الآن نحن في عصر المعلومات الذي، وهذا حقيقي، قد فصل تماما حاضرنا عما هو قبله من عصور. المدهش طبعا أنه في عصر المعلومات لايزال رؤساء يتمسكون بالحكم لعشرات السنين. ومن ثم يتمسك أتباعهم، فهذا يعني الجمود والثبات في عالم شديد التغير إلى درجة أنه يتغير وأنا أكتب هذا المقال.
بسبب هذا الجمود تقوم ثورات تنجح أو تفشل، من أسباب الثورات الخفية التي لا تُذكر، فالمعروف دائما هو الشعارات السياسية من عدالة ومساواة وغيرها، لكن سببا مثل أن تكون الحياة عصرية لا يُذكر، وهو من أهم الأسباب. وأعني بالحياة العصرية «التغير» والقبول به. أنظر كم التكلفة التي تدفعها الشعوب في ثوراتها، بينما العالم حولها يتغير، ولا يحتاج الأمر إلا أن يدرك الحاكم أنه لن يستطيع أن يقف بالبلاد عند حافة النهر القديم. لا يدرك هذا النوع من الحكم والحكام أنه يتحول بالبلاد إلى نوع من الشمولية التي لا توائم أبدا التغير في الدنيا، ونوع من الهيراركية تجعل الأعلى هو الأعظم، ومن ثم يكون على الأسفل السمع والطاعة، فهما أسهل من الابتكار والتطوير، وتصبح الحياة هي أن تقضي نهارك مشغولا بالطعام وتنام ليلك والسلام. لكن ليس هذا فقط في بلادنا، فالعالم حولنا يبدو فيه اليمين الرجعي المتطرف هو المتسيد للمشهد، إذا أدركت كم لدولة مثل أمريكا تأثير على الحكام في الدول الأخرى. والسؤال هو هل يقف اليمين المتطرف ضد عصر المعلومات؟ بالتأكيد، ليس بمعنى إنه لا يستخدم مُنتج هذا العصر، لكن بمعنى أنه يعمل على أن تظل شعوب أخرى متخلفة، مادامت تحقق له أهدافه من اتساع مجاله الحيوي، ومن خدمة مشروعاته بدون أي مظهر قديم للاستعمار.
لقد كنا يوما نتحدث عن العولمة وكيف أنها قد تمسخ هوية الشعوب الأخرى، والآن في عصر المعلومات يتم مسخ هذه الهوية، بأن تعيش هذه الشعوب في الماضي راسخة تحت حكم نظم شمولية، رغم أنه في يد كل شخص هاتف نقّال. لكن بعيدا عن هذا التناقض المرعب بين عصر مفتوح وسياسة مغلقة، فقد كشف عصر المعلومات عن كم الخراب الذي جرى في روح كثير جدا من الناس، في بلاد مثل بلادنا، مصر والعالم العربي وهو ما يهمني. الخراب الذي أقصده هو التعليقات والآراء التي قذف ويقذف بها إلينا عصر الميديا في هواتفنا كل دقيقة، ما يجعلها في رأيي خرابا، أنها غالبا من أجيال شابة أكثر مما هي من الاجيال السابقة. الأجيال الشابة التي ترى في الأجيال الأقدم حائط سد بينها وبين المستقبل، فتردد ما بذلت فيه أجيال سابقة الكثير جدا لتحقيقه فيها هي ونجحت إلى حد كبير.
الخراب الذي أقصده هو التعليقات والآراء التي قذف ويقذف بها إلينا عصر الميديا في هواتفنا كل دقيقة، ما يجعلها في رأيي خرابا، أنها غالبا من أجيال شابة أكثر مما هي من الاجيال السابقة.
هناك كثير من التعليقات تعكس قلة العلم والمعرفة وهذا طبيعي، فلا معرفة نهائية حتى عند العلماء، لكنها كثيرا جدا ما تقف عند الأديان. فهذا النوع يرى في الأديان الأخرى كفرا تماما مثل من لقنوه ذلك من أجيال سابقة. هذا النوع من الشباب للأسف لا يدرك أن هذا على طول التاريخ كان مقصودا من الحكام ومن أشياعهم من المفكرين ليكون الناس كالأنعام تسهل السيطرة عليهم. الوقوف عند هذا النوع من التعليقات يشغل صفحات وصفحات، لكنني سأقف عند ما جرى من تعليقات على حريق كنيسة نوتردام دي باري، التي بلغت حد الوجع. لن أتحدث عن ذكرياتي مع الكنيسة طفلا حين شاهدت فيلم «أحدب نوتردام»، أو رجلا حين زرت فرنسا أول مرة في بداية التسعينيات أو في ما بعد. ولا عن أصدقائي الذين شاركوني المشوار الجميل داخل شوارع باريس حتى وصلنا إلى نهر السين. ولا رحلة جميلة مع زوجتي وقضاء نصف نهار وكيف كانت سعادتها وهي تصعد إلى الجرس الذي كان يصعد إليه أنتوني كوين في الفيلم الشهير. ولا ذهابي بنفسي أقضي نصف نهار بينها وحولها في كل زيارة إلى باريس. لن أدافع بقيمتها التاريخية ولا السياحية، لا لن أدافع. لكن كم كشفت لي الميديا عن الخراب الذي عشش في أرواح الكثير من التعليقات التي احتجت على التبرعات التي انهالت على الدولة الفرنسية لترميم الكنيسة، وعلقت كيف تنهال التبرعات ولم يحدث أبدا أن تبرعتم لما تم تدميره من آثار في بلاد عربية مثل سوريا والعراق. لم يسأل أحد نفسه أن ما جرى في سوريا والعراق أخيرا من أثر حروب تشنها الجماعات المتطرفة التي هي بالمناسبة من فعل الأنظمة الحاكمة ذاتها، ومن فعل من شجعها سرا وعلنا من دول أخرى عربية وأجنبية. وأن «داعش» مثلا كانت له اليد الأكبر في هذا الدمار. طبعا سيقول قائل إن هذا فعلته الدول الأجنبية أيضا حين استعمرت بلادنا، وطبعا هذا زمن مضي وكان سمة لكل الحروب من بداية التاريخ، بل إن هذه الحروب دمرت الكثير في أوروبا ذاتها. لم يحفظ معظم آثارنا المصرية من هذا الدمار إلا أنها كانت في معظمها تحت الأرض. وما كان فوق الأرض ناله دمار أو شيء منه كبير. أنت تذهب مثلا إلى معبد الأقصر الآن وتتصور أنه قديم، وبالبحث تعرف أنه تم اكتشافه من مئة وخمسين سنة أو أقل. هذا المعبد الكبير كان مدفونا وفوقه قرية وأبنية، إذن المقارنة سيئة جدا، فلا الذين هدموا آثارنا في الغزوات مبرر أن تحتج على تبرعات لإعادة ترميم نوتردام دي باري، ولا ما فعله «داعش» مبرر للسؤال أين هي التبرعات منا.
أسوأ التعليقات كانت شماتة في حريق في «الكنيسة النصرانية»، للأسف كان هذا كثيرا جدا وكآن الآثار للمسلمين فقط.
أسوأ التعليقات كانت شماتة في حريق في «الكنيسة النصرانية»، للأسف كان هذا كثيرا جدا وكآن الآثار للمسلمين فقط. أعظم آثار المسلمين في القاهرة مثلا هي في شارع المعز ومصر القديمة، لا تساوي في العدد إلا نسبة ضئيلة جدا من آثارنا التي تركها خلفهم أجدادنا الفراعنة، الأمر نفسه في العراق وسوريا واليمن، وإن اختلف الأجداد. بل أنظر في التاريخ لتعرف كم دمر بعض هؤلاء الذين تركوا المساجد والأسبلة خلفهم من آثارنا الفرعونية رغم ذلك.
إقرأ تاريخ ابن إياس أو الجبرتي لتعرف شيئا، أذكر من بين ما قرأت زمان أنه قامت هوجة من والي مصر العثماني أو المملوكي، لا أذكر، في تحطيم عواميد آثار الإسكندرية اليونانية والرومانية، وأنهم كانوا يجرّون الأعمدة في الطرقات بالحبال ليستخدموها في بناءات أخرى، فظهرت موضة عند النساء تسمي «جلباب العمود»، وهي تعني أن جلبابها له طرف طويل في الخلف تجره وراءها في الطرقات، كما جروا الأعمدة! لا أقول هذا لأبرر لأحد ما فعله أسلافه في التاريخ من هدم للآثار، لكن لأوضح أن عصرنا غير العصور السابقة. للأسف كل من شمتوا في الحريق يبررون غير مدركين للمجرمين الذين هدموا آثارنا. لكن يظل ما يهمني هو كيف يعكس هذا العصر بسرعة كم التشوهات التي جرت في العقول والأرواح في بلادنا، وهو أمر مرهق، فكم نحتاج من وقت لنخرج من هذه التشوهات. لا يحتاج إلا أن يعرف أصحابها أنهم في عصر آخر فلماذا التمسك بعصور الظلام.
٭ روائي من مصر