السيسي وأزمة خاشقجي: كلهم باعوك يا حمادة!

حجم الخط
10

قالت العرب؛ العاربة والمستعربة، في وصف حالة مشابهة لموقف أهل الحكم في السعودية من إعلام الموالاة: «جاءوا يساعدوه في حفر قبر أبيه، فأخذ الفأس وغادر». وهو وصف جرى استدعاؤه بتصرف!
فعندما وقعت جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في مقر القنصلية السعودية في اسطنبول، تصرفت السلطة في مصر على قاعدة: «جود بالموجود»، فضربت يدها في جيبها فلم تعثر فيها سوى على أحمد موسى، فكانت هذه قسمتها في ما تملك، لأنها لا تملك ولاية على عمرو أديب، الذي يعمل في القناة السعودية «أم بي سي مصر»، وكفيله هو كفيل السيسي نفسه وهو خالد الذكر «طال عمره»!
منذ قديم الأزل، وما يربط آل أديب بالمملكة العربية السعودية، أكبر مما يربطهم بحاكم القاهرة، وكانت بداية العلاقة على يد المؤسس عماد أديب، وقد بنيت العلاقة في الأصل على حساب أزمة السادات مع الإعلام الخارجي، وهذه قصة لا يتسع المجال لذكرها!
في تركيزنا على الحدث الكبير، لم يكن لدي الوقت الكافي لممارسة ترف الذهاب إلى قناة المخابرات «دي أم سي» لنتعرف على أدائها إزاء حادث مقتل الصحافي خاشقجي، فالمتاح عبر الـ»سيوشيال ميديا» لا يُنبئ بأن القناة كان لها موقف من القضية، فيبدو أنها تجاهلتها، كما تجاهلتها جريدة «المصري اليوم» في عهدها الجديد، في الأيام الأولى، فلم تتطرق لها بالخير أو بالشر، فعلى ما يبدو أن قسمة أهل الحكم في مصر هو أن يكتفوا بأحمد موسى، فحتى توفيق عكاشة، الذي عاد منزوع الدسم، لم يكلف بدور في هذه العملية، لكن أحمد موسى زايد على جميع القنوات السعودية، فوقف على خط النار، حيث استقام أكثر مما ينبغي، فهناك أمر يخصه عندما يقف هذا الموقف، الذي تجاوز فيه قناة «العربية» و»سكاي نيوز عربية»، وهو أنه عومل وهو يؤدي فريضة الحاج، كما رؤساء الدول، إذا فتحت له مواقع في الحرم الشريف لا تُفتح سوى لكبار الزوار، وفي أيام شهدت مكة ريحاً صرر عاتية، تعرت بسببها الكعبة المشرفة، وقال أهل الذكر إن تعريتها مقدمة لزوال الملك، فقلت: «من أفواهكم لباب السماء»!
كان أداء أحمد موسى متجاوزاً للحد الفاصل بين العقل والجنون، فقد اتهم قطر بأنها من قامت باغتيال خاشقجي، وذلك بعد أن كان قد تماهى مع رواية أنه على قيد الحياة، وفي وقت لاحق اتهم أردوغان رأساً بأنه من قام باغتيال خاشقجي، وذات حلقة تلبسته حالة «المفكر الاستراتيجي محمود إبراهيم» بعد مرحلة البلوغ، وتساءل بعقلية «الخبير الناضج» خاشعاً بما يتفق وجلال اللحظة الراهنة، ما الذي يتم ضد المنطقة؟ وما الذي يتم ضد المملكة العربية السعودية؟ فقناة «الجزيرة»، التي تبث من قطر، تضع سيناريو لمقتل خاشقجي، وكأن قطر وتركيا تعلمان تفاصيل ما جرى تماماً، وبشكل لا يستطيعه السينارست ومؤلف الدراما «وحيد حامد».
شد المذكور مئزره، وهو يصر على موقفه، الذي يتلخص مرة في أن قطر من قتلت خاشقجي، ومرة أن «أردوغان» هو من فعلها، ومرة ثالثة في أن عملية الاغتيال قامت بها تركيا وقطر معا، وفي مرة سابقة كان القول الفصل هو أن جمال خاشقجي حي يرزق، وأن أردوغان يخفيه، من أجل ضرب المملكة.
والحال كذلك فإذا بالسعودية تعلن عن مقتل جمال خاشقجي في قنصليتها، وبعد روايات «بوجي وطمطم في رمضان»، عن أن القتل تم بالخطأ، فهناك صراخ عالجه أحد الجناة بأن وضع يده على فمه فقطع النفس فمات، وباعتبار صاحبنا يتنفس من فمه وليس من أنفه، واضطرت المملكة بعد ذلك للاعتراف الرسمي بأن عملية القتل تمت مع سبق الاصرار والترصد، وبنية مبيتة!
وهو أداء يذكرنا بأداء مبارك في أيام الثورة، حيث كان التنازل يتم بالقطعة، قبل أن يضطر في النهاية لأن يغادر الحكم غير مأسوف عليه، وليس هذا هو الموضوع!
فأهل الحكم في السعودية، باعوا من اندفعوا للدفاع عنهم منذ الرواية الأولى التي تقول إن خاشقجي غادر القنصلية بعد ثلث ساعة من تسلمه «الورقة» التي بمقتضاها سيتمكن من الزواج القانوني من «خديجة جنكيز». اتضح أن محمد الغيطي هو من قال إن جدها هو «جنكيز خان»، والذي من الواضح أن بينه وبين المصريين مشاكل قديمة على الميراث!
لم يراع حكام السعودية الوضعية النفسية للإعلاميين، الذين وقفوا بجانبهم ورددوا الرواية التي تصلح للأطفال قبل النوم، ففي اللحظة التي أعلنوا فيها مقتل جمال خاشقجي على يد ضباط تابعين للسلطة السعودية وفي القنصلية، كان الناس يستاءلون عن موقف هؤلاء، ومن غير الإعلاميين أيضاً، وقد وصل دفاعهم حد أنهم أضحكوا الثكالي، كما «الغشيم» في «أبو ظبي»، الذي تبني اللقطة الفكاهية لـ«جو» على «تلفزيون العربي»، في خروج «خاشقجي» من القنصلية، بعد أن أنهى مهمته في سلام!
ذات اللقطة المنتشرة، التي ترصد دخول «خاشقجي» للقنصلية، أعاد صاحب البرنامج الساخر «جوتيوب» إخراجها في الاتجاه المعاكس، ساخراً من الرواية السعودية التي تقول إن صاحبنا خرج من القنصلية، وكان من اعتمد المقطع الساخر على أنه حقيقة هو من يجري تقديمه على أنه شيخ مشايخ الأجهزة الأمنية في العالم العربي، وعندئذ أيقنت أن بلادنا ليست محمية بشرطة أو أمن، ولكنها محمية ببركة أولياء الله الصالحين، الذين دفنوا فيها. وهذه أكبر عقلية أمنية في المنطقة تروج للفكاهة على أنها حقيقة!
بالتأكيد فلو أن الأمن المصري تدخل في العملية، لأذاع بالصوت والصورة اعترافات لجمال خاشقجي، بأنه خرج من القنصلية، ولا تقل كيف هذا وقد ثبت أن صاحبنا قد قتل بالفعل، فالقوم عندنا بارعون في الحصول على الاعترافات من الموتى أيضاً!
بعد هذا «الأداء المسخرة» جاء الاعتراف السعودي، ليضعهم في موقف لا يحسدون عليه، بل وأخذ بعداً آخرا، فولي العهد أشاد بعلاقة بلاده بتركيا، وبدا في حديثه عن أن هناك من يسعون إلى إحداث شرخ في العلاقة، كمن يتحدث عن هؤلاء الذين يتهمون تركيا بسعيها لتدمير المملكة.
وإذا كان الاتهام لقطر بأنها من قامت بقتل خاشقجي لإحراج السعودية، فولي العهد أشاد بها (رغم الخلاف) كما أشاد باقتصادها القوي، لاحظ أن هذا اعتراف بفشل الحصار، ولاحظ كذلك أنه يتناقض مع تصريحات سابقة مستهينة بالدوحة. فهل هي رسالة للسيسي أيضاً؟!
لقد جاءوا يساعدونه في حفر قبر أبيه فأخذ الفأس ورحل.

الموقف المصري

تكلم عمرو أديب فلم نعرف من يتكلم؟! عمرو أديب المصري، أم المتماهي منذ النشأة والتكوين مع القرار السعودي وباعتباره الآن يعمل في قناة سعودية، بعد أن أعاده «طال عمره» إلى الإعلام السعودي، الذي بدأ عمله فيه، وباعتبار أن جحا أولى بلحم ثوره!
قال أديب عندما يتم تقييم المواقف، فسوف يعرف السعوديون من هم أصحاب المواقف المحترمة الذين وقفوا معهم، وأثنى على الدور المصري ووصفه بـ «المحترم»، ولا نعرف إن كان هذا الإعلان امتداداً لتصريح لولي العهد السعودي، الذي دغدغ به المشاعر الجياشة للروس، وناقشته «الجزيرة» مع خبراء مختلفين، فلم يستطيعوا فهم مدلوله؟ أم أن هذا التصريح ليؤكد به تطابق الموقفين، فكان في حكم من يوفق رأسين في الحلال؟!
في الحقيقة أن السيسي تصرف على طريقة «يا موت منك لصاحبك»، وبعيداً عن أداء الشبيح أحمد موسى، فلا موقف مصري يعتد به، ففي الأيام الأولى، تجاهل أهل الحكم في مصر الأمر، وبعد ثمانية عشر يوماً صدر بيان من الخارجية المصرية متوازناً، ومحايداً، وموضوعياً، يمكن أن يصدر من الأمم المتحدة، عن التحقيقات وتثمين قيام النائب العام السعودي بها، وبعد يومين، أو ثلاث، صدر بيان باهت من الرئاسة روعي صدوره والسيسي خارج البلاد، وكل ما طلب به هو عدم تسييس القضية. وكأنها قضية سير!
لم يعرب السيسي عن انحيازه للأشقاء في المملكة عندما تكلم في موسكو، ومع البشير، وفي داخل مصر، وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه أن يكون في المملكة للمشاركة في مؤتمر قاطعه العالم وليعلن انحيازه للسعودية، زار السودان!
وقد نسي وعده عن «مسافة السكة» إذا تعرض الخليج للخطر، وهو أمر لا بد من أن يُذكر في المقابل بالموقف التركي- القطري، الذي كان امتثالاً لوعد «مسافة السكة»، فعندما تعرضت قطر لخطر الغزو السعودي- الاماراتي، جاءت القوات التركية للدوحة سريعاً، وعندما تعرضت تركيا لأزمة مالية بسبب تدخلات خارجية، كانت واشنطن حاضرة فيها، كان أمير قطر في اليوم التالي في تركيا.
والمتابع المدقق، سيدرك على الفور، أن مصر السيسي نأت بنفسها عن الموضوع فلم تكن طرفاً فيه على أي مستوى، فعندما أذاعت قنوات «العربية» و»الحدث» و»سكاي نيوز عربية» خطاب أردوغان، تجاهلته القنوات المصرية جميعها، ومن الواضح أن إذاعة القنوات هذه له كان بعد تطمنيات وتفاهمات سعودية – تركية، لم تكن مصر طرفاً فيها، ولو عن طريق قيام أهل الحكم في السعودية بالتواصل مع حليفهم في القاهرة، هل سيظل حليفاً لهم؟!
يبدو أن الأيام المقبلة قد تحمل عماد أديب أن يختار، إما أن يكون «سيساوياً»، أو «سلمانيا» نسبة إلى «طال عمره حمادة بن سلمان».
كلهم باعوك يا ريتشارد، أقصد يا حمادة!

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية