«الرب يتخلى عن أنطونيو»: قصيدة كافافيس وأغنية ليونارد كوهين

كتب الشاعر اليوناني المصري قسطنطين كافافيس، قصيدة «الرب يتخلى عن أنطونيو» سنة 1911، وقام المغني الكندي الراحل ليونارد كوهين، بغناء هذه القصيدة، أو نسخة فريدة منها سنة 2001، حيث قامت المغنية الأمريكية وكاتبة الأغاني شارون روبنسون، ومؤلفة العديد من أغاني ليونارد كوهين، بكتابة أغنية ألكسندرا الراحلة Alexandra Leaving. وهي أكبر من أن تكون مجرد أغنية كُتبت من وحي قصيدة قسطنطين كافافيس، بل إنها هي قصيدة قسطنطين كافافيس، وقد اتخذت شكلاً آخر، ذلك أنه تم اتبّاع كل بيت من أبيات القصيدة، وكل صورة من صورها الشعرية، والتعبير عنها في إطار أحاسيس مختلفة، حتى اسم ألكسندرا، ما هو إلا تغيير وتعديل طفيف، لاسم مدينة الإسكندرية في مصر.
نظم الشاعر قسطنطين كافافيس هذه القصيدة باللغة اليونانية، لغته الأم، التي لم يكن يأتي الشعر إليه إلا من خلالها، لكن مصر حاضرة فيها، وتحديداً مدينة الإسكندرية، كما هو الحال في الكثير من أشعاره الأخرى. فهو شاعر يوناني مصري، ولد وعاش ومات ودفن في الإسكندرية، ومدى حياته من سنة 1863 إلى سنة 1933 لم يغادرها إلا لفترات قصيرة متقطعة. وفي الإسكندرية كان قسطنطين كافافيس يعمل موظفاً في إحدى المصالح الحكومية، وكان يقرض الشعر، ويقرأ بنهم كبير في التاريخ الذي كان يجذبه أكثر من أي شيء آخر، فانطبع شعره بانطباعات التاريخ وآثاره وأهواله، وقصيدة «الرب يتخلى عن أنطونيو» مثال على ذلك، لأنها تدور في مدار اللحظات الأخيرة من حياة القائد الروماني مارك أنطونيو، قبل أن يُقدم على الانتحار بسبب هزيمته على يد جيوش أوكتافيوس، وفقدانه للإسكندرية.
القصيدة ليست ملحمية فروسية الطابع، بل هي قصيدة قصيرة، أشبه بحوار داخلي يعكس ما كان يعتمل في نفس أنطونيو في تلك اللحظات، وأي بطل درامي هو مارك أنطوني، ذلك القائد الروماني الفذ، والعاشق الساحر الذي وقعت في غرامه كليوباترا ملكة مصر، التي انتحرت هي الأخرى.

قصيدة كافافيس

ومن شكسبير، إلى أمير الشعراء أحمد شوقي، إلى قسطنطين كافافيس، نستطيع أن نقرأ أجمل الأبيات الشعرية عن مارك أنطونيو وعلى لسانه. ونستطيع أن نقرأ أيضاً عن تلك اللحظات الأخيرة من حياته، وقد تناولها كل شاعر بطريقته الخاصة، فقد جعله شكسبير مثلاً في مسرحية أنطونيو وكليوباترا يقول: «إني أموت، يا مصر إني أموت». وقال شوقي عن موته أيضاً، في مسرحيته الشعرية الخالدة مصرع كليوباترا: «اليوم يلقى الموت لم يهتف به / ناع ولا ضجت عليه بواكي». أما في قصيدة قسطنطين كافافيس، فإننا نجد تأملاً في تلك اللحظات الأخيرة، أو في تلك اللحظة التي واجهته بقدره، لحظة الضياع، لحظة الهزيمة، لحظة الانتحار، لحظة الموت، تلك اللحظة التي فقد فيها كل شيء، وماذا يبقى له بعد أن تخلى الرب عنه؟ القصيدة قصيرة بشكل يلائم الحال والموقف، فالشاعر هنا يمسك بلحظة ما، ويجمدها، ثم يُسيلها شعرا.

تبدأ القصيدة بسماع أنطونيو، لأصوات وموسيقى وصفها الشاعر بأنها رائعة، تصدر عن موكب عابر غير مرئي، هو موكب انتصار جيوش أوكتافيوس. وتلك الموسيقى التي وصفها الشاعر بأنها رائعة، ما هي إلا إعلان لهزيمة أنطونيو وخبر مسبق عن موته، وأنطونيو يعلم ذلك جيداً. لذا يقول لنفسه في القصيدة، عندما يستمع فجأة في منتصف الليل، إلى موسيقى وأصوات الموكب، ألا يندب حظه الخائن، وألا يندب أعماله الفاشلة وخططه الخادعة، لأن كل ذلك الندب والعويل لن يفيد في شيء. وأن يقول وداعاً للإسكندرية التي ترحل الآن، كما لو أنه كان مستعداً لذلك منذ وقت طويل، كما لو أنه شجاع تماماً. ألا يخدع نفسه، ألا يقول إن كل هذا حلم، وأن أذنيه تخدعانه. ألا ينحدر إلى مثل هذه الآمال الخاوية، أن يذهب إلى النافذة، هو الذي وُهب هذه المدينة عن جدارة، ليستمع إلى الموسيقى الرائعة، ليستمع إليها بعاطفة عميقة، لكن دون توسلات وأنين الجبناء. أن يستمع إلى الموسيقى المنبعثة من هذا الموكب، وأن يقول وداعاً للإسكندرية التي ترحل الآن، أن يقول وداعاً للإسكندرية التي يفقدها الآن.

قسطنطين كافافيس

في الإسكندرية مات مارك أنطونيو، وفيها مات أيضاً الشاعر قسطنطين كافافيس، وإن كان القائد الروماني مارك انطونيو قد فقد الإسكندرية إلى الأبد، فإن الشاعر قسطنطين كافافيس لم يفقدها أبداً، وإنما افتقدها لأوقات قليلة، حين غادرها مضطراً لفترات قصيرة في صحبة عائلته. وعن الإسكندرية يقول كافافيس في قصيدة «المدينة»: «لن تجد مدناً ولا بحاراً أخرى، ستتبعك هذه المدينة وستلاحقك». بلغ الحب بكافافيس أن جعله متعلقاً بالإسكندرية إلى أقصى حد، يلتصق بالمكان ويلتصق المكان به، وإنه لمن الصعب حقاً أن يغادر المرء المدينة التي ترتبط بها نفسه، ويهوي إليها فؤاده، المدينة التي تعيد إليه توازنه النفسي وانسجامه الروحي، سواء كانت هذه المدينة هي مدينته التي ينتمي إليها في الأصل، أو كانت مدينة أخرى تقع في أي مكان من العالم، لكن ما أقسى أن تتلاشى مدينة المرء أمام عينيه جزءاً تلو الآخر، دون أن يغادرها، أن تضيع ملامحها وتختفي وتذهب إلى غير رجعة. أن يفقدها وهو لا يزال على أرضها، فلا يعود يعرفها.

للمغني الكندي الراحل ليونارد كوهين 1934 – 2016، مكانته الكبيرة في دنيا الفن، وهو من أهم نجوم الروك والفولك في عالم الموسيقى والغناء. ولم يكن هذا الفنان مغنياً وحسب، بل كان كاتباً مجيداً، يؤلف كلمات أغانيه بنفسه، أو يختار أفضل من يؤلفونها له إن لم يؤلفها هو، كالمغنية والكاتبة الأمريكية شارون روبنسون، التي ألفت له أغنية «ألكسندرا الراحلة» من وحي قصيدة كافافيس.

لم يكن غرام شاعرنا اليوناني المصري، قسطنطين كافافيس بالإسكندرية بسيطاً أو سهلاً، ولم يتوقف هذا الغرام عند صورتها الظاهرة للأعين، وجمالها الأخاذ الساحر في ذلك الزمن قبل أن يطاله أي تشويه، وترى هل سيقول كافافيس إذا رأى الإسكندرية اليوم، ما قاله قديما: «لا تزال الإسكندرية كما هي، لا تزال مدينة رائعة». لكن غرامه بالإسكندرية كان عميقاً، فيه نظرة تأملية للماضي الذي يمتد وراء هذه المدينة، وعشاقها القدامى، وكأن غرامه وهيامه بها امتداد لغرام قديم وهيام أقدم. لذا نظم الكثير من القصائد المرتبطة بتاريخ مدينة الإسكندرية، ونظر في العلاقة القوية التي تستطيع تلك المدينة أن تخلقها مع من يدخل إليها، بتفنن في الشعر، وقوة في رسم الصور الخيالية المندفعة. قصيدة «الرب يتخلى عن أنطونيو» من أجمل قصائد الشاعر قسطنطين كافافيس، وفيها ملامح كثيرة من شاعريته الممتازة، وسمات نفسه الحساسة وألوانه القاتمة، ومن يستمع إلى هذه القصيدة تُلقى باللغة اليونانية، سيشعر بأسى وحزن الموسيقى الكامنة في داخلها، وإن كان يجهل اللغة اليونانية ولا يستمع إليها كثيراً، أو ربما لا يستمع إليها على الإطلاق. ويظل شعر قسطنطين كافافيس جميلاً ومفعما بالموسيقى أيضاً، في ترجماته المتعددة إلى اللغة العربية، واللغة الإنكليزية. ولا شك في أنه تُرجم أيضاً إلى الكثير من لغات العالم الأخرى، فهو شاعر عالمي بمعنى الكلمة، يحظى بالشهرة والاعتراف، وله الفضل في إنه جلب العالم إلى مدينة الإسكندرية، كما كان الفضل لنجيب محفوظ، في إنه جلب العالم إلى مدينة القاهرة. والمثير أن كلا منهما نجح في فعل ذلك وهو جالس يكتب في بيته، مستقر في وظيفته الحكومية، ولم تعرف سنوات العمر في حياة كل منهما سوى بعض الأسفار القليلة التي تكاد لا تُذكر.

أغنية ليونارد كوهين

للمغني الكندي الراحل ليونارد كوهين 1934 – 2016، مكانته الكبيرة في دنيا الفن، وهو من أهم نجوم الروك والفولك في عالم الموسيقى والغناء. ولم يكن هذا الفنان مغنياً وحسب، بل كان كاتباً مجيداً، يؤلف كلمات أغانيه بنفسه، أو يختار أفضل من يؤلفونها له إن لم يؤلفها هو، كالمغنية والكاتبة الأمريكية شارون روبنسون، التي ألفت له أغنية «ألكسندرا الراحلة» من وحي قصيدة كافافيس. وهي أغنية من بين أغنيات كثيرة رائعة، توجد في قائمة أعمال ليونارد كوهين، مدة الأغنية أقل من خمس دقائق، وقد منحها كوهين لحناً رقيقاً هادئاً، يمتد وهو يصاحب الكلمات، ويهيئ للسامع التركيز مع تلك الكلمات والصوت الذي يغنيها. وتغني شارون روبنسون مع ليونارد كوهين في طبقة خفيضة. الأغنية عاطفية تدور عن الحب، وفقدانه والهزيمة في معاركه، وتخلي السماء عن العاشق أيضاً. والحق إن ما فعلته شارون روبنسون من تحويل قصيدة «الرب يتخلى عن أنطونيو» لقسطنطين كافافيس، إلى أغنية عاطفية على هذا النحو، يثير الإعجاب، ويدل على تمكن كبير من فهم القصيدة، والتقاط جوهرها وروحها الخيالية، وصنع الصور الشعرية التي تكاد تكون مطابقة لما ورد في القصيدة، لكنها تترك أثراً في السامع يختلف عن ذلك الأثر، الذي يقع في نفس من يقرأ القصيدة. في أغنية ليونارد كوهين تتحول الإسكندرية التي فقدها مارك أنطونيو، إلى ألكسندرا الحبيبة التي فقدها عاشقها. والرب الذي تخلى عن أنطونيو في قصيدة كافافيس، صار إله الحب في أغنية كوهين، الإله الذي يذهب بالحبيبة ألكسندرا متسللاً من بين حراس قلب العاشق، والحدث واللحظة الأساسية في الأغنية، هي لحظة الفقد كما في القصيدة، وخاتمة الأغنية تشبه خاتمة القصيدة، إذ تقول: «قل وداعاً لألكسندرا التي ترحل، قل وداعاً لألكسندرا التي تفقدها».

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية