بعد طول الغيبة، برامج للترحم على الشاب حسني تعود بذكرى بلبل الراي حسني شقرون، الملقب بالشاب حسني، الذي اغتيل في 29 سبتمبر/أيلول 1994.
غادر حسني الحياة والخشبة في عمر مبكر، 26 سنة، قبل أن تتفتح أكمام الربيع، سقط ذات خريف كورقة استسلمت للموت، بعد معاناة الصمود بالحنجرة وبالتفاف جمهور كان ينافس به جمهور الأحزاب، التي خرجت من قمقمها في كل الاتجاهات. رصاصة وأدت رومانسية شباب تلك الفترة، نعاه البسطاء، والأحياء الشعبية وفتيات الأزقة الصغيرة الملتوية، اللواتي كن يتتبعن أنفاسه، وكأنه يغوص في مشاعرهن ومشاعر ذلك الجمهور، الذي كان يعيش في متاهات ومفترق طرق صعب، بل في منحدر خطير. كان هناك من يظن أن جذوة الرومانسية الشعبية انطفأت، لكنها ما زالت تسري وتلتهب مشافهة من جيل حسني من الأمهات إلى جيل الفتيات اللواتي جئن بعد طول غيبة حسني.
الترحم الرسمي على حسني هذه المرّة ليس ككل المرات، حصص وبرامج مع فنانين ومع ذويه، للإشادة به كفنان وانسان. الله يرحمه بدأ مبكرا وأكمل مشواره مبكرا. شهادة مؤثرة للشيخة الزهوانية. الله يرحمه ويرحم أمة محمد كلام الزهوانية. من قال إنّ صاحبة بودربالة (كناية على الصوفي عبد القادر الجيلاني) أي كلام.
لم يحتف بحسني مثل هذه المرة، يبدو الأمر للمتتبّع للشأن الفني غريبا نوعا ما، هو الذي توفي منذ أكثر من عشرين سنة، لم يلحظ المشاهد أو لم ينتبه ربما لمثل هذه الاشادة هذا العام.
على القناة الأرضية
ما زال حسني يسمع مدة 24 عاما تحبه الناس كان يغني حكايات واقعية حدثت وصلت لقلوب الناس، فكان إذا أراد شاب أن يخطب فتاة أو يطلب الود منها يرسل لها شريط كاسيت حسني. لامس شغاف قلوب الملايين… تواضعه هو سر حب الجماهير، بالرغم من مسيرته القصيرة. حسني ظاهرة لن تتكرر والأغنية لا تتقادم. بتيشرت عليه صورة حسني مكتوب عليه «ما ننساك ياغالي» على صدر المغني الصاعد حسين نجمة. حسني خويا شحال نبغوك. بالدمعة نتفكروك. هكذا تذكره محبوه الجدد، الذين هم في تزايد.
تبقى دائما برامج الأرضية البرامج المثالية لتحسين الصورة أو لابقائها ناصعة البياض، دون الخوض في الأعراض. صحيح حسني كان يعبر صراحة عن مشاكله الخاصة، التي قد تكون مشاكل الكثيرين. وكان مخلصا لوطنه حتى مات فيه. المذيعة تسأل بنوع من اللامبالاة تقريبا، بالرغم من فصاحة ضيوفها من محبي حسني والردّ بأكثر من مجرد سؤالها. بكل الشغف بفن المرحوم وجوانبه الانسانية.
وقد كانت قناة الباهية مع الاعلامي معمر الحبيب، وحصريا قد كشفت مع ملوكة زوجة المرحوم عن أشياء أرض أرض مع أسئلة أرض أرض، عن حياتها الخاصة مع المرحوم. «بغاني بغيته زوجتو وزوجني»، وعن الخصومات حول تركة المرحوم وايرادات ألبوماته، وعن النميمة الاجتماعية كونها تكبره تجربة، لأنها كانت أرملة…الخ من القضايا التي أثيرت فور وفاته؟
حسني واحد ممن حملوا ونقلوا رومانسية الشارع إلى المنصات وصاغها بصوته الشجي ليرددها الآلاف. وها هو النواح الإعلامي المسيّس بالعويل حتى يزداد دعم ملف الراي في اليونيسكو الذي ينتظر 2019، حتى يمرّ مرور الكرام، ويتمّ الاعتراف الموعود لتزيين إحدى الواجهات المعتمة، واجهة الشباب الذي أرهقته قوارب الحرقة، البطالة والتهميش.
كذلك كان للفنان المغربي زهير لبهاوي الدور الحيوي في تعزيز تذكر حسني وإبراز نعومة طافية في مكان ما من أغانيه استرجعها في أحياء قمبيطة الرمزية. هكذا يعبر الشباب ويتبنون بعضهم البعض بعيدا عمن يحاولون خلق توترات فنية وحدود على الابداع. ما المشكلة مع الراي إذا كانت تقاليد إعادة الأغاني القديمة وإعادة توزيعها ثقافة شديدة الرواج. وسامة صوت حسني ووسامة شكل زهير لبهاوي تخلق نمطا جديدا تعلق به الشباب، اثنان في واحد، أو أكثر.
ترحمت الجماهير على حسني في ظروف أليمة، وها هو الترحم بالجملة على من يغادرون فجأة في أحداث مؤسفة، من لا حنجرة ولا صوت يمكنه أن يحس بوجودهم وبلوعتهم. كثر الهم الغمّ وساءت أحوال الأفئدة والطقس والطرقات.
الكل يشهد على أنّ هناك تفاوتا في الاحتفاء بالفنانين، تحكم ذلك العديد من الأسباب والدوافع، وأن الرأي العام يتشكل وفق تقديرات سلطوية مختلفة، فيخلق العبقري ويصنع صناعة، وقد يهمش عبقري حقيقي ويعتم الاعلام عليه. والتكريمات المتكررة لنفس الأشخاص خير دليل.
إلى متى… إلى متى؟
برنامج إلى متى… أسئلة الأمراض الاجتماعية مزمنة.
إلى أن يبحّ صوت المذيعة على قناة «تونس» الأولى، وهي تتوجه بأسئلتها لوزير التربية والتعليم. التربية والتعليم شوكة في حلوق الأولياء، لا تلين ولا تذوب بل تتحول إلى قلق دائم، حول الاكتظاظ بالأقسام، غياب المرافق في المدارس، عطش التلاميذ وانعدام الماء الصالح للشراب. غلاء أسعار اللوازم المدرسية، اضرابات النقابات وانقطاعات الدراسة، انحراف المحيط المدرسي. كل شيء ليس على ما يرام.
إلى متى نبقى غير مستعدين كلية لاستقبال موسم دراسي، دون مطبات ومشاكل وعراقيل، مئة بالمئة؟ مشاكل متكررة في بلداننا العربية، أسئلة لكل المقاسات. مرارة النظام التربوي في بلداننا تنخر للعظم، عمود المجتمع تصدّع وتكلست فقراته ونشف نخاعه… حتى ظهور الأطفال الصغار أصابها خرف عظام الكبار وهم يحملون أثقالا لا تطيقها الدواب المخصصة للأحمال والأسفار. في كل مرة يناقشون قضية تخفيف المحافظ، موت يا حمار، انحناءات تبدو على قامة التلاميذ الصغار، فعلا إلى متى كل هذا. إلى متى يبقى الوضع التربوي مزريا يزداد عاما بعد عام.
مستر غولد بمقاييس الرجولة الجزائرية
أكيد سيتعجب المشاهد الجزائري لسماعه خبر وصول مسابقات ذكور على الجمال في طبعتها الأولى في الشهر المنصرم في وهران… الفيضانات وصلتنا بالجملة وفي كل المجالات… الزين يالزين… فحتى فكرة ملكات الجمال الجزائري فكرة جد ناشئة، فما بالنا بعرض جمال الرجال، فما هي المقاييس التي جعلت محمدي عمر بن البويرة يفوز ولائيا ثم وطنيا؟ وماذا كانت تعاليق الفيسبوكيين حول الظاهرة؟
يجيب على السؤال، أنّ الجمال ليس الفيزيقي فقط، بل الجمال الروحي والمعنوي والمستوى الفكري…الخ هي المقاييس التي تجعل ملك الزين يمثل الجزائر في نهاية المطاف. الله يرحم المثل الذي كان يقول «الزين ما بنى دار على النساء، الزين لا يبني البيوت، والزين زين الفعايل»، يعني الأفعال، أصبحنا نبحث عنه بالشمعدان للرجال. فعلا يقول المشاهد البسيط الذي غرق في وحل الفيضانات والديون لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد يقول آخر، إنها علامة من علامات آخر الزمان. لكن قد يدخل هذا البهجة على جيل بأكمله تشبع باستهلاك الوجوه والقدود والملامح لحد التخمة. للأمانة فإنه لكل جيل أيقونة جماله، التي تجتمع حولها الأفئدة وتشرأب لها الأعناق وتجحظ لها العيون. أيقونات لا يحسب لها جمالها الحسي فقط، بل الموهبة أيا كانت غنائية أو تمثيلية أو أدبية. لكن العرض كبير ومغر وإن لم تكن أهدافه صنع قيمة تصقل أجيالا بأكملها، لكن قد تكون مجرد موجة تتكسر برعة على صخور الشاطئ، إعصار في كف يد، حمى عابرة، هكذا يتفاعل جيل اليوم ويصنع رموزه بمساعدة رمزية مجانية جدا بفضل اليوتوب والانستغرام.
ملك جمال يختار من طرف الرعاة الرسميين للمسابقة وليس من أهل الاختصاص. ثم ما هي المشاريع الإنسانية التي سيقوم بها جميل الجزائر للبلاد والعباد، سؤال سأله الصحافي مقدم الحصة الثقافية، المتزن الملم بجوانب قضاياه التي يطرحها على ضيوفه، أيضا بكل احترام يترك المجال لهم للتعبير، وليس كبعض المقدمين طواحين الكلام. كل المشاريع الانسانية لم يفكر فيها الرعاة، أرجو أن لا يكونوا رعاة بقر، بل رعاة لمشاريع البشر والاسهامات بالقليل بهذا المجتمع، الذي يحتاج لكل الطاقات، ويا سلام على طاقات الجمال، فهي تبنى من العدم. المهم الأفكار المجتمعية ما زالت داخل قوقعة بيضة لم تفقس بعد ولم تبين عن نياتها. جميل الجزائر كان متوازنا هادئا متخلقا في الاستديو، ولم ينفعل لأي سؤال… برافو يالزين.
كاتبة من الجزائر