الراعي يوبّخ الجماعة السياسية بعد إفشال مبادرته الحكومية.. وعون يكسر التقليد ولن يزور بكركي

سعد الياس
حجم الخط
3

بيروت- “القدس العربي”:

على الرغم من احتفال اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً بعيد الميلاد المجيد، إلا أن الاحتفالات بالعيد ترافقت مع غصّة وحزن نتيجة تراكم الأزمات التي يعيشها لبنان اقتصادياً ومالياً وحياتياً وبسبب الانفجار المدمّر الذي ضرب العاصمة بيروت التي مازالت تلملم جراحها.

وأبت مناطق لبنانية إلا أن ترفع زينة الميلاد في شوارعها لإدخال البهجة والفرح في النفوس ولخلق أجواء في الأسواق التجارية التي قصدها البعض للتبضّع متحدّين الغلاء الفاحش في الأسعار، فيما آخرون غرقوا في فقرهم وفي همومهم اليومية وفي استقبال العيد في أجواء من اليأس والقنوط.

ميلاد اللبنانيين حزين بسبب الانفجار وتراكم الأزمات وغرق كثيرين في الفقر

وكان اللبنانيون السالكون في الظُلمة يأملون أن يبصروا نوراً ينبئهم بولادة حكومة جديدة كما وعد الرئيس المكلّف سعد الحريري الأمر الذي ينعكس انخفاضاً ملموساً في سعر صرف الدولار، غير أن نتيجة اللقاء بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف جاءت مخيّبة للآمال، ما دفع بالبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي سعى لحلحلة وتسهيل التشكيلة الحكومية إلى توبيخ القادة السياسيين في رسالة الميلاد، ليعقبها بيان من قصر بعبدا عن إتصال الرئيس عون بالراعي لمعايدته والاعتذار عن عدم المشاركة في القداس الالهي التقليدي يوم الميلاد بسبب جائحة كورونا.

وكان البطريرك الراعي توجّه بكلام قاس إلى الطبقة السياسية في لبنان، فقال “قلّما مرّت على أمّةٍ أزمةٌ بهذه الخطورةِ، وتوانى قادتُها عن إنقاذِها مثل عندنا. وفي الأصل، ما كانت هذه الأزمةُ الوجوديّةُ لتَقعَ لولا سوء أداء هذه الجماعةِ السياسيّةِ منذ سنواتٍ وصولًا إلى اليوم. فهي لم تفهم السياسةِ فنًّا لإدارةِ شؤونِ البلاد والشعب، بل جعلته فنًّا لمصالحها ولتعطيلِ الحياةِ العامّةِ، والإستحقاقات الدستوريّة وإذلال الشعبِ، وإفسادِ المؤسّساتِ، وإعاقةِ القضاء، وضربِ الاقتصادِ والنقد. وأمام هذا الواقع لا يسعنا القول سوى أنّ هذه الجماعة السياسيّة إنّما تتولّى إدارة دولةٍ عدوّة وشعبٍ عدوّ”.

وأضاف الراعي “تعلمون أنّ مسؤولياتنا التاريخية والوطنية دفعتنا إلى القيام بمبادرة تهدف إلى حثِّ المسؤولين على تأليف حكومة سريعًا، منعًا للإنهيار الشامل. ومنذ اللحظة الأولى كنا ندرك الصعوبات الداخليّة والخارجيّة، ووجود أخرى خفيّة ومفتعلة تعيق التشكيل. لكننا أخذنا بالاعتبار مصلحة المواطنين ومآسيهم. كنّا نراهن على الضمير. وكان المبدأ ألّا يتحكّم أي طرف بمفاصل الحكومة خارج المساواة بين الطوائف. الشعب، ونحن معه، يريد حكومة اختصاص محصّنة بوجه التسييس تتولّى ورشة النهوض والإصلاح، وتعيد لبنان إلى منظومة الأمم. كنّا في معرض إنتظار حكومة تُصلح الدولة، لا في معرض تأليف حكومة يسيطر البعض من خلالها على مفاصل البلاد. كنّا في معرض إنقاذ الشعب لا في معرض إعلان سقوط الدولة. لقد أسفنا كلّ الأسف لسقوط الوعود التي أُعطيت لنا. فعاد تأليف الحكومة إلى نقطة الصفر”.

وتابع “أيّها المسؤولون، فكّوا أسر لبنان من ملفّات المنطقة وصراعاتها، ومن حساباتكم ومصالحكم المستقبليّة الخاصّة.حبّذا لو يبادر المعنيون إلى مصارحة الشعب في أسباب عدم تأليف الحكومة. فمن حقّه أن يعرف واقعه ومصيره. انّ لدى بعض المسؤولين الجرأة في الفشل، فليكن لدى البعض الآخر الجرأة في النجاح، وفي مصارحة الشعب.مع كل ما جرى نحن مستمرون في مساعينا بكل ما أوتينا من قوة وإيمان ومن ثقة الشعب وشبابه. من كان مؤتمنًأ على التاريخ لا يتراجع أمام صعاب الحاضر. فمساعينا لا تهدف إلى تأليف حكومة وحسب، بل إلى إنقاذ لبنان، وسننقذه”.

وإنتقد “إضعافَ الثقةِ بالشراكةِ الوطنيّةِ، وإعطاءَ الانطباعِ بأنَّ لبنانَ الموَحَّدَ غيرُ قابلٍ للحياةَ، فيما لا قيمةَ للبنان خارجَ الشراكةِ والوحدة، ولا قيمةَ للشراكةِ والوحدةِ خارجَ الحريّةِ والولاء”، مشيراً الى أن ” هناك من يُريد أن يقضي على لبنانَ النَموذجِ والرسالةِ والاستثناءِ عمدًا أو جهلًا. لكنّ رجاءنا وطيد بأنَّ لبنانَ أقوى من كلِّ هذه المحاولات. وقد أثبَت ذلك في الماضي وسيُثبته في الحاضر. سيقومُ بالعِزّةِ والمجد. ونحن عازمون على مواجهةِ التحدّياتِ مهما تَعدّدت وعَظُمَت. نحن مصمِّمون على إنقاذِ لبنان الديمقراطيِّ، الحياديِّ، المستقلّ. لبنانَ السيادةِ والشراكةِ والرُقيّ”.

وتلا البطريرك الماروني رسالة البابا فرنسيس إلى اللبنانيين بمناسبة عيد الميلاد المجيد والتي حملت أكثر من مغزى وجاء فيها “كبير ألمي عندما أرى الوجع والقلق الذي يخنق روح الإقدام والحيوية التي فطرت عليها بلاد الأرز”، مناشداً “الزعماء السياسيين والقادة الروحيين، مستعيراً هذا المقطع من إحدى الرسائل الراعوية للبطريرك الياس الحويك: “أنتم أيها المسلطون (…)، أنتم يا قضاة الأرض، أنتم يا نواب الشعب، الذين تعيشون نيابة عن الشعب، (…)، أنتم ملزمون، بصفتكم الرسمية ووفقاً لمسؤولياتكم، أن تسعوا وراء المصلحة العامة. وقتكم ليس مكرّساً لمصالحكم، وشغلكم ليس لكم، بل للدولة وللوطن الذي تمثلونه”.

وختم “إن محبتي للشعب اللبناني الغالي، الذي أنوي زيارته في أقرب فرصة ممكنة، إضافة إلى الاهتمام الدائم الذي حرّك عمل أسلافي وعمل الكرسي الرسولي، تدفعني للتوجه مجدداً إلى المجتمع الدولي. فلنساعد لبنان على البقاء خارج الصراعات والتوترات الإقليمية. فلنساعده على الخروج من الأزمة الحادة وعلى التعافي”.

وكانت التعقيدات عطّلت ولادة الحكومة عشية عيد الميلاد، وتمّ التراشق بالمصادر بين بيت الوسط وقصر بعبدا، فمصادر بيت الوسط أوضحت “أن الأجواء الإيجابية التي عكسها الرئيس الحريري كانت بطلب مباشر من الرئيس عون الذي تمنى عليه التصريح بوجود ايجابيات يتم العمل على استكمالها، غير ان “وطاويط القصر” تحرّكت ليلاً لتعكير الجو والاعداد لجولة جديدة من التعقيدات، على جري عادتها منذ التكليف”.

وردّت مصادر قريبة من رئيس الجمهورية نافية وجود وطاويط في قصر بعبدا، ورأت أن “لا توازن ولا عدالة بتوزيع الحقائب على الطوائف في التشكيلة التي قدّمها الحريري. وقد حاول الرئيس عون أكثر من مرة أن يطالب بالتوازن واعتماد معيار واحد لكن الحريري متمسك بموقفه. كما أنه يطالب بحقيبتي العدل والداخلية أي بمعادلة الأمن والقضاء في وقت لا يمكن لفريق واحد أن يكون ممسكاً بالحقيبتين معاً نظراً لتداخل الأمن والقضاء”.

وأضافت “أن الحريري حاول التصرف وكأنه يؤلف على طريقة one man show وهذا ما يضرّ بالشراكة التي ينصٌ عليها الدستور، كما يكرٌس اعرافاً جديدة تناقض نص المادة 53 من الدستور التي تقول إن الحكومة تشكل بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية