار مصرف لبنان له تداعيات اجتماعية واقتصادية خطيرة تنعكس على الصعد كافة لاسيما المعيشية منها وحاجات المواطنين اليومية”، مشيراً إلى “أن المجلس الأعلى للدفاع لم يتخذ البارحة أي قرار يتعلق برفع الدعم الذي هو أصلاً خارج اختصاصه”. وطالب عون الحاكم سلامة “التقيّد بالنصوص وفتح الاعتمادات لشراء المحروقات على أساس 3900 ليرة للدولار الواحد وبعد التنسيق مع السلطة الإجرائية التي ناط بها الدستور وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات”، غير أن المعلومات التي رشحت عن الاجتماع أفادت أي أي اتفاق لم يتم التوصل إليه إذ أصرّ رياض سلامة على وقف دعم المحروقات إلا في حال صدور تشريع من مجلس النواب يشرّع المس بالاحتياطي.
من جهته، غرّد رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل قائلاً: “مصرف لبنان هيئة عامة مستقلة خاضعة للحكومة وقراراتها. الحكومة قررت خطة رفع دعم تدريجي وصدر من ضمنها قانون البطاقة التمويلية وبدأت آلية إصدارها. قرار الحاكم الأحادي برفع الدعم فجأة بشكل كامل مخالف لقرار الحكومة ولقانون البرلمان. هذا انقلاب جديد. أدعو التيار والناس للاستعداد للتحرك”.
مصرف لبنان هيئة عامة مستقلّة خاضعة للحكومة وقراراتها. الحكومة قررت خطة رفع دعم تدريجي وصدر من ضمنها قانون البطاقة التمويلية وبدأت آلية اصدارها.قرار الحاكم الأحادي برفع الدعم فجأة بشكل كامل مخالف لقرارالحكومة ولقانون البرلمان.هيدا انقلاب جديد.أدعو التيار والناس للاستعداد للتحرك GB
— Gebran Bassil (@Gebran_Bassil) August 12, 2021
وفي مؤتمر صحافي لاحق، لفت باسيل إلى أن “رياض سلامة هو حاكم البنك المركزي وليس حاكم الجمهورية اللبنانية”، ودعا “إلى وقف المجزرة الجماعية في حق الشعب اللبناني”.
وفي أولى التحركات قيام شبّان على طريق القصر الجمهوري برشق موكب حاكم مصرف لبنان بالبيض لدى مغادرته الاجتماع مع رئيس الجمهورية، ثم توجّه مناصري التيار الوطني الحر مساء إلى منزل سلامة في الرابية لمطالبته بالتراجع عن القرار المخالف والفجائي برفع الدعم.
بدوره، وجّه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب كتاباً إلى وزير المالية غازي وزني يطلب فيه إبلاغ حاكم مصرف لبنان أن قراره رفع الدعم عن المحروقات مخالف للقانون الذي صدر عن مجلس النواب بشأن البطاقة التمويلية، ومخالف لسياسة الحكومة في ترشيد الدعم.
وجاء في الكتاب: “لما كانت الحكومة قد أكدت مراراً على وجوب ترشيد الدعم (وليس رفعه)، وذلك بالتوازي مع إقرار البطاقة التمويلية التي من شأنها أن تساعد المواطنين على تحمل كلفة هذا الترشيد. ولما كان مجلس النواب قد أقرّ أخيراً مشروع الحكومة المتعلق بالبطاقة التمويلية وتبنى سياستها بترشيد الدعم بالتوازي مع إقرار البطاقة التمويلية.
وتنفيذاً لسياسة الحكومة التي تكرّست بموجب القانون المذكور فإن أي قرار برفع الدعم حالياً وبصورة فورية يشكل مخالفة واضحة لسياسة الحكومة ولأحكام هذا القانون. لذلك، نطلب إليكم إبلاغ مصرف لبنان بواسطة مفوض الحكومة مضمون هذا الكتاب للعمل بمقتضاه وإجراء ما يلزم بالسرعة القصوى”.
وخلال اجتماع وزاري طارئ دعا إليه في السرايا الكبير للبحث في خطوة حاكم المصرف المركزي، لفت رئيس حكومة تصريف الأعمال إلى أن “حاكم مصرف لبنان اتخذ قرار رفع الدعم منفرداً، والبلد لا يحتمل التداعيات الخطيرة لهكذا قرار. فهذه التداعيات ستطال كل شيء: لقمة عيش المواطنين، وصحتهم، والاقتصاد… وأيضاَ مؤسسات الدولة التي ستكون مربكة في التعامل مع واقع جديد غير جاهزة له، فضلاً عن الرواتب وحضور الموظفين”، وقال “اليوم، سيكون علينا جميعاً في أي موقع، العمل بكل طاقاتنا من أجل احتواء قرار رفع الدعم وتقليل أضراره الكبيرة”.
وساندت كتلة “الوفاء للمقاومة” رئيسي الجمهورية والحكومة في رفض قرار سلامة، ورأت “أن الإجراء مرفوض لأنّه خارج سياق أي خطة انقاذية ومخالف للسياسة التي قررتها الحكومة وأقرّها المجلس النيابي حين صادق على البطاقة التمويلية التي تدعم العوائل الفقيرة”.
وتحت ضغط المواقف السياسية، أصدر مصرف لبنان بياناً جاء فيه: “عطفاً على البيان الصادر عن مصرف لبنان والمتعلق بالمحروقات، فإن مصرف لبنان كان قد أرسل للحكومة منذ شهر آب/ أغسطس 2020 أي منذ حوالي السنة، مؤكداً أنه لا يمكن قانوناً المساس بالتوظيفات الالزامية بالعملات الأجنبية لديه. وقد أكد ذلك مرارًا بمراسلات أخرى وفي كافة الإجتماعات التي عقدها مع المراجع المعنية بسياسة الدعم”.
وأكّد البيان أن “المساس بهذه التوظيفات يتطلب تدخلاً تشريعياً، بالمقابل، وعلى الرغم من أن مصرف لبنان قد دفع ما يفوق 800 مليون دولار للمحروقات في الشهر المنصرم، وأن فاتورة الأدوية وغيرها من المواد الضرورية قد تضاعفت، فلا تزال كل هذه المواد مفقودة من السوق وتباع بأسعار تفوق قيمتها حتى في ما لو رفع الدعم عنها! مما يثبت ضرورة الانتقال من دعم السلع، التي يستفيد منها التاجر والمحتكر، إلى دعم المواطن مباشرة وهو الأمر الذي يحفظ كرامة المواطنين في ظل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد”.
ورداً على موقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وباسيل الذين يرفضون رفع الدعم في عهدهم لئلا يحدث الانفجار الاجتماعي في وجههم، لوحظ أن ناشطين على مواقع التواصل وجّهوا انتقادات لاذعة إلى المسؤولين ووصفوا مواقفهم بـ”المسرحية”.
ناشطون وصفوا خطوة عون بـ”المسرحية” وهاجموا عهد الذلّ
ورصدت “القدس العربي” سلسلة تعليقات بينها لشربل غصن الذي كتب “ميشال عون وقّف المسرحيات.. خبّروني انك استدعيت رياض سلامة، تبقى بطريقك سألو وين راحت أمولنا وتعب عمرنا؟ اذا انت تغيير واصلاح بتحدّاك تحبسوا بالقصر حتى نعرف مين سرق الدولة وإلا الافضل ما تسمّعني صوتك”.
وقال جورج عاقوري “أجمل نكتة عون استدعى سلامة!!! بيكفي استغشام دافنينو سوى.. عهد الذل اللي إستحوا ماتوا”.
وهاجم انطون معلوف رياض سلامة قائلاً “يا حاكم بأمرك وسيّفك مسلّط ع رقابينا حلّ عن سما ربنا اللي فينا بيكفينا، زرعوك بهالبلد من ثلاثين عام يا ويّلك من ربك شو عملت فينا دمّرت الحجر والبشر انت يا رياض وقتلت مستقبل أجيالنا ومحيت ماضينا وين الضمير وين العدل والإنصاف، بعد ما كنا ملوك بهالوطن صار كل شخص يبّل إيدوا فينا…”.
ورأى طوني ابي نجم أنه “بالنسبة لجبران باسيل يللي بيرفع الدعم لأنو عم يروح عالتهريب وعا جيوب المافيات… مجرم، بس يللي بيعطل تشكيل الحكومة سنة تا ياخد التلت المعطل ووزارة الداخلية… بطل وهمّو حقوق المسيحيين! تفوووه”.
ورداً على باسيل كتب باسل عيد “أوكككيه ماشي وأنا معك.. بس انتو بالذات ضد مين بدكم تتحركوا؟!!”.
في الملف الحكومي، لا جديد بعد اللقاء الثامن بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف اللذين تابعا البحث في مسودّة الصيغة الحكومية وتوزيع حقائبها على الطوائف. وأوضح ميقاتي بعد اللقاء” استكملنا البحث في تشكيل الحكومة وإن شاء الله سنتابع الأسبوع المقبل”.