إذا كان المعلوم بالضرورة عن السينما الأمريكية كصناعة أنها تتميز بقدراتها التكنولوجية الفائقة، وحجمها الإنتاجي الضخم وثروتها البشرية من المُبدعين والفنيين، فكل هذه المُفردات ليست هي فقط عوامل النجاح الوحيدة، التي أدت إلى هيمنة هوليوود عالمياً في مجال صناعة الأفلام، بل هناك مستوى آخر من التميز يتمثل في مضمون ومحتوى العمل السينمائي الموجه إلى الملايين من جمهور السينما في العالم.
ولا تعني كلمة مضمون هنا الجودة، أو الجدية في طرح القضايا، لكنها تُشير إلى الدقة في اختيار الموضوعات المُثيرة للجدل، والمؤدية إلى النشاط الذهني، فغاية صُناع أفلام الأكشن والإثارة والخيال العلمي، ليست الرسالة المُقدمة في متن الأحداث، وإنما غرابة المادة الفيلمية المُصورة هي الأصل في الرهان على السوق التجارية، بمُختلف الثقافات والفئات والبلدان، فالجمهور هو المُستهلك الأساسي للبضاعة، والمُستهدف الأول بطبيعة الحال، والجمهور بحسب تصنيفاته المعروفة والمدروسة، موزع وفق الشرائح والاهتمامات والمراحل العمرية، فإذا طبقنا نموذج التوزيع وفلسفة السوق على الجزء الرابع لفيلم «باتمان وروبن» أو «الرجل الوطواط» سنجد أن الفيلم لا يُمكن تصنيف جمهوره بدقة فهو موجه لكل الأعمار، رغم أنه لا يُقدم جديداً يُذكر من الناحية الفكرية ولا يضطلع صُناعه بتقديم رسالة مُحددة، لكن ما رأيناه على الشاشة يعد ثورة علمية تكنولوجية في كل المقاييس، وهي الحيلة التي تدفع المُشاهد إلى الاندماج الكلي في أجواء الفيلم بغير عناية حقيقية بالمضمون الدرامي القصصي.
ولأن هوليوود لا تهتم كثيراً بمسألة القصة والدراما في أفلامها التجارية والتكنولوجية فهي لا تعتني بإرضاء الأذواق الجماهيرية المُولعة بـ«الحواديت»، حيث تعتبر ذلك بدائية في الوعي والإدراك، وتسعى جاهدة لمحو أمية المُشاهد، حسب اعتقاد الكُتاب والمُخرجين ذوي الميول العملية في النفاذ المُباشر إلى ما يُحقق أعلى عائد من الربحية، بعيداً عن التصورات المنطقية لسير الأحداث وتسلسلها، فهذه الأساليب عفا عليها الزمن ولم يعد لها محل من الإعراب في قواعد الصناعة الجديدة والمُبتكرة للفيلم المتطور.
لقد حقق الفيلم الأرباح المأمولة بتأثير الدعاية الضخمة والنجاح السابق للأجزاء الثلاثة الأولى، كما أسلفنا، فقد أفلحت جهة الإنتاج وارنر برذرز حين راهنت على فكرة النجاح بأثر رجعي وبالطبع صدق حدس المراقبين وصُناع السينما وصار الفيلم علامة تجارية لماركة فنية مُسجلة.
وبالعودة إلى فيلم «الرجل الوطواط» باعتباره الحالة الفنية التي تُمثل الحداثة السينمائية، فلا يُمكن اعتباره عملاً إبداعياً للأطفال، لمجرد احتوائه على مشاهد غريبة توحي بالمغامرة والمُتعة، حيث تتسم أجواؤه بالإزعاج والتوتر، وقدر كبير من الغموض يصعب على الطفل استيعابه والتجاوب مع تفاصيله المُرهقة ذهنياً مهما بلغت درجة الذكاء والفراسة لدى العقلية الصغيرة. كما أنه ليس فيلماً للكبار، لأن المنطق يُحتم أن يستبعد أي عاقل رشيد فكرة أن يكون الفيلم موجهاً له، غير أن ما تم عرضه قرابة الساعتين تجافيه تماماً المُتعة التي تناسب الكبار ولا تتوافر فيه سمات أخرى تحفز على التركيز، اللهم إلا إذا اعتبرنا مدافع الثلج وبدل الفضاء والأجهزة الخرافية وكمية الخراطيم وعدادات الزمن والإطار الخيالي الهلامي لصراع المرأة المسمومة والرجل المُدمر، نوعاً من الإسقاطات الرمزية للصراعات الكونية الدائرة حول الإنسان، أو أنها إشارة للتحديات العالمية في عالم التقنيات الحديثة.
وسواء كانت هذه الرؤية هي بالفعل رؤية رمزية لصراعات كونية راهنة، أو متوقعة في المُستقبل القريب أو البعيد، فهذا لا ينفي أن الجزء الرابع من الفيلم تم إنتاجه على خلفية النجاح الذي تحقق للأجزاء الثلاثة السابقة، وهي عملية تقليدية في حسابات السينما في العالم كله، لكنها تبدو واضحة تمام الوضوح في السينما الأمريكية خصيصاً، لأنها الخبيرة في استثمار التجارب والأنماط، وصاحبة السبق في صناعة الأجزاء من قماشة واحدة محدودة، باستخدام عناصر الإبهار وإدخال أبعاد إضافية للإيهام بتعدد المستويات الفنية وزوايا الرؤية والأداء التمثيلي وخلافه.
وتبقى الإشارة الأهم في هذا المقام إلى الحضور القوي للنجوم الكبار، جورج كلوني وكريس دونيل وأوما ثورمان وأرنولد شوارزنيجر، والسيناريست أكيفا غولدسمان، وبالطبع بصمة المخرج جويل شوماخر على النسخة الرابعة من سلسلة أفلام «بات مان» المأخوذة عن بوب كين والصادرة في عام 1997 والدائرة أحداثها حول حماية مدينة جوثام من اللصوص الذين يحاولون سرقة ثرواتها من الماس لأسباب غير معلومة، فضلاً عن وجود الشخصية المُثيرة الدكتورة باميلا عالمة النباتات التي تُصاب بمرض نادر يحولها إلى إيفي المرأة السامة صاحبة القُدرات الخارقة في تسميم أي شيء بمجرد اللمس.
لقد حقق الفيلم الأرباح المأمولة بتأثير الدعاية الضخمة والنجاح السابق للأجزاء الثلاثة الأولى، كما أسلفنا، فقد أفلحت جهة الإنتاج وارنر برذرز حين راهنت على فكرة النجاح بأثر رجعي وبالطبع صدق حدس المراقبين وصُناع السينما وصار الفيلم علامة تجارية لماركة فنية مُسجلة.
كاتب مصري