بين الشواطئ الرملية الناعمة المشمسة على جانبي البحر الأحمر شرقا وغربا، تجري تيارات المياه الهادئة، وهي تحتضن الشعاب المرجانية الممتدة، ومستوطنات الدلافين، والسلاحف البحرية والقواقع وعشرات الأنواع من الأحياء البحرية والأسماك النادرة. وإلى الشرق والغرب والشمال من شواطئ البحر الأحمر تطل على الحاضر رموز الديانات من أماكن العبادات المقدسة والآثار التاريخية منذ فجر تاريخ البشرية، فهل توجد في العالم كله أماكن تشتهي النفس زيارتها أكثر من تلك؟
ورغم سحر كنوزها فإن قدرة منطقة شمال البحر الأحمر على جذب السياحة من كل أنحاء العالم ما تزال أقل بكثير من الإمكانات والموارد المتاحة. ففي العام 2019 الذي سبق انتشار جائحة كورونا، بلغ نصيب مصر والسعودية والأردن وإسرائيل من السياحة العالمية حوالي 37.1 مليون سائح (مصر 13.6 مليون والسعودية 13.6 مليون والأردن 5.4 مليون وإسرائيل 4.5 مليون) وهو ما يقل عن نصف عدد السائحين الذين زاروا فرنسا في العام نفسه، وبنسبة 2.5 في المئة من إجمالي عدد السائحين في العالم. ومن حيث الدخل بلغ نصيب الدول الأربع المطلة على شمال البحر الأحمر 53.5 مليار دولار بنسبة 3.6 في المئة من إجمالي الدخل السياحي العالمي.
وبسبب جائحة كورونا فإن السياحة انهارت خلال العامين الماضيين، وخسرت ما يتراوح بين 75 إلى 90 في المئة من ايراداتها السنوية، وهو ما ترك آثارا كارثية على العاملين في القطاع، الذي يسهم بما يقرب من عشرة في المئة من الناتج المحلي للدول الأربع، ويرتفع نصيبه إلى ما يقرب من 20 في المئة من الناتج المحلي للأردن. ومع ظهور بشائر الانتعاش الاقتصادي في كل أنحاء العالم تقريبا فإن قطاع السياحة يتأهب للعودة إلى العمل من جديد بطاقة تشغيل عالية، وربما يصل في العام 2023 إلى المستوى الذي كان عليه في عام 2019 أو أكثر. لكن إعادة تشغيل قطاع السياحة بعد جائحة كورونا يستلزم العمل على زيادة الاستثمارات، وإعادة تأهيل المرافق والمنشآت السياحية، مثل أساطيل النقل الجوي للركاب، والفنادق، والبواخر السياحية، والأهم من ذلك تعزيز التعاون الإقليمي بين دول المنطقة، وتطوير بنية سياحية إقليمية تجعل المنطقة أهم مناطق الجذب السياحي العالمي عن استحقاق.
نهضة سياحية كبرى
يترافق إعادة تشغيل قطاع السياحة في دول شمال الأحمر بعد جائحة كورونا مع تنفيذ خطط طموحة لتطوير ذلك القطاع في كل من السعودية ومصر والأردن. كما يرتبط أيضا بزيادة هائلة في الوعي بخطورة قضايا البيئة وضرورة المحافظة على سلامتها. وقد ظهر ذلك واضحا في قرار الحكومة الإسرائيلية بتجميد مشروع إنشاء محطة لتفريغ وشحن النفط في ميناء ايلات بالمشاركة مع الإمارات، بعد أن تقدمت جماعات حماية البيئة بدعوى قضائية ضد المشروع، وحكم فيها القضاء لصالح المدعين، بعد أن فشلت الشركة الإسرائيلية – الإماراتية في تقديم ضمانات بعدم حدوث تلوث في الميناء وفي مسار خط الأنابيب، الذي كان يتم التخطيط لمده إلى ميناء عسقلان. ومن المهم هنا التأكيد على أن سلامة البيئة لا تعترف بالحدود السياسية بين الدول، ولا بالعلاقات المتبادلة فيما بينها. ففي شمال البحر الأحمر إذا حدث تلوث في إسرائيل فإنه سيصيب المنتجعات السياحية المصرية بالضرر، كما أنه سيصيب أيضا الخطط الطموحة لتطوير السياحة في السعودية والأردن. ويعتبر التعاون في المحافظة على البيئة شرطا أساسيا من شروط التنمية السياحية في منطقة شمال البحر الأحمر.
ويمثل مشروع نيوم الذي قدرت السعودية تكلفته بنحو 500 مليار دولار أكبر مشاريع التنمية في شمال البحر الأحمر. ومع تبلور ملامحه، وارتفاع نسبة التنفيذ في المشروعات المختلفة، خصوصا تلك التي تقوم بها شركة البحر الأحمر، من مرافق وتجهيزات سياحية على أحدث المستويات العالمية تشمل مطارا وميناء للسفن السياحية واليخوت، والفنادق، والحدائق المائية وأماكن الترفيه والتسلية على الجزر السعودية المنتشرة قبالة نيوم، والمحميات الطبيعية للشعاب المرجانية والأسماك والأحياء المائية المختلفة، فإن منطقة شمال البحر الأحمر ستصبح وجهة سياحية لجذب ما يمكن أن نطلق عليه «سياحة النخبة» ذات القيمة المضافة العالية. ويقابل نيوم على الجانب الآخر من البحر الأحمر عند خليج السويس مشروعا ضخما تقوم مصر بتنفيذه، وهو مشروع مدينة الجلالة التي ترتفع عن سطح البحر بحوالي 700 متر، وتتميز باطلالة مباشرة على البحر، ويتم تنفيذ المرافق والمنشآت السياحية فيها بنظام مدن الجيل الرابع أو المدن الذكية. وطبقا للمخطط الذي يتم تنفيذه فسوف تتمتع المدينة بمستوى رفيع للخدمات ووسائل الراحة والترفيه، إضافة إلى اتصالها بالبحر عن طريق تلفريك بانحدار 700 متر من الجبل إلى الشاطئ، وممشى سياحي بطول كورنيش المدينة الذي يمتد لعدة كيلومترات. وفي أقصى الشمال الشرقي عند مدخل خليج العقبة، أصدر الملك عبد الله الثاني توجيهات إلى حكومته لتطوير المرافق السياحية الرئيسية في المثلث الذهبي الممتد من خليج العقبة إلى بتراء إلى وادي رم، وكذلك تطوير مناطق البحر الميت واربد وعمان وغيرها، على اعتبار أن السياحة تمثل واحدا من أهم مصادر الدخل للأردن. أما في إسرائيل فقد تم إنشاء مطار جديد (مطار رامون) شمال مدينة ايلات تكلف ما يقرب من 500 مليون دولار، لاستقبال الرحلات الدولية. وقد بدأ تشغيل المطار فعلا على الرغم من جائحة كورونا، حيث استطاع في العام الماضي أن يستقبل حوالي مليون مسافر، كما يجري ايضا تطوير المناطق السياحية على شاطئ بحيرة طبرية، وعلى شواطئ إيلات وتل أبيب وفي القدس الغربية.
التعاون المشترك
وهكذا فإن الدول الأربع المطلة على شمال البحر الأحمر سوف تجد نفسها أمام واقع جديد عن تشغيل القطاع السياحي بعد جائحة كورونا. السعودية من ناحيتها تستهدف جذب ما يصل إلى 100 مليون سائح طبقا لرؤية 2030 كما أن مصر يمكنها بسهولة ان تضاعف عدد السائحين في خمس سنوات، وذلك على أساس معدل نمو السياحة في العام 2019 الذي بلغ 21 في المئة. وفي السياق نفسه فإن كلا من الأردن وإسرائيل من الممكن لهما مضاعفة عدد السائحين في حال استتباب الأمن والاستقرار في أنحاء تلك المنطقة من العالم. وبصرف النظر عن مدى إمكان تحقيق الرقم المستهدف للسياحة السعودية، فلا شك أن فتح نطاق جديد للتنمية السياحية في المشروعات ذات القيمة المضافة العالية وما يمكن أن نطلق عليه «سياحة النخبة» سيساعد على زيادة الدخل السياحي بنسبة أكبر من معدل نمو عدد السائحين. ومع ذلك فإن الاهتمام بالسياحة الشعبية الرخيصة نسبيا لا يجب أن يتوقف، مع تجنب إهدار إمكانية الحصول على عائدات أفضل بحسن إدارة خدمات المنشآت والمرافق القائمة فعلا، خصوصا في أماكن مثل الغردقة وشرم الشيخ تتمتع بشهرة عالمية وشعبية واسعة في كل أنحاء العالم.
وإذا أخذنا في الاعتبار مشروعات التنمية السياحية الأكثر تقدما التي يتم تنفيذها، والبعد البيئي الجديد المتمثل في التعاون المشترك للمحافظة على الأحياء المائية في البحر الأحمر، فإن تشغيل القطاع السياحي بعد جائحة كورونا يحتاج إلى مجهود مشترك لإعادة إطلاق السياحية الإقليمية وترويجها على المستوى العالمي بوجه جديد وملامح مختلفة عما سبق. على سبيل المثال فإن خطة التنمية السياحية في السعودية تتضمن تشغيل سفن سياحية بين ميناءي جدة ونيوم، وتشمل زيارة بعض الجزر المقابلة للشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، وفي الوقت نفسه فإن مصر تقوم فعلا بتنظيم رحلات بحرية بين شرم الشيخ وطابا ودهب ورأس محمد، فلماذا لا تطلق مصر والسعودية برامج رحلات سياحية مشتركة في تلك الأماكن، أو لماذا لا يتم الاتفاق على إصدار تذاكر زيارة موحدة تشمل مدنا وأماكن للزيارة على الجانبين وبالمشاركة مع الأردن؟ وإذا كانت كل من السعودية ومصر تقومان بإنشاء موانئ لليخوت والرحلات البحرية فلماذا لا تتفق الدولتان مع الأردن أيضا، على تبادل زيارات اليخوت، كمقدمة لتصميم مسابقات ومهرجانات لليخوت والقوارب الشراعية، جنبا إلى جنب مع تصميم برامج مشتركة لمهرجانات للرياضات المائية يتم ترويجها في كل أنحاء العالم؟ كذلك فإن التعاون المشترك بين الأطراف المختلفة في المنطقة يمكن أن يعزز جهود الترويج في أسواق الجذب السياحي في الخارج.
وفي حال الاتفاق على برامج للزيارات والرحلات السياحية المشتركة، وإقامة مسابقات ومهرجانات للألعاب الرياضية المائية، فإن دول شمال البحر الأحمر ستجد نفسها في حاجة إلى تطوير مرافق سياحية وبنية أساسية إقليمية مشتركة، لتعزيز خدمات الطيران وحركة السفن، وشبكات الطرق والاتصالات، بحيث يجد السائح أمامه متسعا من الحرية لتمضية النهار على ساحل البحر في نيوم، وقضاء السهرة في دهب أو طابا أو شرم الشيخ أو الجلالة، والسفر إلى العقبة أو بترا في الأردن، أو البحر الميت لتمضية يوم أو أكثر، وقبل أن يغادر المنطقة يستمتع بقضاء ليلة مع الدلافين في مرسى علم في جنوب البحر الأحمر. إن وجود بنية إقليمية ومرافق سياحية مشتركة عالية الكفاءة يمثل واحدا من أهم عوامل الجذب التي يمكن أن تساعد السائحين على اكتشاف عمق واتساع نطاق التنوع البيئي والحضاري في هذه المنطقة من العالم المليئة بالكنوز والأسرار التي قل أن يوجد مثيل لها في أي منطقة في العالم.