يوهانز برامز
بأربع سيمفونيات فقط، استطاع الموسيقار الألماني يوهانز برامز أن يخلق لاسمه مكانة رفيعة، بين أسماء مؤلفي السيمفونيات في العالم. تلك الأسماء التي تأتي كلها في الترتيب بعد بيتهوفن، سيّد هذا القالب الموسيقي والمتربع فوق عرشه بلا منازع. وهناك من يرى أن برامز يستحق أن يُذكر بعد بيتهوفن مباشرة في هذا الميدان، كما استطاع برامز أيضاً من خلال جميع مؤلفاته الموسيقية، في أشكالها وقوالبها المتعددة، كالكونشرتو والسوناتا، والليدر والافتتاحية والسيرينادا، أن يكون أحد العباقرة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية بشكل عام. ويشتهر برامز بلقب «الباء العظيمة الثالثة» أي أنه الموسيقار العظيم الثالث، الذي يبدأ اسمه بحرف الباء بعد كل من باخ وبيتهوفن. وقد وُلد برامز بعد موت بيتهوفن بسنوات قليلة، وكان من المعاصرين لتشايكوفسكي في الحقبة الرومانتيكية.
السيمفونية الثالثة هي أقصر سيمفونيات برامز، يستغرق عزفها 35 دقيقة تقريباً، لكن المستمع لا يشعر بذلك القصر الزمني، نظراً لثرائها الشديد. فهي غنية بجمالها الأخاذ، ووراء هذا الجمال يوجد الكثير من التفاصيل، والتقنيات الموسيقية المعقدة التي تدل على عبقرية برامز. ويميز السيمفونية الثالثة ارتباطها بجانب شخصي من حياة الموسيقار الأعزب، وشعاره Frei aber Froh الذي يعبر عن حريته وفكاكه من أي ارتباط عاطفي أو اجتماعي، ورضاه التام عن هذا الحال الذي لا بأس به. فبرامز لم يتزوج مدى حياته، لكنه أحب كلارا شومان زوجة صديقه وأستاذه وداعمه الأكبر الموسيقي الألماني روبرت شومان. الذي تعهده بالرعاية، واستضافه في بيته لسنوات، وبسبب وقوعه في غرام زوجة أستاذه، غادر برامز منزل شومان.
لا تعتمد السيمفونية الثالثة لبرامز على موضوع محدد، كالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن مثلاً، التي تصور صراع الإنسان مع القدر، لكنها من خلال حركاتها الأربع، تعبر عن حالات شعورية مختلفة قد يمر بها المرء في اليوم الواحد، فأحياناً يحب وحدته التي تمنحه الشعور بالحرية المطلقة، والقوة في مواجهة الحياة، والاستمتاع بها والتناغم الكبير معها.
ويقال إن شومان تألم لافتراقه عن تلميذه الحبيب، الذي كان يؤمن بعبقريته ويتنبأ له بمستقبل واعد، فهو لم يكن يعلم السبب الحقيقي وراء رحيل برامز، ثم ساءت حالة شومان كثيراً، بفعل مرضه النفسي الذي كان يعذبه أشد العذاب. وبعد موته طلب برامز يد كلارا أرملة شومان للزواج، لكنها رفضت ولم تتزوج أبداً بعد زوجها الذي أحبته منذ طفولتها، وآثرت أن تعمل عازفة بيانو من أجل رعاية أبنائها السبعة. وكانت كلارا شومان مؤلفة موسيقية أيضاً، ولها بعض القطع الجديرة بالاهتمام، وهي من الأسماء النسائية النادرة في ميدان الموسيقى الكلاسيكية. هذه إذن قصة الحب البارزة في حياة يوهانز برامز، إلا أنه لم يكن راهباً متعبداً في محراب كلارا شومان، أو أسيراً لحب من طرف واحد طوال عمره. فهناك أسماء لعشيقات أخريات، وعلاقات امتدت معهن لوقت طال أو قصر.
لا تعتمد السيمفونية الثالثة لبرامز على موضوع محدد، كالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن مثلاً، التي تصور صراع الإنسان مع القدر، لكنها من خلال حركاتها الأربع، تعبر عن حالات شعورية مختلفة قد يمر بها المرء في اليوم الواحد، فأحياناً يحب وحدته التي تمنحه الشعور بالحرية المطلقة، والقوة في مواجهة الحياة، والاستمتاع بها والتناغم الكبير معها. وفي أحيان أخرى قد يشعر بالاحتياج إلى الحب، ويعصف بوجدانه حنين إلى حبيب يود لو كان بقربه، ثم يتمرد على ذلك الضعف وتلك المشاعر، ويعود إلى قوته وحريته من جديد. كان برامز بارعاً في الأوركستراسيون الخاص بهذه السيمفونية، والأوركسترا التي تعزفها ليست ضخمة للغاية ولا قليلة، بل هي متوسطة تميل إلى الاكتمال. اعتمد فيها على الآلات الأساسية، ولم يذهب إلى الغريب نادر الوجود في مثل هذه الأعمال، فيجد المستمع الوتريات الكاملة، من كمان وفيولا وتشيللو وكنترباص، والتيمباني فقط من الآلات الإيقاعية. والترومبون والترومبيت والبوق الفرنسي من مجموعة الهوائيات النحاسية، والكلارينيت والفلوت والأوبوا والباصون والكونترباصون من الهوائيات الخشبية، التي تلعب دورا كبيراً في هذه السيمفونية، بأصواتها العاطفية ودرجاتها المختلفة. كما أن للكلارينيت الذي كان يهواه برامز، انفرادات متعددة تجعل منه بطلاً لبعض الوقت، حيث جعله الموسيقار يقوم بالانتقالات اللحنية المهمة، وقول أرق الجمل الموسيقية وأعذبها، وكذلك اعتنى بحواراته البديعة مع الوتريات. وكان للبوق الفرنسي انفرادات رائعة أيضاً، بما لصوته من قدرة على التعبير عن القوة والضعف، أو الحزن والمرح نزولاً وصعوداً. أما الوتريات فكانت هي الأساس بالطبع، وقد أرهقها برامز بجهد كانت تبذله طوال الوقت تقريباً، في الأجزاء البطيئة والسريعة المتصاعدة، باستخدام أسلوب العزف بالقوس على الأوتار، أو بالنبر عليها بواسطة أصابع اليد.

تمثال برامزفي مدينة فيينا
ألّف برامز هذه السيمفونية عام 1883 وهناك من يقرن موسيقاه عموماً بموسيقى روبرت شومان، ويبحث عن آثارها، وكذلك يبحث عن ملامح تأثره ببيتهوفن. وبالفعل قد يجد المستمع للسيمفونية الثالثة لبرامز، لحظات قليلة تُذكّره بصرامة بيتهوفن الكلاسيكية، وبعض اللمسات الشاعرية التي تُذكّره برهافة تشايكوفسكي الرومانتيكية، لكن برامز يستحق أن يُسمع كبرامز، بصوته الحقيقي الخالص، مع الإصغاء جيداً إلى ما يريد أن يقوله موسيقياً، واكتشاف مدى تفرده. كان برامز رومانتيكياً، ويُعد من أعظم أسماء الحقبة الرومانتيكية، لكن يشعر المرء أحياناً بأن الموسيقار كان يتطلع إلى الحقبة الكلاسيكية بإعجاب بالغ، وإلى بيتهوفن تحديداً. وربما كان هذا سر الجانب الكلاسيكي الصارم في موسيقاه، وكان سبباً أيضاً في أنه لم يؤلف الكثير من السيمفونيات، وكان يستغرق وقتاً طويلاً في تأليفها، ويجعل بين السيمفونية والأخرى بعض السنوات. والسيمفونية عموماً من أصعب القوالب الموسيقية وأعقدها، ويمكن تشبيهها بالمسرحية، وتشبيه حركاتها الأربع عادة، والخمس أحياناً بفصول المسرحية. ويكون لكل آلة من الآلات الموسيقية دور تلعبه، بينما يدور الحوار ويتصل بين جميع الآلات. ولا يخلو الأمر أحياناً من وجود الصراع والعقدة الدرامية، أما الثيمات والذروات الموسيقية، فتكون كالمشاهد الرئيسية المهمة في المسرحية. هذا ما يقع في نفس المتلقي أحياناً، سواء كانت للسيمفونية فكرة معروفة أتت من خيال مؤلفها، أو إنها مستوحاة من عمل أدبي مثلاً، كقصيدة مطولة أو أسطورة من الأساطير القديمة، أو كانت تعبيراً موسيقياً عن مشاعر غامضة كامنة في أعماق الموسيقار.
أثناء الاستماع إلى السيمفونية الثالثة لبرامز، يكون جميلاً متابعة فن البناء الموسيقي لديه، وكيفية تطور اللحن، والانتقالات النغمية، والانطلاق من نغمات قليلة إلى شيء هائل أكبر وأضخم. وكذلك الاستمتاع بالثيمات الرائعة حقاً في هذا العمل، حيث احتوت كل حركة من الحركات على أكثر من ثيمة، تتكرر بتنويعات مختلفة، تمنح المزيد من الدفقات العاطفية.
وكذلك ابتداء الحركة وإنهائها يعد فناً من فنون برامز، بالإضافة إلى جمال الهارموني وانسيابية الألحان، وذلك الاتصال الدائم الذي يشعر به المستمع، حتى في لحظات الصمت بين الحركات. تبدأ الحركة الأولى قوية بثيمتها الرئيسية المكونة من ثلاث جمل موسيقية، تعزفها الوتريات والفلوت مع لمسات من البوق الفرنسي، ثم يعزف الكلارينيت منفردا بثيمة ميلودية لطيفة، تمثل الجانب الغنائي من الموسيقى، ويتطور اللحن بانتقالات ناعمة، وبروز لأصوات الآلات الأخرى كالتيمباني، ودخول البوق الفرنسي مع الأوبوا، وتنتهي الحركة الأولى بعزف الثيمة الرئيسية مرة أخرى ببطء شديد حتى تخفت تماماً. وتوحي الحركة الثانية بتصوير مناظر الطبيعة والتناغم معها، وهي معتدلة في مشاعرها إلى حد ما، وشديدة الرقي. أما الحركة الثالثة التي تبدأ في الدقيقة الحادية والعشرين تقريباً، فهي من أجمل حركات السيمفونية وأشهرها، ومن أجمل وأشهر الألحان التي ألفها برامز بشكل عام. وتُعرف باسم Poco Allegretto وتميزها ثيمتها الرئيسية الخلابة، التي تتكون من ثلاث جمل موسيقية أيضاً، ومن الجملة الثالثة تنطلق أنغام وألحان أخرى تعبر عن الكثير من المشاعر. الثيمة حزينة إلى حد ما وشاعرية، تعبر عن حنين عميق ورغبات كثيرة، وتوق أبدي إلى حبيب بعيد، فمن يستمع إلى هذه الثيمة سيشعر على الأرجح، بأنها لا تعبر عن شيء سوى الحب. وتعتمد الحركة الثالثة على الوتريات والهوائيات الخشبية بشكل كبير، حيث تعزف الجملة الأولى من الثيمة ثم الثانية، وبعد ذلك تمتد الجملة الثالثة لتنويعات أخرى. ويكون ممتعاً ذلك التدرج الصوتي الرائع، عندما يقوم البوق الفرنسي بعزف الثيمة منفرداً وتتبعه الأوبوا، وتستمر المتعة مع الحركة الثالثة إلى أن تنتهي بنغمة طويلة ممتدة. ثم تأتي الحركة الرابعة سريعة بتلاحق الوتريات والتصاعدات الصوتية، وتنتهي بامتدادات بطيئة متقطعة. وبعد الإصغاء إلى هذه السيمفونية، يجد المستمع أن الجمال في موسيقى برامز ليس جمالاً عابراً، فهو يقيم في النفي حتى بعد الانتهاء من سماع ألحانه، وهو من أدق الموسيقيين وأصدقهم في التعبير عن المشاعر، وتضفي ألوانه القاتمة المزيد من الجاذبية على موسيقاه.
كاتبة مصرية