الرجل شريك مُتضامن في سينما صنعتها المرأة للمرأة فقط

كمال القاضي
حجم الخط
0

مُصطلح سينما المرأة هو مُصطلح دخيل على السينما المصرية، فلا أصل للتسمية ولا أساس للمعنى الذي يخلق للمرأة مساحة مُستقلة عن الرجل على الشاشة الكبيرة، فما يخُص النساء من قضايا ومُشكلات يخص الرجال أيضاً بوصفهم طرفا أصيلا في الحياة المُشتركة، حتى الخصوصيات التي يقوم عليها تعريف سينما المرأة ليست خارج اهتمام الرجل، فالمرأة هي الأم والزوجة والأخت والعمة والخالة إلى آخر درجات القرابة وصلة الرحم وكافة روابط العلاقة الإنسانية الطبيعية بين الطرفين الأصيلين في الحياة الاجتماعية.
لقد بدأ اللعب على وتر التفرقة بين الجنسين في الصناعة السينمائية في بداية الأمر من باب المنافسة وخلق أجواء للإثارة الذهنية والفكرية لمُضاعفة الإيرادات كما يحدث عند رفع لافتة للكبار فقط لجذب المراهقين ومغازلتهم بما يتوقعوه من مُشهيات ومفاجآت لن يجدوها في الفيلم العادي.
الحيلة التجارية نفسها هي التي تم العمل بموجبها في صناعة سينما خاصة بالمرأة، حيث تم استخدام لغة الإيحاء للإثارة والترويج.
كذلك بدأت الحكاية بشكلها الدعائي البسيط قبل أن تتطور وتتحول إلى قضية جدلية كبرى تختلف فيها الآراء وتُثار الأسئلة حول ماهية سينما المرأة وأهدافها ومواصفاتها، وهل معنى التسمية أن الرجل خارج الحسبة تماماً أم أنه شاهد ملك وشريك مُتضامن في القضايا التي تخص المرأة وحدها دون غيرها؟
السؤال لم تتم الإجابة عنه برغم وجود تيار قوي للسينما النسائية أو ما يُطلق عليها سينما المرأة، ذلك أنه من الصعب الفصل بين الصنفين الإبداعيين، سينما المرأة وسينما الرجل فكلاهما مُتداخل أو بمعنى أدق كلاهما واحد فقط، إذ أن كل القضايا تحمل شقين، شق يختص بالرجل وشق آخر يختص بالمرأة وعالمها وأفكارها وحيثيتها واستقلالها، وهو الاستقلال الظاهر شكلاً، أما الموضوع فهو متصل غير مُنفصل.
ولو استحضرنا النماذج التي ناقشت واقع المرأة بقدر كبير من التركيز سنجد أن فيلم «أريد حلاً» للمخرج سعيد مرزوق وبطولة فاتن حمامة كانت أحداثه مُنصبة على مُشكلة الطلاق وموقف قانون الأحوال الشخصية من حقوق المرأة، وفي نفس الوقت لعب الرجل طرفاً أصيلاً في الأحداث فصارت بالضرورة له حيثية لا تقل بحال عن حيثية المرأة الواقع عليها الغُبن ومؤثراً تماماً من الناحية الدرامية ولو بشكل سلبي بحسب السياق المقصود في حينه.
وأيضاً فيلم «مراتي مدير عام» نجده مُعتمداً بشكل كلي على تعظيم مساحة المرأة ليس لأنها الأهم ولكن لطبيعة القصة المُسند فيها البطولة للعنصر النسائي، وقد تم ذلك من غير تحديد أو تصنيف أو انحياز للمرأة على حساب الرجل، وهناك نموذج أحدث تمثل في فيلم «الشقة من حق الزوجة» للمخرج عمر عبد العزيز، حيث أراد صُناعه أن يردوا به على الرسالة الضمنية لفيلم «أريد حلاً» الذي نجح في تغيير قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة فأثار حفيظة الجبهة المُدافعة عن حق الرجل فقدموا حيثيات تضامنهم المُطلق معه في حق المسكن بالطريقة الكوميدية التراجيدية التي رأيناها في الفيلم. وبرغم اختلاف الرؤى السينمائية إلا أن الجمهور تعامل مع الفيلمين بحيادية شديدة فنجح كلاهما بعيداً عن التصنيف والعصبية.
وهناك أفلام أخرى اقتربت بوضوح من مفهوم سينما المرأة من دون الإعلان الدعائي لمُناصرة المرأة ضد الرجل، فالموضوع كان هو الحُجة وليس المُسمى أو التعريف، ومن أمثلة ذلك مجموعة أفلام إيناس الدغيدي، «الباحثات عن الحرية» و«مُذكرات مُراهقة» و«لحم رخيص» فالأفلام الثلاثة ناقشت واقع المرأة من منظور نسائي بحت، وهو ما يعكس انحيازاً منطقياً من المرأة للمرأة، ولكن ليس بغرض إدانة الرجل بشكل شخصي، وإنما كان الهدف الرئيسي هو إدانة المجتمع ككل بمرجعياته وثقافاته وموروثاته الإنسانية التي ترى المخرجة أنها تحتاج للمُراجعة كي تتمكن المرأة من الحصول على حريتها بدون وصاية من وجهة نظرها.
أما العينات الأخرى من الأفلام والتي دخلت نفس الحيز فقد جاءت أهدأ نسبياً على مستوى الرسالة والمضمون ومُعطيات الفكرة ذاتها. ففي فيلم «أحلى الأوقات» عبرت المخرجة هالة خليل عن احتياج المرأة للاحتواء والحب والاستقرار بلا إدعاء أو مُزايدة في مسألة حرية المرأة وعبوديتها وانقيادها للرجل، فالإيقاع كان لائقاً بالجو الرومانسي للفيلم والأحداث، ومن ثم لم يحدث خلافاً من أي نوع على ما تم طرحه، بل قوبل الفيلم بترحاب جماهيري وحقق إيرادات قوية في شباك التذاكر.
ومن جانبه قدم المخرج محمد خان تفاصيل رومانسية بالغة الشجن والحساسية في فيلم «شقة مصر الجديدة» إذ اعتمد على المزج بين مفهوم الوفاء والولاء لدى البطلة غادة عادل طالبة المرحلة الثانوية تجاه أستاذتها التي ارتبطت بها نفسياً وإنسانياً وظلت تبحث عنها وتبادلها الرسائل عن بُعد بعد سفرها إلى القاهرة ومُغادرتها المدرسة القديمة في مدينة المنيا بصعيد مصر.
لقد ربط خان في الفيلم الذي كتبته وسام سليمان بين الوفاء كقيمة ثمينة وبين الحب العاطفي كقيمة أخرى مُضافة لرصيد الإنسان سواء كان رجلاً أو امرأة، فلا محل للتمييز في المشاعر التلقائية التي تُعبر عن النقاء والصفاء والروح التواقة لفعل الخير والنازعة للفضيلة. وهكذا ببساطة جاءت الرومانسية مؤكدة على حالة الوفاق والمودة بين الطرفين كأنها علاج لكل أمراض التعصب والنرجسية والعنصرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية