تونس-“القدس العربي”: تعاني ديمقراطية تونس الناشئة من معضلة حقيقية تتمثل في هشاشة الأحزاب السياسية التي تعتبر أعمدة الممارسة الديمقراطية وأساسها بالنظر إلى انها انعكاس لتنوع الأفكار والنظريات التي ترى كل فئة في المجتمع التقت في حزب أن توجهاتها هي الكفيلة بتطوير البلد في المجالات كافة. ولعل المشترك بين أغلب الأحزاب التونسية أنها تحظى بثقة الناخب التونسي خلال الاستحقاقات الانتخابية لكنها لا تصمد وسرعان ما تتفكك إلى حزبيات صغيرة أو تندثر تماما لتحل محلها أخرى، وهو ما أربك المشهد السياسي في البلاد منذ الثورة.
وتأتي استقالة 11 نائبا من كتلة حزب قلب تونس في البرلمان في هذا الإطار ولتؤكد أن التفكك هو السمة الأساسية للأحزاب التونسية إذا تم استثناء حركة النهضة التي تعتبر حزبا عقائديا له خصوصياته التي تميزه عن الأحزاب التقليدية. وحزب قلب تونس كان قد أسسه المرشح الرئاسي السابق نبيل القروي واعتبره البعض شقا من شقوق حزب نداء تونس باعتبار انتماء مؤسسه وبعض أعضائه سابقا إلى النداء الذي ارتبط بالرئيس الراحل الباجي قايد السبسي، وحلّ قلب تونس في المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة وكان من المتوقع أن يكون الأول وفقا لاستطلاعات الرأي لولا أنه تم تتبع مؤسسه ورئيسه نبيل القروي قضائيا وإيداعه السجن قبيل الاستحقاق الانتخابي.
غياب الحوكمة والتسيير
وخلافا لما حصل بعد انتخابات 2011 و2014 حيث تحالف الحزب الأول مع الحزب الثاني وشكلا الحكومة مع أحزاب أخرى، تم استبعاد حزب قلب تونس من التشكيلة الحكومية من قبل رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي لم يفز حزبه بأي مقعد في الانتخابات الأخيرة. وخسرت الحكومة بعدم ضمها لحزب قلب تونس حزاما سياسيا داعما مهما وهو ما جعلها وفي أول اختبار غير قادرة على تمرير مشروع قانون متعلق بالمبادلات التجارية في الإطار الافريقي.
في المقابل فإنه يبدو أن عددا من نواب حزب قلب تونس لم يستسيغوا وجودهم في المعارضة ولم يغفروا لنبيل القروي دفعه لهم في وقت سابق لعدم التصويت للتشكيلة الحكومية التي قدمها المكلف السابق بتشكيل الحكومة الحبيب الجملي الذي يبدو أنه أرضاهم واستجاب لطلباتهم. وقد اعتبر أحد النواب المستقيلين من كتلة قلب تونس البرلمانية أن سبب الاستقالة يعود في الأساس إلى “غياب الحوكمة والتسيير داخل الحزب وعدم الرضا عن آليات اتخاذ القرار. وكذلك إلى رفض المواقف السياسية لحزب قلب تونس من الحكومة ورئاسة الجمهورية ورفضا لعلاقته بالأطراف السياسية الأخرى إضافة إلى رفض منهجية وشكل المعارضة التي يجب أن تكون بناءة لا هدامة” على حد تعبير هذا النائب.
صراع الشقوق
وللإشارة فإن العادة جرت في تونس بأن الأحزاب التي تندثر أو تتفكك هي الأحزاب التي تحكم أو تشارك في الحكم على غرار أحزاب نداء تونس والتكتل والمؤتمر وآفاق تونس والاتحاد الوطني الحر، والتي رأى البعض أن تحالفها مع حركة النهضة هو الذي جعلها تتشقق أو تختفي من المشهد تماما وتفقد جمهورها المعارض لتوجهات الحركة. لكن حزب قلب تونس بدأ يتصدع وهو في المعارضة ولم يمارس الحكم وذلك على غرار الجبهة الشعبية التي تشكلت سابقا من أهم الأحزاب اليسارية والقومية التونسية ومثلت رقما صعبا في المشهد التونسي خلال المرحلة الماضية لكنها اختفت من المشهد البرلماني مع انتخابات 2019.
وتؤكد أطراف من داخل حزب قلب تونس على أن الاستقالات ليست نهائية وأن النواب المستقيلين سيعودون إلى الحزب وإلى كتلته النيابية بعد أن تتم الاستجابة لطلباتهم. فيما يؤكد آخرون على أن الاستقالات داخل الكتلة نهائية ولا رجعة فيها وأن المستقيلين باتجاه تشكيل كتلة انتخابية جديدة من دون الانضمام إلى إحدى الكتل البرلمانية الأخرى. وتذهب تحليلات أخرى باتجاه التأكيد عن أن النائب عن حزب مشروع تونس (أحد شقوق حزب نداء تونس) حسونة الناصفي يقف وراء هذه الاستقالات ولديه رغبة في توسعة حجم كتلته النيابية للعب دور أبرز خلال الفترة المقبلة وبالتالي فإن الأمر لا يعدو أن يكون سوى مواصلة لصراعات شقوق حزب نداء تونس الذي اندثر أو يكاد بعد وفاة مؤسسه الباجي قايد السبسي.
السياحة البرلمانية
يشار إلى أن ما يسمى بالسياحة البرلمانية للنواب، أي تنقلهم بين الكتل النيابية، مثل معضلة بكل ما للكلمة من معنى في الساحة السياسية التونسية، فالناخب يمنح صوته لقائمة حزبية رغبة في منح الأغلبية لهذا الحزب أو ذاك لكن سرعان ما يتنكر النائب بعد فوزه لإرادة ناخبه ويغير الولاء. وقد تم تقديم مشروع قانون في وقت سابق يمنع هذه السياحة البرلمانية لكن بعض الأحزاب عملت على عرقلة هذا المنع باعتبارها المستفيدة منها وذلك في غياب أي رادع أخلاقي لهذه الأطراف.
ويبدو أن إحياء مشروع قانون منع السياحة البرلمانية بات اليوم ضرورة ملحة وذلك لترشيد الحياة السياسية التونسية ولتكريس الاستقرار في المشهد البرلماني حتى يفهم كل طرف ما له وما عليه ويدرك حجمه الحقيقي، وحتى يشعر الناخب أيضا أن من صوت لهم احترموا إرادته وحققوا رغبته. فبعد خمس سنوات من إقرار دستور الجمهورية الثانية باتت مساوئ النظام السياسي التونسي تبرز إلى العيان من خلال الممارسة وباتت عديد الآليات ضرورية لتنظيم الحياة الديمقراطية.