تونس ـ «القدس العربي»: يؤكد أخصائيو الصحة على أهمية الرضاعة الطبيعية بالنسبة للأم والطفل على حد سواء، وذلك بالنظر إلى فوائدها الصحية الجمة التي جعلت هؤلاء الأخصائيين يحثون عليها كلما سنحت الفرصة. فحليب الأم، وخلافا للحليب الصناعي المجفف، يمكّن من تلبية الاحتياجات الصحية للطفل في مرحلة النمو فيما يتعلق بالمغذيات والطاقة وتعزيز جهاز المناعة للحماية من العديد من أمراض الطفولة.
وأكّدت دراسات عديدة أن الأطفال الذين تمتعوا برضاعة طبيعية لديهم معدلات ذكاء أعلى من الآخرين وهم أكثر تفوقا في الدراسة مقارنة بغيرهم من الأطفال ممن لم يتمتعوا برضاعة طبيعية من ثدي الأم. ووفقا لهذه الدراسات يوفر حليب الأم كلَّ ما يحتاجه الرضيع في الأشهر الأولى من حياته، ونصف احتياجاته بين عمر 6 أشهر و12 شهرًا وثلث احتياجاته بين عمر 12 و24 شهرًا.
ومن جهة أخرى فإن الرضاعة الطبيعية تقي الأم من عدة أمراض منها سرطان الثدي والمبيض وهشاشة العظام، وغيابها له تداعيات سلبية على صحة الأم ويجعلها أكثر عرضة للإصابة بعدد من الأمراض. وبالتالي فإن الرضاعة الطبيعية ليست فقط غذاء للمواليد الجدد خلال مرحلة النشأة الأولى وإنما هي وقاية وصحة للطفل والأم معا ولذلك يحث عليها المختصون في المجال الصحي ويدفعون باتجاه إيلائها العناية التي تستحق.
تحت الخط الأحمر
ورغم أهمية الرضاعة الطبيعية إلا أن الأمهات في تونس لا يولينها الأولوية في خضم الحياة اليومية المعقدة، فالخضراء تُصنّف تحت الخط الأحمر في ما يتعلق بالرضاعة الطبيعية، إذ تفيد الإحصائيات الرسمية أن 17.8 في المئة فقط من التونسيات يرضعن أطفالهن إلى سن الـ 6 أشهر. وقد شهدت هذه النسبة المشار إليها تحسنا خلال الفترة المتراوحة بين سنتي 2018 و2024 حيث كانت تقدر سنة 2018 بـ13.5 في المئة لتصل إلى 17.8 في المئة سنة 2023 ولكنها بقيت ضعيفة رغم هذا التحسن.
وللإشارة فإن المعدل العالمي للرضاعة الطبيعية يقدر بـ 48 في المئة وهو ما يدل على الفارق الكبير ويدق ناقوس الخطر في تونس التي يجب أن تراجع تشريعاتها ونسق الحياة فيها لتصل إلى المعدلات العالمية الطبيعية. فالأمر على غاية من الخطورة خاصة وأن نسبة المواليد الذين لا يتم إرضاعهم رضاعة طبيعية خلال الساعة الأولى بعد الولادة 65.7 في المئة أي أكثر من 6 من كل 10 مواليد، و82 في المائة من المواليد لا يتمّ إرضاعهم رضاعة طبيعية خلال الـ6 أشهر الأولى بعد الولادة أي أكثر من 8 من كل 10 مواليد.
أسباب عديدة
تؤكد د. زهرة مراكشي طبيبة أطفال ورئيسة جمعية حنان للنهوض بالرضاعة الطبيعية لـ”القدس العربي” أن الجمعية تأسست عام 2018 من أجل دعم الرضاعة الطبيعية في تونس باعتبار أنها متدهورة جدا خاصة بمقارنتها مع الأرقام الموجودة عالميا. فلا تتجاوز نسبة الرضاعة 20 في المئة يعني امرأة على خمسة نساء تلجأ للرضاعة الطبيعية خلال الستة أشهر الأولى. وقالت إن أسباب التدهور متداخلة ومن جملة الأسباب عدم تفعيل القانون الذي يمنع الاشهار والتسويق العدواني لبدائل الحليب الأم. ودعت السلطات التونسية إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لتنقيح القانون الذي يحمي الرضاعة الطبيعية .
أما فيما يخص حملات التوعية بالرضاعة أجابت بالقول: “إن الجمعية أطلقت حملة لتشجيع الرضاعة الطبيعية بالتزامن مع اليوم العالمي للرضاعة الطبيعية”. وقالت إن الحملة موجهة للمجتمع ككل من أجل توعية الأسر بأهمية الرضاعة في حماية صحة الرضيع وأيضا تعد أقل عبئا اقتصاديا على الأسر. وأشارت إلى أن حملات الإشهار تؤثر على اختيار العائلات للحليب المصنّع على حساب الرضاعة الطبيعية الأكثر أمانا وافادة. وقالت إن المجتمع المدني يلعب دورا في الضغط على أصحاب القرار من أجل تطبيق القانون وتنقيحه من أجل تشجيع الرضاعة الطبيعية.
ودعت محدثتنا وزارة الصحة إلى الضغط من أجل تحسين القانون القديم ليواكب العصر. ولفتت إلى انه تم إحداث لجنة داخل الوزارة مكلفة بمراجعة الإطار القانوني لكنها لم تجتمع إلا مرتين.
والقانون المعني هو القانون عدد 83 -24 المؤرخ في 4 آذار/مارس 1983 المتعلق بمراقبة الجودة والتسويق والمعلومات حول استخدام بدائل حليب الأم والمنتجات ذات الصلة.
من جهة أخرى تقول الناشطة المدنية آمنة الشابي لـ”القدس العربي” إن “سبب انخفاض هذه النسبة يعود بالأساس إلى كثرة انشغالات المرأة في تونس، فهي تعمل في البيت وخارج البيت.
كما يلعب التسويق التجاري لبدائل الحليب الطبيعي على غرار الحليب المجفف دورا في إقتناع الأمهات بهذه البدائل والإقبال عليها رغم أنها لا تعوض الحليب الطبيعي رغم قيمتها الغذائية. حتى أن هناك من يذهب إلى ضرورة منع الومضات الإشهارية والإعلانات التي تروج لهذه البدائل ومحاسبة وسائل الإعلام التي تروج لها لأن ذلك يكون على حساب صحة الأم والطفل”.
حلول
ولمعالجة هذه المعضلة يبدو أنه لا مفر من تطوير التشريعات المتعلقة بعطلة الأمومة وساعات الرضاعة لدى النساء العاملات من أجل ضمان حق الأم المرضعة والطفل في الانتفاع من الرضاعة الطبيعية في أفضل الظروف. والعطلة الموصى بها تصل فترتها إلى 18 أسبوعا بالتمام والكمال في حين أنها في تونس أقل من 12 أسبوعا وهو رقم كارثي بكل ما للكلمة من معنى ويؤدي إلى ما لا يحمد عقباه بالنسبة للأم والطفل على حد سواء.
ومن الأهمية بمكان سنّ تشريعات تلزم المشغلين والمؤسسات العمومية والخاصة بعدم التضييق على الأمهات العاملات وذلك لمواصلة الرضاعة الطبيعية بعد انتهاء عطلة الأمومة. ويحتاج ذلك إلى إيجاد صيغة تكفل مصالح الجميع سواء المشغل الذي بحاجة إلى الإنتاج والمردودية الجيدة للمرأة العاملة، والأم وطفلها اللذين بحاجة إلى رضاعة طبيعية تحمي صحة الطرفين.
كما يرى البعض أنه لمعالجة تدني نسبة الرضاعة الطبيعية في تونس لا بد من توعية العائلات من أجل تمكين المرأة من إرضاع أطفالها وعدم إرهاقها بكثرة العمل في البيت وتفهم وضعها كمرضعة في تلك الفترة الحساسة من عمر الطفل. كما لا بد من نشر الوعي أيضا في صفوف الأسر بأهمية الرضاعة الطبيعية خاصة وأن الإحصائيات تؤكد على أن 30 في المئة من النساء فقط يعرفن فوائد الرضاعة الطبيعية.
كما يشدد المختصون والخبراء على أهمية التوعية في الأوساط الريفية، حيث المرأة العاملة في القطاع الفلاحي، بأهمية استخراج الحليب الطبيعي من الأم والحفاظ عليه ضروري وذلك كحل وسط يمكن أن يحفظ مصالح الجميع. ويمكن لهذا الحل أن يكون ناجعا أيضا للمرأة العاملة في المدن فهو من الحلول المطروحة لمشكلة انخفاض نسبة الرضاعة الطبيعية سواء من قبل وزارة الصحة أو منظمة الصحة العالمية أو منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”.
ايمان برهومي أستاذة تعليم اعدادي أكدت لـ”القدس العربي” بأن ظروف العمل الصعب جعلتها تضطر إلى اللجوء للرضاعة الاصطناعية وهذا ما أثر سلبا بحسب قولها على صحة رضيعتها التي باتت تعاني من الحساسة بسبب نقص المناعة. وقالت إن قصر عطلة الأمومة في تونس من الأسباب الرئيسية التي تنهك الأم العاملة وتجعلها تبعد عن الرضاعة الطبيعية بكل ما تحمله من دفء نفسي ومن مناعة للرضيع والطفل. وقالت إن هناك جيلا كاملا في تونس يتربى اليوم في الحضانات ولا يتمتع بالحد الأدنى بحقه في رضاعة طبيعية آمنة .
ضغط المجتمع المدني
يشار إلى ان المجتمع المدني يلعب دورا هاما في التوعية بأهمية الرضاعة الطبيعية. وبسبب ضغط عديد الجمعيات من بينها منظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان مكتب تونس، وجهود وزارة الصحة، صادق أعضاء مجلس نواب الشعب، على مشروع قانون يتعلّق بعطل الأمومة والأبوّة، في صيغته المعدّلة.
هذا القانون، مكّن من توحيد عطلة الأمومة في القطاعين العمومي والخاص بهدف ضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين كل الأمهات في مدة العطلة، وينصّ على إحداث عطلة ما قبل الولادة والترفيع في عطلة الولادة إلى ثلاثة أشهر إضافة إلى الترفيع في عطلة الأبوة وسحب عطلة ما بعد الولادة على القطاع الخاص والترفيع في راحة الرضاعة.
ويرى البعض ان هذا القانون الجديد قد يساهم في زيادة الإقبال على الرضاعة الطبيعية لدى العاملات في تونس بسبب العطلة التي يوفرها للأم لرعاية رضيعها.
وتؤكد مديرة مكتب تونس لمنظمة صحافيون من أجل حقوق الإنسان عهد جمعاوي لـ”القدس العربي” أن المنظمة أطلقت مشروعا تدريبيا للمجتمع المدني والصحافيين تحت اسم “الصحة الإنجابية والجنسية” وشمل تدريبات مختلف الأطراف المتداخلة فيما يتعلق بموضوع الصحة الإنجابية والجنسية. وقالت إن الهدف الأساسي هو تقديم دليل علمي للصحافيين لتغطية تحترم أخلاقيات المهنة لقضايا الصحة الإنجابية والجنسية. وأكدت “أن هذا النشاط سمح بتشبيك العلاقة بين الصحافيين والمجتمع المدني من أجل تغطية افضل لهذه القضايا وأيضا لإطلاق حملات مناصرة لفهم بعض المواضيع الحديثة والهدف منها هو توعية الجمهور بالنسبة للمواضيع الحساسة علميا وتقنيا”. وشمل النشاط أيضا دعم حملة الرضاعة الطبيعية حيث تم التعريف بجمعية حنان للنهوض بالرضاعة الطبيعية وبمختلف الأنشطة التي تقوم بها لتشجيع الرضاعة الطبيعية وآخرها المشاركة في الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية خلال الشهر الجاري.