«الرواية وخداع البضاعة»

قرأت مؤخرا رواية «المنور» للروائي البرتغالي ذائع الصيت ساراماغو، بعد أن أخرت قراءتها مرارا، ولم أدر لم فعلت ذلك. هل هو الحدس؟ لست أدري. بعد الفراغ منها تكونت لدي ملاحظتان لهما من المبررات ما يجعلهما قمينتين باتخاذهما حجتين لتبين تطور مسار المبدع من جهة، والاستغلال التجاري من جهة أخرى.
ـ الملاحظة الأولى: تتمثل في كون أي مبدع، روائيا كان أم غير روائي، لا يولد مكتملا، فلا بد من أن تصقله التجربة، ومن أن يخضع لسنة التطور التي تحكم الحياة برمتها. مبرر هذا القول كون الرواية المذكورة لم ترق أبدا إلى مستوى الروائية المطلوبة التي تخول لها الاندراج في خانة النصوص الجيدة. وهناك الكثير من الهنات في بنائها، يسمح لنا ببناء هذا الحكم. فهي رواية مضطربة البناء، ويكاد السرد فيها لا يمنح نفسه للكاتب طيعا سلسا، ويتبين هذا الأمر في عدم التحكم في الدقة المطلوبة في الانتقال بين لحظات السرد المختلفة، وفي بناء العالم، والافتقار إلى الإيقاع المميز لنقل أي غياب روائيا. هذا فضلا عن كون الجملة السردية لا تتمتع بالنضج الكافي؛ إذ تتبدى في هيئة عادية عارية من الاشتغال على تبرير تموضعها داخل النص.
إذا ما قورنت هذه الرواية بروايات ساراماغو الناضجة تبدو عملا بسيطا لا يختلف عن الأعمال التي ينجزها أي روائي مبتدئ يجرب إمكاناته في مجال الكتابة. ولهذا لا شيء يعيب على ساراماغو كتابتها، لأن فعله هذا يندرج في ما هو طبيعي، ويعد حقا مشروعا، فلا وجود لمبدع يولد كاملا. ولما بعث ساراماغو روايته هاته، وهو في الثلاثين من عمره، إلى إحدى دور النشر، لم تنشرها، ولم يتلق حتى إجابة بنعم أو لا. بيد أن الروائي تجاوز ألم تجاهل الدار له، ولم يصب بالإحباط، واستطاع أن يكون – بإصراره على الكتابة- أحد فرسان الرواية العالمية. نستخلص من حدث مثل هذا أمرين: أولهما، ألا نحكم على نصوص الشباب الأولى كونها دالة على ما ينفتح أمامهم من مستقبل. وأن الكتابة كالأشجار لا بد لها من نضج حتى يكون لها قطاف. وثانيهما، ألا يشعر المبدع الشاب بالإحباط من جراء هذا الموقف السلبي أو ذاك من نتاجه، فالمعول عليه في أي تجربة إبداعية هو المحاولة، وإعادة الكرة، والإصرار على البحث عن الذات، والإصغاء إلى نداء الزمن، فهو مفتوح على احتمالات التفوق كما هو مفتوح على احتمالات الإخفاق.
الملاحظة الثانية: تتمثل في النظرة التسليعية إلى المنتوج الأدبي، واستغلال أسماء الكتاب لما يتحولون إلى ماركة مسجلة لتحقيق الأرباح؛ فما يهم دور النشر هو بيع الاسم أكثر من نشر الثقافة الجيدة التي تنمي قدرات الفرد، ووعيه لذاته والعالم من حوله. لم يشأ ساراماغو أن تنشر روايته «المنور»، وهو حي. كانت له أسبابه المقنعة لموقفه هذا. لكن مديرة أعماله ساقت- في المقدمة التي وضعتها للرواية- أسبابا غير واضحة، وغير مقنعة لرفض الروائي نشر الرواية. وفي ظني أن الكاتب اتخذ قراره ذاك لأنه كان يدرك تواضعها قياسا إلى أعماله الناجحة، فإذا ما فعل كان سيسيء إلى سمعته الروائية، لكن حين صار في عداد الموتى، ارتفع المانع، فأقدمت مديرة أعماله على نشر الرواية، ولم تراع رغبته في ألا تنشر.
لم يكن مبرر النشر ماثلا في الرغبة في تمكين الباحثين والنقاد من جميع أعمال الكاتب، وهذا واضح من المقدمة التي تتصدر الرواية والتي تشيد فيها كاتبتها بالرواية، وتعدها أكثر من جيدة، بل تذهب إلى أبعد من ذلك بجعلها عملا يتضمن روايات الكاتب الناجحة في هيئة شتلات. إن ما يتخفى وراء الإساءة التي أُلحقت بالروائي من جراء نشر عمله المتواضع هذا هو الربح الذي يسيل له لعاب شركات النشر، وآليات التسويق التي تتخذ من اسم الكاتب- الماركة المسجلة طريقا لجيوب القراء بوصفهم مستهلكين لا يختلفون عن مستهلكي البضائع المادية في انخداعهم بالاسم الذي يمنح البضاعة المصداقية أكثر مما يفعل محتواها الحقيقي. ولهذا حين نُشر هذا العمل لم يكن الناشر يفكر في جودة محتواه، بقدر ما كان يفكر في الإغراء الذي يمارسه اسم ساراماغو على القراء، ولقد كنت واحدا منهم.

أديب وأكاديمي مغربي

عبد الرحيم جيران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية