بيروت- “القدس العربي”:
اكتسب اللقاء في الذكرى الـ33 لإبرام اتفاق الطائف أهمية لافتة، وأعاد استحضار الدور السعودي في لبنان واهتمام الرياض بالوضع اللبناني بعد انكفاء. وشارك في هذا اللقاء معظم القوى السياسية باستثناء حزب الله وهو انعقد بعد اسابيع قليلة على توجيه دعوة سويسريةٍ لممثلي قيادات لبنانية إلى الحوار لم يُكتب لها النجاح. ولفت موقف للسفير السعودي وليد البخاري ينفي فيه نقلاً عن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون اي نية أو طرح لتغيير اتفاق الطائف رواج أخبار عن إمكان وقوف فرنسا وراء دعوة بعض الأطرافَ اللبنانيين إلى طاولة حوارٍ للتداول في صيغة سياسية جديدة للنظام.
وجاء هذا اللقاء قبل ايام على جلسة خامسة لمجلس النواب لانتخاب رئيس الجمهورية من دون بروز أي بوادر ايجابية في ظل استمرار التجاذبات السياسية. وشكّلت تلبية رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية دعوة السفير السعودي مفاجأة، لكنه نفى في دردشة اعلامية أي ربط بين حضوره وبين موضوع ترشحه لرئاسة الجمهورية، وقال “طول عمرنا كنا مع الطائف ولم نكن يوماً خارجه ونحن جزء منه”، مضيفاً “لم نأت من اجل الرئاسة ولا من أجل أي أمر آخر”، نافياً أن يكون حضوره لعلاقته بحلفائه، سائلاً “هل حلفائي ضد الطائف؟ هم مثلي مع الطائف”.
“المنار”
غير أن قناة “المنار” الناطقة بلسان حزب الله وجّهت انتقاداً للدور السعودي في لبنان وللغيرة الزائدة على الطائف بسؤالها “من قال إن دستور َالطائف خرج َمن التداول ِكي يكثرَ اللاعبون التأكيد على حروفِه ومضامينه؟ ومن له الحقُ في ان يبني ممالك اوهامِه في ربوع لبنان السياسية فوق ما اتفق اللبنانيون انفسُهم على اعتباره ِباباً للخروج من حربهم الاهلية المشؤومة؟”. وقالت “أليس َمن يفعلُ ذلك هو نفسُه الذي كاد َفي عام 2017 ان يعيدَ لبنان إلى زمنِ الفتنة الشرسةِ باختطافه الرئيسَ سعد الحريري الذي كان يشغَل حينها موقع رئاسةِ الحكومة المرعي بوثيقةِ الوفاقِ الوطني؟”، مضيفة “ما يُقال اليوم إن الغَيرة المستجدة والزائدة على اتفاق ِالطائف ليست أقلَ من خديعةٍ لمصادرة ِارادة ِاللبنانيين في حل ِازماتِهم كما فعل نوابُهم قبل َثلاثة ٍوثلاثين َعاماً بالاتفاقِ على دستورِ ما بعد الحرب”.
واذا كان أبرز مرشحين للرئاسة حضرا اللقاء وهما رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية ورئيس “حركة الاستقلال” ميشال معوض، فإن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أكد رفضه انتخاب فرنجية وتمسكه بمعوض، في وقت يرى نجل فرنجية النائب طوني فرنجيه أن والده يمكنه الوصول إلى رقم 58 نائباً من دون التيار الوطني الحر واللقاء الديموقراطي، معتبراً أن “لا حظوظ لجبران باسيل في هذا الاستحقاق”، مستبعداً أن تصل الامور إلى حد طلب حزب الله من والده دعم ترشيح قائد الجيش العماد جوزف عون كما حصل مع انتخاب الرئيس ميشال عون.
وحملت الكلمات دعوة من مختلف المشاركين إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقال السفير السعودي “نعوّل على حكمة القادة اللبنانيين، ونعرف تطلعات الشعب الذي يسعى للعيش باستقرار. ونحن بأمس الحاجة إلى تجسيد صيغة العيش المشترك والحفاظ على هوية لبنان وعروبته”، محذّراً من أن “البديل عن الطائف لن يكون إلا المزيد من الذهاب نحو المجهول”.
وفي وقت غابت النائبة بهية الحريري وتمثّلت العائلة بشقيق الرئيس رفيق الحريري، فإن الرئيس فؤاد السنيورة لفت إلى “أن الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من التجربة تفيد بأن لبنان يقوم على قوة التوازن المستدام، الذي يحقق الاستقرار”. وقال “لا حل طائفياً أو فئوياً، بل هناك حل واحد فلبنان يقوم بالجميع أو لا يقوم، ويكون للجميع أو لا يكون”.
وأكد ممثل البطريرك الماروني المطران بولس مطر “أن المسيحيين والمسلمين أمّة واحدة في اتفاق الطائف، ونحن في لبنان أخوة بالوطنية والعروبة والإنسانية، فنرجو من اللبنانيين وضع خلافاتهم تحت سقف الأخوة وليس فوقها”.
جنبلاط وطريق الطائف
من ناحيته، استذكر جنبلاط المحطات السياسية والعسكرية التي سبقت الوصول إلى اتفاق الطائف، فأشار إلى أنه “سنة ١٩٨٨، تشكلّت اللجنة السداسيّة العربيّة وكان هدفها مساعدة لبنان على انتخاب رئيس، وخرجت بتوصية أن سوريا كانت وراء عرقلة الحل، هذا كان انطباعنا آنذاك، وفي آذار/مارس 1989 أطلق ميشال عون “حرب التحرير” المدمّرة التي أوصلت البلاد إلى درجة غير مسبوقة من الدمار والضحايا باستثناء القصف الإسرائيلي على بيروت الغربيّة سنة 1982 فكان القصف والقصف المتبادل طوال أشهر، معرباً عن ندمه لقصف مدفعية الحزب الاشتراكي مقر اللجنة الثلاثيّة العربية العليا التي كانت تضم الشيخ صباح الأحمد جابر الصباح والأمير سعود الفيصل والسيد الأخضر الابراهيمي في فندق البستان.
وكشف أنه في صيف 1989 “قررتُ أنه من الضروري القيام بعملٍ ما لتغيير مسار الأمور للخلاص من هذه المحنة، واستشرت القيادة السورية، بالتحديد العماد حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش العربي السوري آنذاك، إذ نبهني إلى أن جبهة سوق الغرب محصنّة وفيها أفضل ألوية الجيش اللبناني الموالية لعون. لكنني أصررت على المغامرة. وطلبت من المقدّم رجا حرب قائد جيش التحرير الشعبي آنذاك خوض المعركة ومحاولة الاستيلاء على سوق الغرب وعلى تلة ٨٨٨ الاستراتيجيّة، فكانت المعركة في 13 آب 1989 التي خاضها الحزب التقدمي الاشتراكي وجيش التحرير الشعبي وحيداً، وفي ذاك النهار المشهور والمشهود، كان نهاراً حافلاً بدويّ الراجمات والمدافع والرصاص منذ الخامسة فجراً حتى الرابعة بعد الظهر، موعد وقف إطلاق النار”.
واضاف “إذ لم يتحقق الهدف العسكري بالاستيلاء على تلة 888 وسوق الغرب، إلا أنه منذ تلك اللحظة، ساد الهدوء الكامل على كل الجبهات كافة وتوقفت المدافع عن القصف والقصف المضاد على كل المناطق”، معتبراً أن “هذه المعركة برأيي، بشكل أو بآخر، حرّكت التاريخ، وشهداء جيش التحرير الشعبي فتحوا طريق السلام، طريق “الطائف”.
وأشار جنبلاط إلى أنه “في بنود “الطائف” المتعددة التي لم تُطبّق، ورد إنشاء مجلس الشيوخ”، وسأل “من أين أتت هذه الفكرة؟ ورد هذا المطلب من بين مطالب عديدة أخرى في المذكرة التي رفعتها الهيئة العليا للطائفة الدرزيّة إلى المسؤولين والرئيس أمين الجميّل في أيار/مايو 1983. وكانت الهيئة العليا تضم الأمير مجيد أرسلان، سماحة شيخ عقل الدروز الشيخ محمد أبو شقرا والعبد الفقير وليد جنبلاط”، لكنه أوضح “أننا اصطدمنا مع النظام السوري الذي رفض بشكل قاطع مجلس الشيوخ، وكان سبب الرفض حينها أن النظام السوري لم يكن يريد إعطاء دروز لبنان امتيازاً إضافياً قد ينعكس على دروز جبل العرب”، وقال “إنها الحساسيات التاريخية أو الهوس التاريخي للنظام السوري من تضحيات جبل العرب بدءًا من ثورة الاستقلال السوري سنة 1925 -1927 إلى الأمس القريب”.
البطريرك الراعي
ووسط هذه الأجواء، أكد البطريرك الراعي العائد من البحرين أن “لا أولوية على أولوية انتخاب رئيس الجمهورية. وليدرك ذلك المسؤولون وكل دولة تعتبر نفسها صديقة لبنان. فلبنان ليس شركة تجارية يعاد تعويمها، بل هو وطن يعاد بناؤه وطنياً على أساس الإيمان والولاء. نقول ذلك لأن البعض يعتقد أنه مع تأخر انتخاب الرئيس يمكن القيام بمشاريع، وكأن انتخاب الرئيس أصبح أمراً ثانوياً”. ورأى أنه “مع غياب رئيس الجمهورية، وهو المعني بعلاقات لبنان الخارجية والمعاهدات، يتعذر الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أو أن تنفذ إصلاحات وتتخذ إجراءات على صعيد القضاء والإدارة وتقرير المصير، أو أن يحصل تشريع خارج الضرورات القصوى، أو أن تؤلف حكومة”. وسأل “ما قيمة كل هذه المقترحات في غياب رئيس جديد للجمهورية؟ لا، لا، ليس رئيس الجمهورية لزوم ما لا يلزم، وليس حاجب الجمهورية، بل هو حاكم الجمهورية والمشرف على انتظام عمل مؤسساتها”.
وتوجّه الراعي إلى النواب: “تريدون لبنان كياناً واحداً؟ انتخبوا رئيساً للجمهورية. تريدون دولة لبنان الحديث؟ انتخبوا رئيساً للجمهورية. تريدون استمرار صيغة الشراكة الوطنية؟ انتخبوا رئيساً للجمهورية. تريدون لبنان أن يلعب دوره التاريخي والمستقبلي؟ انتخبوا رئيساً للجمهورية. وأنتم أيها المسؤولون عن حصول الشغور الرئاسي، والمسؤولون اليوم عن انتخاب رئيس جديد، فلمَ تتأخرون وتسوّفون وتتهرّبون وتعطلون؟ ولمَ تحجمون وتتريثون وتتقاعسون؟ ربما لا تملكون حرية القرار، فما قيمة نيابتكم؟ وإذا كنتم أحراراً في قراراتكم، فجريمة ألا تفرجوا عن قراركم الحر، وتنتخبوا رئيساً جديداً حراً. ثم ما قيمة تمثيلكم للشعب، إذا لم يكن على رأس الجمهورية رئيس؟”.