السوداني وجهاً لوجه أمام الائتلاف الحاكم: هل ينجح في اختراق بوابة المحاصصة أم سيرضخ لضغط الأحزاب المتنفّذة؟

مشرق ريسان
حجم الخط
0

التوجّه الجديد لرئيس الحكومة يطرح عدّة تساؤلات بشأن إمكانية إطلاق الأحزاب يد السوداني في إجراء التعديلات الحكومية حسب رؤيته، ومدى استعدادها التخلي عن مكتسباتها في الحكومة الجديدة.

بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي يصرّ فيه رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، على إجراء تعديل وزاري في كابينته الحكومية، يطال وزراء ومحافظين ومسؤولين رفيعي المستوى، برزت شكوك بشأن قدرته على اختراق بوابة «المحاصصة» التي تستند إليها جميع القوى السياسية المنضوية في ائتلاف «إدارة الدولة» الحاكم في العراق، والمعتمدة في تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ 2003.

وتشكّلت الحكومة الاتحادية الحالية، بمشاركة ودعم جميع الأحزاب (شيعية، سنّية، كردية) التي تقاسمت المناصب وفقاً للاستحقاقات الانتخابية، واتفاقات انتهت بمصادقة البرلمان في 27 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، على حكومة السوداني.
التوجّه الجديد لرئيس الحكومة يطرح عدّة تساؤلات بشأن إمكانية إطلاق الأحزاب يد السوداني في إجراء «التعديلات الحكومية» حسب رؤيته، ومدى استعدادها التخلي عن مكتسباتها في الحكومة الجديدة.
وفي 21 تشرين الأول/أكتوبر 2022 فوّض «الإطار التنسيقي» الشيعي- أبرز الداعمين للسوداني- رئيسَ الوزراء «المكلف حينها» الاختيار بين الأسماء المرشحة للحقائب الوزارية من الكتل النيابية أو اقتراح مرشحين جدد، باستثناء وزارتي الدفاع والداخلية التي اشترط «الإطار» منحها لشخصيات مستقلة من داخل الوزارتين.
وفي بيان أصدره «الإطار» حينه، جرى تفويض السوداني بـ«تدوير الوزارات بين المكونات أو داخل نفس المكون».
وعلى هذا الأساس، حدّد السوداني، وفي كانون الأول/ديسمبر الماضي، مهلة (3-6) أشهر لتقييم الوزراء والمسؤولين في حكومته، وبيان مدى التزامهم في تنفيذ بنود المنهاج الحكومي.
وفي 18 نيسان/أبريل الجاري، خرج رئيس الوزراء العراقي بتصريح خلال لقاء مع مجموعة من الصحافيين، قال فيه: «وضعنا 6 أشهر لتقييم حقيقي وفق معايير مهنية، وفي ضوئه يتحدد بقاء الوزير في الحكومة من عدمه، ومنحنا مهلة 3 أشهر، وهي كافية للمديرين العامين وأدائهم، وكافية أن يعرف الوزير أدواته وتقييم أدائهم».
وذكر أيضاً أن «بعض الشركاء (الكتل السياسية) يعتقد أن الشراكة تعني أن رئيس الوزراء لا يتخذ قراراً وفق صلاحياته إلا بمشورة ومشاركة القوى السياسية الموجودة في الائتلاف، وهذا غير صحيح، لأن هناك صلاحيات حصرية والحفاظ عليها جزء من الإصلاح السياسي».
الباحث السياسي، محمد علي الحكيم، رأى أن «من المستحيل» أن يتم تعديل وزاري من دون الرجوع إلى الكتل والأحزاب وإرضاء الزعماء السياسيين، معتبراً في الوقت عينه أن رئيس الوزراء «مُكبل ومقيد ومسير وليس مخيراً».
الحكيم أفاد لـ«القدس العربي»، أن «السوداني يحاول التخلص من الضغوط السياسية التي تعرقل إجراء تعديل كابينته الوزارية، لذلك ألزم نفسه بمبدأ التقييم الذي أورده في برنامجه الحكومي، والقاضي بتقييم أداء الوزراء خلال أول ستة أشهر، لكن الرجل من المستحيل أن يتمكن من تحقيق ذلك».
وأشار الباحث العراقي إلى وجود «خلافات بين الكتل السياسية والسوداني» مستنداً في ذلك إلى تصريح لرئيس الوزراء قال فيه «من يرفض فليرفض» في إشارة إلى المعترضين على التعديل الحكومي المرتقب.
وفي الأسبوع الماضي، تحدث السوداني عبر لقاء تلفزيوني لإحدى القنوات المحلية عن التعديل الوزاري المرتقب قائلاً: «التغيير الوزاري لا يخضع للرغبة والمزاج. لن أجامل زعيماً أو حزباً، وعندما تكون هناك مؤشرات على وزير ما، فسأقدم إلى البرلمان طلب إعفائه، ومن يرفض فليرفض».
وطبقاً لمعلومات الحكيم، فإن «هناك بعض الوزراء قدموا (للسوداني) ثلاثة (سيّر ذاتية) لمرشح واحد، أي بمعنى فُرضوا فرضاً على رئيس الوزراء» لافتاً في الوقت عينه إلى أن جميع أعضاء الكابينة الوزارية لحكومة السوداني «عبارة عن محاصصة بين القوى والأحزاب السياسية».
ورجّح الباحث السياسي العراقي «فشل الحكومة الحالية» عازياً السبب في ذلك إلى أنها «لم تختلف عن الحكومات السابقة منذ عام 2003 ولحد اليوم. والرجل (السوداني) أصبح ضحية الصراعات السياسية بين القوى والقراء السياسيين» حسب قوله.
وأضاف: «الاستبدال والتغيير لن يؤتي ثماره إذا كان الاختيار الجديد من قبل نفس الأحزاب التي تتمسك بحصتها الوزارية» لافتاً إلى إن «هناك 11 وزيراً منذ عام 2003 ولحد اليوم ليست لديهم شهادة متوسطة، والذي رشحه الحزب والكتلة السياسية، لذلك حسب المعطيات بعيداً عن الأمنيات، لا نجاح يلوح في الأفق».
ورجّح الحكيم نشوء ما أسماها «مواجهة كُبرى» بين السوداني وزعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، وأطراف أخرى داخل «الإطار» بسبب «استبدل بعض الوزراء» ملمّحاً إلى احتمالية وقوع «صِدام سياسي وشيك بين السوداني مع أغلب الكتل التي رشحته لمنصب رئاسة الوزراء».
وطبقاً للمصدر ذاته فإن «نهاية المواجهة والخلافات داخل ائتلاف إدارة الدولة، هو تفكيك الإطار وكذلك تفكيك ائتلاف إدارة الدولة، قبيل الانتخابات المحلية» المزمع إجراؤها في وقت لاحق من نهاية هذا العام.
ومضى يقول: «تم إبلاغ ائتلاف إدارة الدولة بالتغيير الوزاري المرتقب، لكن تبقى كلمة الفصل بيد الإطار وقياداته بالتحديد، والكتل الأخرى المنظومة في ائتلاف إدارة الدولة».
وأوضح أن «السوداني يتمسك بأجراء تعديل على حكومته في ظل عدم رضاه على أداء عدد من الوزراء، لكن تبقى بعض قوى الإطار وقوى أخرى في ائتلاف إدارة الدولة ترى ضرورة عدم الاستعجال» داعياً في الوقت عيّنه رئيس الوزراء إلى الإتيان «بوزراء جُدد» لكنه تساءل عن مدى إمكانية تقييم السوداني لوزراء حكومته «في حين هذا واجب البرلمان أن يقيّم أداء الحكومة، وكذلك يشرع القوانين. إذن حينما يقيّم السوداني أداء الوزراء ويطالب باستبدالهم، فهذا يعني سحب إحدى صلاحيات البرلمان (…) وهذا مخالف للدستور».
لكن في مقابل ذلك، يرى الخبير القانوني العراقي، سالم حواس، أن المادة 78 من الدستور العراقي تنص على أن «رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب».
وأضاف حواس في بيان صحافي أصدره نهاية الأسبوع الماضي تعليقاً على التعديلات الوزارية المرتقبة، أن «تصميم رئيس مجلس الوزراء محمد السوداني على إجراء التغيير الوزاري في الوقت المناسب، مرهون بموافقة مجلس النواب عند ذهابه للبرلمان وطلبه إعفاء الوزير المقصر، ولذلك ومن يريد أن يرفض سيكون مسؤولاً أمام الشعب تاريخياً وسياسياً».
ومضى يقول: «صحيح أن الدستور نصوصه مطلقة، والمطلق يجري على إطلاقه لكن المشكلة التي ستواجهه هي القوى والأحزاب السياسية التي ما زالت متمسكة بالمحاصصة، ولذلك لا ضير ولا مانع من ان يتم استبدال ذلك الوزير أو الوكيل أو المدير العام من نفس المكون والكتلة، ولكن بمهني آخر أفضل حتى لا يكون استهدافاً سياسياً أو طائفياً من جهة؛ وطالما لا توجد خطوط حمراء في موضوعة مكافحة الفساد من جهة أخرى».
ولم يستبعد الحكيم أن «تعرقل ضغوط الإطار التنسيقي والقوى الأخرى التعديل الوزاري المرتقب» مجدداً تأكيده بأن «لا نجاح يلوح في الأفق إلا أن ينقلب السوداني على جميع الأحزاب والكتل السياسية، ويقلب الطاولة على الجميع ويحتمي بالشعب والمرجعية».
وبشأن التقارير الصحافية التي تتحدث عن وقوف جهات خارجية-السفيرة الأمريكية على وجّه التحديد- خلف إجراء تغيير وزاري في حكومة السوداني، تحدّث الباحث العراقي قائلاً: «بالطبع هناك تسريبات تشير أن التغيير الوزاري أن حصل ستتدخل فيه السفيرة الأمريكية. لديها رأي قوي ومسوع» لافتاً إلى أن «هناك بعض الوزراء عليهم مؤشرات أمريكية، منهم وزير التعليم العالي نعيم العبودي، ووزير العمل احمد الاسدي، لذلك السفيرة الأمريكية اجتمعت بأغلب الوزراء باستثناء الوزراء التابعين للفصائل».
وطبقاً للحكيم فإن «السفيرة الأمريكية الآن لاعب رئيسي في العراق، واجتمعت نحو 56 مرة بالسياسيين والمسؤولين العراقيين، وكانت حصة السوداني منها 12 مرة، وحصة وزير الدفاع 3 مرات، وكذلك وزير النفط 3 مرات، وأغلب الوزراء» مؤكداً أن «أي تغيير وزاري من دون إرضاء الكتل السياسية وكذلك إرضاء العامل الإقليمي والدولي يحتاج إلى معجزة إلهية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية