تونس-“القدس العربي”: ضرب فيروس كورونا تونس مثل سائر بلدان العالم ليساهم في تجميد قطاعات عديدة وإجبار عديد المؤسسات والإدارات على إغلاق أبوابها خشية من تفشي الوباء. ولعل قطاع الصحافة الورقية أو المطبوعة في تونس هو من القطاعات الأكثر تضررا بسبب اضطرار الصحف إلى تعليق صدروها بالنسخة الورقية ريثما يتم رفع الحجر الصحي.
فقد دعت النقابة العامة للإعلام في تونس، في بيان المؤسسات الإعلامية التي تصدر صحفا ورقية، إلى وقف إصدار صحفها للوقاية من فيروس كورونا المُستجد “نظرا للمخاطر التي قد تتسبب فيها النسخ الورقية من إمكانية عدوى سواء على عمال المطابع أو المواطنين”. والتزاما بهذا القرار أعلنت عديد المؤسسات والصحف التونسية عن إيقاف نسخها الورقية مثل مؤسسة “دار الأنوار” التي تضم جريدة “الشروق” الناطقة بالعربية و”لوكوتيديان” الناطقة بالفرنسية، و”الأنوار” الأسبوعية الناطقة بالعربية، والتي قررت إيقاف صدور نسخها الورقية مُعربة في الوقت نفسه عن أملها في استئناف إصدار صحفها بعد تجاوز أزمة فيروس كورونا.
كذلك أعلنت مؤسسة “لابراس” الصحافية الحكومية، عن وقف صدور صحيفتيها “الصحافة اليوم” اليومية الناطقة بالعربية، و “لابراس” اليومية الناطقة بالفرنسية، وكذلك صحيفة “المغرب” اليومية الناطقة بالعربية، التي أوقفت صدور نسختها الورقية منذ بداية الأسبوع الجاري ولجأت إلى إصدار نسخة رقمية على موقعها الإلكتروني.
وكذلك توقفت مؤسسة “دار الصباح” والتي تضم صحف “الصباح ” اليومية الناطقة بالعربية و”لوتون” اليومية الناطقة بالفرنسية و”الصباح الأسبوعي” الناطقة بالعربية، عن إصدار نسخها الورقية مكتفية بموقعها الإلكتروني.
صعوبات
ويقول الأستاذ الجامعي في الإعلام كمال بن يونس، وهو رئيس تحرير سابق في “دار الصباح” لـ “القدس العربي” إن الصحافة الورقية في تونس تمرّ على غرار أغلب صحف العالم بصعوبات هيكلية منذ ثورة الفضائيات والأقمار الصناعية قبل حوالي 30 عاما، وبسبب بروز إعلام بديل عن الصحافة المطبوعة منذ تعميم “الدش” وتنوع فرص استهلاك الجمهور لمواد إعلامية وثقافية وترفيهية توفرها الفضائيات الإذاعية والتلفزيونية. ويعتبر أن المنافسة ازدادت مع توسع رقعة مستخدمي الشبكة العالمية للمعلومات الإنترنت، ثم بعد ثورة يوتيوب والمواقع الاجتماعية أواسط العقد الماضي، فتراجع تأثير وسائل الإعلام التقليدية وخاصة المطبوعة.
وبعد ثورة كانون الثاني/يناير 2011 واندلاع ما سمي بالثورات العربية تزايد قراء الصحف مؤقتا بسبب فتحها هامشا أكبر من الحرية وتخصيصها صفحات للحديث عن نقائص الأنظمة السابقة وبعض مظاهر الفساد والاستبداد في عهدها. لكن تعثر الثورات العربية والثورة التونسية وتزايد تأثير اللوبيات المالية والسياسية، الداخلية والخارجية، على مضمون وسائل الإعلام بما فيها الصحافة المطبوعة، أدى حسب محدثنا-إلى مزيد من الأزمات المالية وتراجع المداخيل المتأتية من الإعلانات والمبيعات.
كما زادت الأعباء المالية والاجتماعية للمؤسسات الصحافية التقليدية في مرحلة اختفت فيها المؤسسات العمومية التي تشرف على توزيع الإعلانات بسبب أخطاء كثيرة قام بها الحكام الجدد منذ سقوط حكم بن علي من بينها حل وزارة الإعلام والمؤسسات التي كانت تشرف على توزيع الإعلانات من دون استحداث بديل عنها، من بينها الوكالة الوطنية للاتصال الخارجي ومكتب الإعلام والاتصال في رئاسة الجمهورية …ألخ. وحسب بن يونس فإن الصحافة الورقية تعاني من صعوبات قديمة وليست وليدة اللحظة، ولكن جاءت أزمة وباء كورونا لتزيد الوضع سوءا بالنسبة لهذا القطاع.
ويرى بن يونس أن مصير الصحف المطبوعة بات رهين عوامل كثيرة من بينها إحداث مؤسسة لتنظيم الإعلانات وسلطة للإشراف على المؤسسات الإعلامية العمومية وشبه الإعلامية. كما دعا إلى تسوية الوضعية القانونية والمالية للمؤسسات الإعلامية المصادرة والشركات العمومية التي تصدر الصحف الورقية والتي تمرّ بصعوبات مالية هيكلية بما يهدد وجود الصحف المطبوعة في تونس في أقرب وقت.
ظروف استثنائية
وقالت رئيسة تحرير جريدة “الصباح” اليومية الصحافية آسيا العتروس لـ”القدس العربي” إن ما تعيشه الصحافة المطبوعة من محنة تشمل كل القطاعات في كل العالم. وتضيف: “نحن كغيرنا من شعوب العالم نخوض حربا من دون أن نرى العدو الذي يطوقنا من كل الاتجاهات. وقرار تعليق الصحف في تونس كان للضرورة، وللضرورة أحكامها. إذ وبالإضافة للمخاطر الجسيمة بعد تجربة أسبوع كامل من العمل المضني في ظل الحظر، ورغم أن أغلب الفريق الصحافي يعمل عن بعد، فقد كان هناك مشكل آخر متعلق بالتقنيين وأعوان المطبعة الذين يستقلون وسائل النقل العمومي. أضف إلى ذلك أن قرار منع التنقل بين المدن وتوقف أغلب القطاعات الحيوية ضاعف أزمة الصحافة الورقية ومنع بالتالي استمرار عملية النشر والتوزيع”.
وتعتبر محدثتنا أن من المهم الآن ألا يستمر تعليق صدور الصحف التونسية طويلا، وخاصة “الصباح” التي تبقى المدرسة الإعلامية الأولى وهي من أعرق الصحف التونسية. و”من المهم أن تتعافى هذه الصحف من تداعيات أزمة كورونا التي ستظل تؤثر على أغلب القطاعات إذا لم يتم استباق المخاطر والتفكير في التخفيف من أعباء الأزمات وتحديد البدائل”.
وتضيف: “اليوم لا يمكن، وتونس كما كل دول العالم تعيش حربا على هذا الوباء وتحتاج فيه البلاد إلى حملة توعية مستمرة للحد من كل العقليات الكارثية التي تستخف بالخطر، مواصلة الرسالة الإعلامية المطلوبة لنشر روح التفاؤل بين الناس من دون الصحافة الورقية وهذا أمر نحتاجه جميعا”. إذ يجب حسب العتروس، تقديم خطاب إعلامي يساعد على مواجهة هذه المحنة حتى يمكن تجاوزها.
وأشارت إلى أن صحف “الصباح” الورقية توقفت عن الصدور ولكن في المقابل تستمر النسخة الإلكترونية. وتابعت بالقول: “نحن نسعى كفريق متكامل إلى مواصلة تحمل الرسالة على أمل طي هذه الصفحة عاجلا وليس آجلا لأنه تنتظرنا معارك أخرى على كل المستويات لاسيما في قطاع الصحة والتعليم.
أما عن الصحافة الورقية فالمعاناة مضاعفة لا سيما بالنسبة للمؤسسات المصادرة ولطالما طالبنا الحكومات المتعاقبة بتسوية وضعية هذه المؤسسات وها نحن اليوم نقف على فشل وعجز الحكومات السابقة. نأمل أن تزول محنة كورونا وأن نكون على موعد للاستفادة جديا من كل الدروس التي مرت بنا ومرت بالإنسانية جمعاء، عسى أن يكون ذلك بداية صحوة ضمير واستعادة البوصلة المفقودة وللتخلي عن سياسة النفاق والرياء السياسي الذي نرى نتائجه. في المقابل نحن فعلا نتطلع إلى عودة الحياة إلى طبيعتها لنعود إلى العمل الصحافي الميداني وإلى الصحافة الورقية التي لا بديل عنها”.
زمن كورونا
وترى أروى الكعلي وهي صحافية وأستاذة في معهد الصحافة وعلوم الإخبار وباحثة في الاتصال والميديا، أن الصحافة الورقية في تونس تعاني من أزمة هيكلية بدأت نتائجها تظهر في السنوات الأخيرة بتوقف بعض الصحف عن الصدور وتغيير صحف أخرى دوريتها من يومية إلى أسبوعية. وهي على ما يبدو أزمة متشعبة لا يمكن تفسيرها انطلاقا من معطى واحد، بل تتعدد المعطيات التي تقف وراء هذه الأزمة التي هي في جزء منها امتداد لأزمة عالمية تعيشها الصحافة المطبوعة بتزايد استخدام الميديا الاجتماعية في العقد الأخير بالخصوص، يقابله فشل في انتقال الصحف المطبوعة التونسية إلى المجال الرقمي، وتشعب الأزمة يجعل من إيجاد حلول لها أمرا معقدا.
وتوضح محدثتنا بالقول: “فإلى جانب اتجاه القراء السابقين نحو الحصول على الأخبار من الميديا الاجتماعية وأساسا موقع فيسبوك، فإن الأزمة مرتبطة ارتباطا جوهريا بجمود المحتوى المكتوب وعدم تطويره ليواكب تطور الصحافة في العالم. وذلك مع التأكيد على وجود محاولات ناجحة أحيانا إلا أنها لم ترتق إلى تحول حقيقي على مستوى المضمون، ويظهر ذلك بالخصوص من خلال غياب (أو حضور محتشم أحيانا) لأسلوب القصة الصحافية، وصحافة التفسير، والسرد البصري للبيانات والمعطيات، وللتحقيقات الاستقصائية ناهيك عن غياب صحافة البيانات، وغياب تطوير الإخراج الفني للصحف وغيرها من المسائل، مثل تراجع حضور مهن هامة في بعض الصحف مثل سكرتير التحرير”. ويعود ذلك حسب الكعلي، إلى عديد العوامل منها المادية وكذلك عدم عمل الدولة على دعم هذه الصحف، ومنها ما يتعلق بنسق العمل الذي يطالب الصحافيين بالتغطية اليومية الآنية من دون أن يترك لهم المجال للعمل على مشاريع تتطلب التفرغ لأسابيع أو أشهر، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد المحدود للصحافيين في كل قسم. وكذلك تعامل بعض المؤسسات الصحافية إداريا مع المهنة على أنها عمل مكتبي وهو ما لا يتيح المجال للصحافيين للإبداع والتطوير، وهذا إلى جانب غياب البنية التحتية المطلوبة لتطوير الصحافة والانتقال الرقمي أو حتى إنتاج مقالات بالاعتماد على برمجيات مفتوحة.
دور هام
في المقابل حافظت الصحافة المطبوعة في تونس إلى حد كبير على قدرتها على التحليل والتعبير عن الآراء والمساهمة بقدر كبير في صناعة الرأي العام من خلال تأثيرها إلى حد ما-وهذا الأمر يتطلب دراسة علمية ميدانية لتحديده بدقة-في صناعة أجندات القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي تعتمد إنتاج الصحف وما تطرحه في تغطيتها اليومية للأحداث. كما حافظت بعض الصحف على مستوى من الجدية يجعلها تطرح المواضيع وتجري الحوارات بشكل عميق ومنهجي تخوله المسافة الممكنة للصحافة المكتوبة بين الحدث والنشر في أغلب الأحيان.
ووسط هذا التعثر الذي تعيشه الصحافة والصعوبات المادية التي تواجهها مع تراجع نسب القراءة وعدم قدرتها على تحقيق الانتقال الرقمي، وقعت بعض الصحف المطبوعة في فخ إنشاء منصات إلكترونية تقوم على تحصيل العدد الأكبر من النقرات “كليك” على حساب الجودة والجدية، وتجد الصحافة التونسية اليوم نفسها أمام معضلة فيروس كورونا، لا فقط على مستوى كيفية التعامل مع الموضوع مهنيا خاصة مع انحسار اختصاص الصحافة الصحية ناهيك عن التناول الصحافي للأوبئة، بل على مستوى “وجود” هذه الصحف المطبوعة أصلا واستمراريتها.
لقد اختارت الصحف التونسية ولأول مرة في تاريخها أن تتوقف عن الصدور وقتيا وتنشر على مواقعها الإلكترونية، بسبب هذه الأزمة. وانتقلت إلى توفير نسخة إلكترونية من دون دراسات مسبقة أو تأهيل الصحافيين، وسيطرح هذا تحديات حقيقية على استمرارية الصحف. وتضيف: “في رأيي ستقصم هذه الأزمة ظهر الصحف المطبوعة في تونس وذلك على مستويات عدة. نحن نعلم جميعا أن قراءة مقال على الإنترنت يختلف عن قراءته على الصحيفة الورقية ولن ندخل في تفاصيل الاختلاف هنا، ولكن هناك قواعد خاصة بالكتابة للويب، ومسألة نشر نسخة في صيغة (بي دي إف) للنسخة التي من المفترض أن تكون ورقية، من دون تطوير الإخراج التقني وضمان التفاعلية وغيرها من خصوصيات تصفح “الويب” سيجعل الصحف المطبوعة تواجه منافسة شرسة من المواقع الإخبارية التي اكتسبت خبرة في التعامل مع “الويب” من جهة أو تلك التي سقطت في منطق الإثارة وجلب أكثر عدد من المتابعات. طبعا مع استثناء القراء الأوفياء أو أولئك الذين يثقون في صحف معينة دون أخرى”.
وتضيف: “في مستوى ثان يطرح حصول القارئ على الصحيفة بالمجان وتعوده على النفاذ إليه بشكلها الجديد تساؤلات، عما إذا كان ذلك سيخلق عادات قراءة جديدة لدى هؤلاء المستخدمين/القراء”.
أما عن مدى تأثير هذه الأزمة على مستقبل الصحافة الورقية فتعتبر محدثتنا أنه “يمكن أن تحدث هذه الأزمة تلك الرّجة اللازمة لدى مؤسسات الصحافة المكتوبة وتدفعها للتفكير في نموذج اقتصادي جديد وتجعلها تستثمر في كل ما يحقق لها الانتقال الرقمي الحقيقي والمدروس. وأن تحاول ضمان المعادلة الصعبة بين الانتقال الرقمي المتكامل وضمان صحافة الجودة”.
وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور، فإنه يبدو جليا أن أزمة جائحة كورونا ستغير وجه الصحافة المطبوعة في تونس وستزيد من الصعوبات المالية لبعض المؤسسات وسط مخاوف من عدم امكانية بعض الصحف العودة إلى نسختها الورقية مجددا. وهذا هو التحدي الأبرز اليوم أمام الصحافة الورقية في عالم يتغير ويتطور بسرعة كبيرة وجاءت جائحة كورونا المفاجئة لتغير الكثير من معادلاته في عديد الميادين ومنها الصحافة الورقية في تونس وغيرها والتي لا تزال تحافظ على تقاليدها المتأصلة المتعلقة بالحبر والورق الذي يرتبط ارتباطا مباشرا باستمرارية الصحافة.