الشارع اليمني والقضية الفلسطينية: أبعاد ودلالات التفاعل اليومي

أحمد الأغبري
حجم الخط
1

صنعاء ـ «القدس العربي»: أي قراءة واقعية تتبع مسارات ومنعطفات نبض الشارع اليمني في علاقته بالقضية الفلسطينية؛ وقوفًا على المحطة الفارقة في تاريخ القضية، وتحديدًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر؛ سنجد أن هذا الشارع، والذي نقصد به الإنسان العادي الذي طحنته حرب الثمان سنوات، ظل وما زال على علاقة وطيدة بهذه القضية؛ لكن هذه العلاقة تكرست واستعادت وهجها الحقيقي؛ وهو ما يتجلى في استشعار بسطاء اليمنيين لمخاطر التحديات التي تحيق بهذه القضية، باعتبار هذه المخاطر تهديدًا لجميع الدول العربية والإسلامية، وليس لفلسطين وحدها؛ ولهذا نجده يعبّر عن تفاعله معها بوعي مختلف تترجمه ردة فعله المختلفة هذه المرة عن المراحل السابقة التي مرت بها القضية؛ فنجده في حملات المقاطعة – مثلا- يقدّم مثالاً عظيمًا في استغنائه عن احتياجات يومية كثيرة، في غمرة عوزه.
فعلى صعيد المقاطعة؛ تعرضت عديد من المنتجات لخسائر كبيرة، تتردد الغرف التجارية والصناعية اليمنية في الحديث عن نتائج وتداعيات هذه المقاطعة، استجابة لرغبات التجار، الذين يخافون من إعلان ما وصلت إليه أحوال منتجاتهم حتى لا يُضاعف ذلك من فداحة ما يتعرضون له من خسائر. فعلى صعيد الأجبان، التي تمثل احتياجًا يوميًا للفرد والمطعم والكافتيريا، وتحديدًا ما تُعرف محليًا بالجبنة المالحة، والتي كان السوق اليمني يعتمد بدرجة رئيسية على المنتج الدانماركي… تحول المزاج الشعبي عنها إلى المنتج البديل ممثلاً في المنتج المصري، وتم الاستغناء على نسبة كبيرة من المنتج الدانمركي؛ وهو ما يؤكده عبدالله سلام، مالك ومدير سوبر ماركت في شارع الزبيري بصنعاء، مؤكدًا في حديث غير رسمي، أن الزبائن صاروا يسألون عن هوية ما يشترونه؛ وخاصة التي لا يعرفون مصدرها وبلدها؛ فقد تكرّس في الوعي الشعبي أن شراء هذه المنتجات مساهمة في قتل الأشقاء في غزة. ويقول عبد الله إن المقاطعة شملت كثيراً من المنتجات، بما فيها المشروبات الغازية كالبيبسي والكوكاكولا وغيرها الكثير التي اكتشف الناس من خلالها أن كثيراً من أموالهم كانت تذهب دعمًا لإسرائيل، وبالتالي تحولوا عنها إلى شراء المنتج المحلي أو العربي.
يعكس الوعي الشعبي تضامنه مع فلسطين من خلال مظاهر مختلفة لا تقتصر على رفع العلم الفلسطيني وارتداء الكوفية الفلسطينية، بل إن ما يميز الشارع اليمني في علاقته بالقضية الفلسطينية فيما تتعرض له حاليًا، يتمثل في ارتباطه بها، وكأنها قضيته الأولى؛ وهي كذلك؛ إذ أنه في ظل ما يعانيه من ويلات الحرب والأزمة الاقتصادية الخانقة يتفاعل مع القضية الفلسطينية باهتمام عال؛ بدليل أنها صارت محور أي حديث يلتقي عليه اثنان في أي مقهى أو نجدها محورا في كثير من فعاليات أي مؤسسة ثقافية أو حزبية؛ فالجميع يتبادلون الأحاديث ويشيدون بمنجز المقاومة ويتفاخرون بما تحققه فصائلها من انتصارات على الجيش الإسرائيلي، بل صار بعض اليمنيين يكني نفسه بأبي عبيدة ، وصار لهذا الاسم صداه من شدة تعلقهم وتفاخرهم وانتظارهم لظهوره وسماع رسالته؛ بل إنهم يتحدثون عن قادة حماس بحب شديد دون أن ينظروا إلى ميولهم السياسية مطلقًا؛ فقد سقطت كل التصنيفات لديهم، كما سقطت لدى النخب والمؤسسات السياسية في البلد؛ فالقضية الفلسطينية صارت هي المعيار والعنوان في علاقتهم بكل ما له علاقة بالألم الفلسطيني، ومن ينتصر له من أي طرف كان؛ فمن يقف ضد المحتل يؤيدون فعله بلا شك.
علاقة الشارع اليمني بالقضية الفلسطينية، في واقعها الراهن، تتميز بأنها تعيش مرحلة تكثيف واع ليقين امتلاك القوة بعدما تجاوزت، ككل الشعوب العربية، تحت تأثير “طوفان الأقصى” الشعور بالضعف والانهزام، وامتلأوا، من جديد، بيقين النصر؛ يواكبه ويؤكده اهتمام عال بمن يصنعون وسيصنعون هذا النصر؛ ممثلاً في قيادات فصائل المقاومة، ومَن يقف خلفهم من كل الشعوب العربية والمسلمة؛ علاوة أنهم يتميزون في كونهم يتجاوزن معاناتهم وجراحهم النازفة، كما سبقت الاشارة، ويسخرون أنفسهم لخدمة هذه القضية، من خلال نزولهم المستمر في المسيرات الشعبية، التي تخرج باستمرار وبأرقام كبيرة، وخاصة يوم الجمعة، وهو فعل جماهيري يمتد من الشرق إلى الغرب في الجغرافية اليمنية وتمثل صنعاء رقما وفعلا واضحا في هذا السياق، مؤكدين علاقة يمنية خاصة بالجرح الفلسطيني؛ ويكفي أن نتوقف أمام الصور التي تم نقلها من ملعب مدينة صلالة العُمانية خلال مباراة المنتخب اليمني للناشئين لكرة القدم مع المنتخب السعودي، والتي فاز بها المنتخب اليمني، الخميس. ما أود الإشارة إليه أن الجمهور اليمني المشجع لمنتخبه في مدرجات الملعب كان يرفع بجانب العلم اليمني العلم الفلسطيني، في دلالة على حضور فلسطين في الوعي اليمني، حتى وهو خارج بلده؛ ففي أشد لحظات ارتباطه ببلده لم تغب فلسطين، في دليل على مدى تماهيه بالنزيف الفلسطيني وشعوره بأهمية موقفه ودوره في مواجهة همجية وتوحش المحتل الغاصب، فمن غير المعقول أن يقدّم الفلسطيني كل هذه التضحيات، ويكتب كل هذا الاستبسال، ويتدفق دمه على امتداد غزة ونحن نبقى صامتين! هكذا يستشعر اليمنيون حالهم مقابل ما يعانيه قطاع غزة، وكل الأراضي المحتلة.
ماذا أضاف “طوفان الأقصى” إلى زخم تفاعل الشارع اليمني مع تداعيات العدوان الإسرائيلي المستمر ضد قطاع غزة؟
لقد أضافت عملية “طوفان الأقصى” الكثير إلى زخم الشارع اليمني في علاقته بفلسطين، إذ بعثت عملية طوفان الأقصى إحساسًا كان أوشك أن يندثر في النفس العربية؛ وهو الثقة بالنصر؛ هذه الثقة التي أصبحت اليوم تملأ نفوس اليمنيين مثلهم مثل كثير من العرب كما سبقت الاشارة. وهذه الثقة بحد ذاتها مثلّت نقلة نوعية في علاقة الشارع اليمني بالقضية المركزية للأمة؛ والتي بفضل طوفان الأقصى عادت لمكانها الطبيعي كقضية مركزية؛ وبالتالي تكرّست لدى الشارع اليمني حقيقة أن تحرير فلسطين بات متاحًا بل وقريبًا، وانطلاقًا من هذا الشعور امتلأ الوعي الشعبي بأهمية دور كل فرد في المجتمع العربي في نصرة هذه القضية، على الأقل من خلال مساندتها بالمتاح؛ وهو الثقة بالنصر والتفاعل الإيجابي مع التضحيات الفلسطينية، والتصدي لكل صوت عربي انتهازي يساند الصهيونية ويحابي مراكزها، وصولًا إلى إعادة الاعتبار للهُوية العربية في علاقتها بالقضية المركزية، والتي اكتشف الكثير من العرب عقب طوفان الأقصى أن هذه العلاقة كانت مخترقة بعوامل عديدة أضعفتها وأفقدتها فاعليتها ودورها تحت ضربات الاختراق الصهيوني للإعلام العربي والعالمي؛ وهذا التنبه أعاد بوصلة الشارع صوب النصر، كما أعاد بوصلة الإعلام العربي صوب الشارع في علاقته بقضيته المركزية؛ وكان الشارع اليمني مثالًا في هذا التحول؛ إذ استعاد التماهي بقضية فلسطين بوعي أكثر وضوحًا في انتصاره لأبطال المقاومة باعتبارهم أيقونة النصر، الذي تنتظره الأمة، لاسيما وأن تطرف الموقف الغربي وتواطؤه مع الجاني ضد الضحية بالمستوى الذي ظهر عليه مؤخرا قد أعاد كشف حقيقة الغرب في علاقته بفلسطين والعرب عمومًا وبمبادئ حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية التي طالما رفعها متباهيًا بها على مجتمعاتنا؛ وبالتالي فإن موقف الغرب الرافض لفصائل المقاومة ليس لكونهم إرهابيين كما يدعي، بل لكونهم ، في الحقيقة مفاعيل القوة ووقود النصر؛ والشاهد هنا هو أن هؤلاء هم مَن يجب أن يقف معهم كل عربي ومسلم كأقل واجب في مواجهة آلة الموت والقتل الإسرائيلي، التي تستهدف كل شيء في غزة ولا تستثن شيئا، في دلالة على مدى الرعب الذي أحدثته عملية طوفان الأقصى لدى إسرائيل؛ ولهذا هي تستميت في ارتكاب أبشع الجرائم ،التي لم يسبقها إليه احتلال آخر على مدار التاريخ، وهي ترتكب هذه الجرائم خوفًا من أن يتكرر ما حصل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر. مما سبق فإن طوفان الأقصى لم يكن حدثًا عاديًا بل مفصليًا ليس في تاريخنا وحسب، بل في تاريخ إسرائيل كاحتلال غير مسبوق، وفي تاريخ الوعي العربي بالقضية المركزية كيقظة راهنة يجب أن تبقى وستبقى!

تحديات

استطاع الشارع اليمني تقديم مستوى متقدم في التعبير عن موقفه تجاه التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية حاليًا، وهو ما يعبّر عنه في تماهيه التام مع القضية الفلسطينية وانحيازه لأي فعل في مواجهة إسرائيل من أي طرف كان ما دام مؤمنا بالقضية الفلسطينية، ولهذا يقف الشارع اليمني بحزم مع كل فعل يرى أنه لصالح القضية ويقف في وجه المحتل ويهدد أمنه واستقراره.
يمكن التوقف أمام حضور فلسطين في منصات التواصل الاجتماعي في اليمن؛ فالتدوين لصالح فلسطين لم يتراجع ولم يخفت صوته، بل يتصاعد مع كل حدث، ولا يتوان عن عرض فداحة الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال، على الرغم مما تفرضه هذه المنصات من حواجز أمام انتشار المنشورات ذات العلاقة بفلسطين، وبخاصة في منصة “فيسبوك”.
كتب وزير الثقافة الأسبق، خالد الرويشان، وهو من أبرز المدونين اليمنيين، مطالبًا بعدم الاحتفال بفوز المنتخب اليمني للناشئين لكرة القدم في بطولة غرب آسيا، وهو حفل لن يتم بالتأكيد، لكنه دليل على مدى استشعاره لذلك قائلاً في تدوينة على منصة إكس: “كلمة لابد منها … ورجاء! لا يليق ولا يجوز أن تكون الاحتفالات بفوز منتخب الناشئين صورةً من احتفالات 2021 بالفوز بنفس البطولة! مع اعتزازنا بأشبالنا الرائعين الأبطال فإنه لا يمكن لعيوننا أن تضحك بينما عيون أطفال غزة مغلقة تحت ركام القصف الإسرائيلي!”.

المؤسسة

هل تجاوز الشارع ما قدمته وتقدمه بيانات وفعاليات الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في التفاعل مع الحدث؟ يمكن القول إن ما تقدمه الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني في اليمن تجاه فلسطين هو انعكاس لما يمور به الشارع اليمني في علاقته بالقضية المركزية؛ وبالتالي لا يمكن للأحزاب والمنظمات الجماهيرية ومعها المؤسسات الثقافية أن تبقى بمعزل عما يحدث في قطاع غزة. فنادي القصة في ذمار كرّس فعاليته، الخميس، لفلسطين، تحت عنوان “كلنا فلسطين” من خلال برنامج حافل بالشعر والفن التشكيلي لصالح القضية الأم؛ وهو مثال لما هو عليه الحال في غيرها من المؤسسات. وبالتالي فإن ما تقوم به المؤسسة السياسية والثقافية هو تعبير عن مدى الالتحام الشعبي بفلسطين، لكن هذه المؤسسة لا يمكنها بأي حال تجاوز صوت الشارع، الذي لا يلتزم بشيء عدا انحيازه لفلسطين واجتهاده في الطريق إلى تحقيق النصر وانكسار المحتل الغاصب؛ وهو يعتقد أنه لقريب!

الشارع اليمني والقضية الفلسطينية:

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية