الرباط-“القدس العربي”: ما هو مؤكد ان السفير الإماراتي لدى المغرب متواجد في بلاده منذ أسبوعين، وما هو مؤكد أيضا أن هناك أزمة بين الرباط وأبو ظبي، ويلتزم البلدان رسميا الصمت ويرفضان تأكيد أن هناك أزمة بينهما، ويؤشران عليها وعلى أسبابها بـ”تسريبات” أو تعليقات أو “هجمات” صحافية.
والعلاقات بين المغرب والإمارات ليست حديثة العهد، وتمتد لعقود طويلة شيدها العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني وأمير دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد بن سلطان، ووصلت إلى إقامة الشيخ زايد أكثر أيام السنة في المغرب وان يتولى الأمن المغربي تدبير حراسته في أبو ظبي. وترسخت هذه العلاقة بعد تولي العاهل المغربي الملك محمد السادس مقاليد الحكم في بلاده وقيادة الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد الإمارات، تدبير الحكم في أبو ظبي بعد وفاة والده الشيخ زايد ومرض شقيقه الشيخ خليفة، وكان ملاحظا كثافة الزيارات الرسمية أو الخاصة بينهما، الطويلة أو القصيرة، فهما بالإضافة إلى مسؤولياتهما الرسمية، كل في بلده، والعلاقات التاريخية والتعاون في كل الميادين بين البلدين، صديقان منذ أيام الصبا وزملاء دراسة، حيث تلقى محمد بن زايد جزءا من تعليمه رفقة محمد السادس في المدرسة المولوية في الرباط.
صحيفة “أخبار اليوم” المغربية قالت الأسبوع الماضي، نقلا عن مصادر لم تسمها، ان السفير الإماراتي في المغرب، علي سالم الكعبي، الذي لم يمض على تعيينه عام واحد، غادر المغرب في ظروف غامضة، بناء على “طلب سيادي عاجل” من أبو ظبي.
هذا الخبر جاء بعد أسبوعين من جولة قام بها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة شملت كل دول الخليج واستثنى الإمارات، وتسربت أنباء عن جولة خليجية مماثلة للعاهل المغربي الملك محمد السادس، لم تتأكد حتى الآن. هذه الجولة أشرت على وجود الأزمة، ولم يصدر أي رد فعل عن سلطات البلدين، رغم الانتشار الواسع للخبر، وتضارب التفسيرات الخاصة به، بل أن منابر إعلامية مغربية مقربة من صناعة القرار نشرت تقارير ومقالات تحمل هجمات عنيفة لفظا ومضمونا ضد دولة الإمارات والشيخ محمد بن زايد.
إلا أن موقعا إماراتيا، نقل عن مصدر مغربي رسمي، نفيا لأنباء استدعاء السفير علي سالم الكعبي. وقال موقع “إرم” الإماراتي، إن العلاقات بين البلدين تتسم بالقوة والمتانة، وليس صحيحا استدعاء السفير الإماراتي في المغرب، وانه سخر من هذه الأنباء موضحا إنه لا يوجد في الأعراف الدبلوماسية شيء اسمه “طلب سيادي عاجل” معتبرا أن وسائل الإعلام التي تناقلت هذه الأنباء تفتقد إلى ما وصفه بـ”المنطق السليم والقواعد المهنية”.
لكن هذا الصمت الرسمي الذي بقي سائدا بالرباط وأبو ظبي فسر، صحافيا أيضا، بأن القضايا الخلافية والأزمة كان يفترض أن تتم تسويتها في تكتم وبدون تشنج، وأن الصمت سيستمر في سياق يتسم بمحاولة تجاوز التوتر القائم في علاقات البلدين، وتقول إن تحركات بعض موظفي السفارة الإمارتية كانت تؤزمها أكثر، فيما يرجّح أن تكون مغادرة السفير نهائية، في انتظار تعويضه.
التساؤلات والتحليلات في المغرب، تؤكد في مجملها وجود خلافات غير ظاهرة بين المغرب والإمارات بدأت في تحفظات مغربية على العدوان الذي تشنه الإمارات والسعودية على اليمن وانسحابه التدريجي من هذه الحرب، وتعمقت بدون أن يعلن عن ذلك مع الأزمة الخليجية التي ولدها حصار العربية السعودية والإمارات على دولة قطر 2017، ورفض المغرب المشاركة في هذا الحصار وتبني الحياد البناء ومحاولة لعب دور الوسيط ثم إعلان دعمه للوساطة الكويتية.
وإذا كانت الأزمة بين الرياض والرباط أخذت طريقها نحو الانفراج بعد زيارة المستشار تركي آل الشيخ للمغرب ولقائه بالملك محمد السادس، وجولة خليجية لناصر بوريطة وزير الخارجية والتعاون شملت الرياض ولقائه العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، تصاعدت الأزمة بين الرباط وأبو ظبي لأن هذه الأخيرة أبدت تغيرا ملحوظا في موقفها تجاه قضية الصحراء وهي قضية المغرب لا يحتمل أي تهديد لوضعه، واختلاف الرؤى بين الرباط وأبو ظبي حول “صفقة القرن” التي يرفض المغرب الخوض فيها ويحتفظ برأيه تجاهها فيما تتولى الإمارات دور العراب عربيا بالإضافة إلى دورها في تعميق الأزمة الليبية من خلال دعمها للتحركات العسكرية لخليفة حفتر فيما يسعى المغرب إلى حلحلتها من خلال الالتزام وتنفيذ اتفاقية الصخيرات لسنة 2016.
وكشفت تصريحات وزير الخارجية المغربي نهاية الشهر الماضي، قال فيها تعليقا على علاقات بلاده الخليجية إن المغرب يرفض أي وصاية دبلوماسية إذا ما قرر لعب دور الوساطة في الملفات المطروحة والتي تشهدها المنطقة العربية كالملف اليمني والخلافات بين الدوحة ودول الخليج ومحاولات إماراتية للضغط على المغرب لتغيير مواقفه.
وأكد ناصر بوريطة أن السياسة الخارجية هي مسألة سيادة بالنسبة للمغرب، وأن التنسيق مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، يجب أن يكون وفق رغبة من الجانبين. وقال نهاية اذار/مارس الماضي، خلال ندوة صحافية مشتركة مع نظيره الأردني أيمن الصفدي “من منطلق المملكة المغربية، فإن العلاقات مع دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، هي علاقات تاريخية عميقة. وهناك دائما الرغبة في الحفاظ عليها، من طرف المغرب” مؤكدا أنه “ربما قد لا نتفق على بعض القضايا، لأن السياسة الخارجية هي مسألة سيادة. وفي المملكة المغربية هي قائمة على مبادئ وعلى ثوابت”.
وأضاف أن “هذا التنسيق يجب أن يكون من طرف الجانبين، وليس حسب الطلب، ويجب أن يشمل جميع القضايا المهمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على غرار الأزمة الليبية” وأن “الرغبة في الحفاظ على هذه العلاقة يجب أن تكون من الجانبين، وأن تكون متقاسمة وإلا يجب البحث عن بدائل”.