بيروت- “القدس العربي”: ألقى الرئيس اللبناني ميشال عون خطاب الوداع ظهر اليوم الأحد، أمام حشد من مناصريه في قصر بعبدا، قبل انتقاله إلى منزله في الرابية، إيذاناً بنهاية ولايته الرئاسية منتصف ليل غد الإثنين، والتي توّجها بتوقيع مرسوم قبول استقالة حكومة تصريف الأعمال برئاسة نجيب ميقاتي لإحداث فوضى دستورية في البلاد وإدخالها في المجهول، وإطلاق السجالات حول صلاحية الحكومة في تسلّم صلاحيات رئاسة الجمهورية من عدمه، ولا سيما أن رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، طلب من وزرائه في الحكومة الامتناع عن ممارسة مهامهم أو تلبية أي دعوة للرئيس ميقاتي إلى عقد جلسة لمجلس الوزراء، مطلِقاً الإشارة لمواجهة من وصفهم بـ”مغتصبي السلطة والدستور”.
ويأتي توقيع مرسوم قبول استقالة الحكومة بعد فشل المساعي لتعويم الحكومة في ظل شروط باسيل، إلا أن البعض يعتبر توقيع هذا المرسوم “لزوم ما لا يلزم” على اعتبار أن الحكومة مستقيلة بحكم الدستور بعد الانتخابات النيابية. واستشهدت أوساط ميقاتي بكلام للنائب السابق إدمون رزق الذي شارك في مداولات اتفاق الطائف، والذي وصف أي خطوة من هذا النوع بأنها “خيانة عظمى”.
وبدا أن الرئيس ميقاتي يحاول احتواء غضب عون وتياره، موضحاً أنه لن يكون تصادمياً، ولن يقوم إلا بما أوكله إليه الدستور، وقال: “لن نتحدّى أحداً ولن نقف بوجه أي أمر يخدم لبنان وأهله”، داعياً إلى “وقف المناكفات والتجاذبات رحمةً بالناس وبقطاعات الإنتاج، لا سيما أننا شهدنا في الصيف الفائت حركة مهمة وتدفقات مالية مهمة من اللبنانيين والسياح. ونحن ننتظر في الفترة المقبلة موسماً شتويّاً واعداً، وقد أبلغني أحد السفراء العرب أن هناك حجوزات مكتملة لمدة خمسة عشر يوماً للسفر إلى لبنان خلال عيدي الميلاد ورأس السنة، بمعدّل أربع أو خمس طائرات في اليوم”.
وكانت مراسم وداع عون الرسمية شهدت خروجه من مكتبه بين صفّين من الرماحة، حيث صافح كبار الموظفين والمستشارين، ثم استعرض كتيبة من لواء الحرس الجمهوري وعُزف النشيد الوطني، قبل أن يخاطب الجماهير المحتشدة داخل حرم القصر، معلناً توقيع مرسوم قبول استقالة الحكومة، وقال: “اليوم صباحاً وجّهت رسالة إلى مجلس النواب بحسب صلاحياتي الدستورية ووقعت مرسوم اعتبار الحكومة مستقيلة”.
ورأى هون “أن البلد مسروق من جيوبكم، وهذا العمل يتطلب مواقف وجهوداً حتى نقتلع الفساد من جذوره”، متهماً “حاكم البنك المركزي بارتكاب الجرائم المالية، من دون أن نستطيع إيصاله إلى المحكمة”، سائلاً: “مَن يحميه ومَن شريكه كلهم من المنظومة وأوصلونا إلى هذه الحالة”.
ولم يوفّر عون رئيسَ مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود من الانتقاد وتعطيل تعيين قاض رديف، وقال: “أبرياؤنا في السجن لأن رئيس مجلس القضاء لا يريد تعيين من ينظر في قضيتهم”. معلّقاً الآمال على “ثروة لبنان من النفط والغاز”.
وكانت مواكب التيار البرتقالي، توجّهت منذ الصباح إلى القصر الجمهوري في بعبدا، في استعادة لمشهد 1990 حين كان عون رئيساً للحكومة العسكرية، حيث نصبت خيم التياريين في محيط القصر. وانتشرت على الطرقات وحدات من الجيش اللبناني منعاً لأي احتكاك بين مؤيدي عون وخصومه. إلا أن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل، أصدرا التعليمات لكل الحزبيين بالانضباط والامتناع عن أي تحركات تجنباً لأي انجرار إلى إشكالات أمنية.
غير أن التصعيد برز على خط التيار “حركة أمل” التي ردّت هيئة الرئاسة فيها على مواقف عون التي طالت رئيس مجلس النواب نبيه بري، واتهمته بالعرقلة وحماية الفساد وبعدم جواز دعوته إلى حوار وطني. فاستغربت هيئة الرئاسة “تناسي عون دعوة الرئيس بري إلى الحوار عام 2006 بحضوره بشخصه والتذرّع بأن الرئيس بري ليس مع تأليف الحكومة، وهو الذي سعى ولا يزال بإخلاص وبقوّة من أجل إنجازها”، مضيفة: “الحقيقة بائنة كما الشمس، بأن من يتهم ويصوب السهام نحوه هو الذي عطّل تأليف الحكومة ويُريد تسمية أغلب وزرائها دون أن يمنحها الثقة، وذاكرة اللبنانيين لا تزال تنضح بمقولة “كرمال عيون الصهر عمرها ما تتشكّل الحكومة”.
وتوقف البيان عند تجاهل عون دور بري في موضوع ترسيم الحدود البحرية فقال: “هم يحاولون إخفاء دور الأخ الرئيس نبيه بري في الوصول إلى التفاهم حول الحدود البحرية الجنوبية مع فلسطين المحتلة، وهو الذي أسّس له وبناه وأكمله قبل العهد الحالي وإبانه وحتى خواتيمه”.
وواصلت محطة NBN التابعة للرئيس بري حملتها على عون وتياره، فقالت: “ارحل يا خازن جهنم غيرَ مأسوف عليك… وخذ معك الحاشية… وصهرك…. فالبلاد صارت حافية ولا أحد يريد أن يتفركش بجبران… خذه وارحل غير مأسوف عليك وعليه. أما ما تبشرون اللبنانيين به من فوضى وفساد دستوري، تارةً عبر توقيع مرسوم استقالة بدلاً من مرسوم تشكيل، وأخرى عبر مقاطعة حكومة تصريف الأعمال، فلا مكان له من الإعراب”.
من ناحيته، توقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في عظته عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، فقال إن “عهده لم يكن سهلا، بل محفوفًا بالأخطارِ والظروفِ الصعبة. فكان لبنان وسطَ محاور المنطقةِ وصراعاتِها، وعرفَ أسوأَ أزمةٍ وجوديةٍ في تاريخِه الحديث، انعكَست عليه وعلى الشعب اللبناني اقتصاديًّا وماليًّا واجتماعيًّا؛ وما زال في دائرة الخطر على كيانه ونظامه الدستوري”.
وناشد البطريرك “السادة النواب إلى القيام سريعا بواجبهم وانتخاب رئيس جديد، لأنَّ الشغورَ الرئاسي ليس وكأنه قدرٌ في لبنان، بل هو مؤامرةٌ عليه بما يشكلُ في هذا الشرقِ من خصوصيةٍ حضاريةٍ يَسعى البعضُ إلى نقضِها. والدولة بلا رئيس كجسم بلا رأس. والجسم لا يحتمل أكثر من رأس”.