ليلى اسم يتردد في المديح الصوفي، هي عروس الحَضْرَة الصوفية، هي معراج العشق صعودا إلى الفناء في الذات الإلهية. المعني المعجمي لاسم ليلى هو الخمر التي تغيب بشاربها عن المحسوسات.
تبدأ الرواية «عروس الحضرة» ومثلي ابن الإسكندرية، يتصور أنها عن عروس من منطقة الحضرة الشهيرة، فالكاتب يعيش في الإسكندرية، ثم يجد الأحداث ما بين القاهرة ومنوف، فيبدأ في التفكير في العنوان، خصوصا أن هناك من وضع علامة الفتحة على الضاد في الغلاف، لكن ما يلبث أن يدرك مع ظهور أول ليلى أنها الحَضْرَة الصوفية.
هكذا أدركت وفكرت أن ما على الغلاف خطأ ربما غير مقصود.
من البداية نحن مع رحلة علمية واقتصادية في الزراعة، فالراوي اختير للعمل مديرا عاما في محطة تصدير للفاكهة في بلدة منوف. يمشي الأمر طبيعيا حتى يجد بطل الرواية اثنين من السابقين عليه، قد قاما بسرقة حوالي مليون جنيه من عائدات المحطة. أحالها إلى البوليس فتم القبض عليهما، رغم أن صاحب المحطة «فوزي» رجل صالح يعطي الكثيرين من حسناته، وكان سيرفض أن يفعل بهما ذلك. لكن هذا ما حدث، فكيف يبدأ عمل عظيم مثل هذا، دون أن يعاقب اللصوص. صفحات رائعة في وصف الطريق والمكان والبشر، فضلا عن التأمل ورؤى الحياة تعكس ثقافة كاتب الرواية إيهاب بديوي الخبير الزراعي أصلا، مع موهبته الإبداعية التي جعلته يتفرغ للدراسات الفكرية والنقد الأدبي والإبداع. لقد فاز ـ بينما أكتب المقال ـ بجائزة مؤسسة أمارجي السومرية عن روايته «البصمة».
تمشي مع الراوي متصورا أن الدراما ستنطلق مما يلاقيه من متاعب، خاصة أن ابن أحد اللصين، التلميذ الصغير في الثانوي اعتدي عليه بالسكين، وتم نقله إلى المستشفى في حالة صعبة. بين ذلك وقبله تحلق الرواية في العالم الحقيقي للراوي، وهو العالم الصوفي. ما الذي يأخذك إلى الفضاء الصوفي؟ هو لقاؤه بليلى، الأولى ابنة فوزي صاحب المحطة ومديرة الشؤون القانونية، ثم ليلى أخت سيد حارس البوابة، وبنت أم سيد المرأة الفقيرة العادية الموكول لها عمل طعام له، وتهيئة الشقة التي صار ينام فيها في محطة التصدير للمحاصيل. في يوم يفاجأ بابنتها ليلى تأتي بدلا عنها لأن أمها مريضة. حين دق الباب وفتحه ورآها أمامه يقول، «توقف الكوكب عن الدوران. تجمد الزمن في مكانه. اختفت كل معالم المدينة».
تنطلق الرواية في وصف ليلى الأولى والثانية وصفا فارقا لما على الأرض. ليلى الثانية بنت أم سيد في السابعة عشرة واسمها ليلى زكي، في نهاية المرحلة الثانوية تتمنى أن تكمل تعليمها الجامعي، لكن العائلة ترتب لتزويجها من ابن عمها. تحمله ليلى زكي إلى الفضاء، بعيدا عن كل ما حوله، لكن أيضا ليلى ابنة فوزي صاحب المحطة، تطارده أو تشاكسه في الحديث ليشعر بها. لها الجمال نفسه، والفارق بينها وبين ليلى بنت أم سيد، أن الأخيرة بنت العائلة الفقيرة. المقارنة هنا ثانوية فهو في فضاء العشق الإلهي لليلى الفقيرة، التي قبَّلته قبلة أفقدته صوابه. رغم أن ليلى فوزي ستصحبه مع أخيها في رحلة إلى باريس للتعاون مع بعض الشركات، ويتجولان معا في الشانزليزيه وغيره، وستنزل معه في الفندق وتزوره في غرفته، وتبدو كل الأمور مفتوحة بينهما، لكن ليلى الفقيرة صارت هي الخيال الذي يظهر له في كل مكان. هل ينتهي الأمر عند ذلك؟ تظهر ليلى ثالثة هي ليلى عثمان، عثمان الذي هو من عائلته أصلا والذي تسبب مع غيره في قهر أبيه وموته وحيدا وكيف استولوا على أملاكه. تأتي ليلى عثمان ممثلة للجمال في ثالث تجلياته. حكاية أبيه تأتي ربما تفسيرا لاضطراب عصبي، فقد طلق أمه وحرمته من بنتيه، لكنه هو كان يزوره وهو الأكبر ولم يتخل عنه. حزن لما مرّ بأبيه من الوحدة والخذلان، واعتبرته أخته الطبيبة النفسية مثل أبيه، يعاني من اضطراب نفسي. تقف عند الاضطراب النفسي هذا لتكتشف أخطر اكتشاف، فحين أصابه ابن أحد من قبض عليهما البوليس بسبب السرقة، يكتشف الأطباء في المستشفى أنه لا يعمل في أي مكان، وأن كل ما يقوله من تأليفه، بل لا يجدون له اسما في السجل المدني ولا وظيفة. يا إلهي. هل كان كل ما حكاه رواية من تأليفه، خاصة أن له صديقا في القاهرة، حيث يعيش هو «فريد» كثيرا ما يزوران مقهى ريش للجلوس مع الأدباء وسيدعوه للعمل معه. يأتي ذكر مقهى ريش مرة واحدة، لكنها تصبح بالنسبة لي مفتاحا لفهم ما يحدث. الراوي «سليم» يؤلف رواية، رغم أن الأحداث تقنعك بأنها حقيقية. معظم فصول الرواية تأتي بضمير المتكلم، فهو الراوي باستثناء فصول قليلة، مثل أن يكون في المستشفى والحوار حوله وعنه، لكنك تعود إلى الحكاية لترى أن حقائقها مقنعة. شيزوفرينيا يمكن، أو نوع من الباراسايكولوجي في الحكي وحياة الراوي. ما وراء علم النفس من استبصار وخوارق غير حقيقية.
لا يتوقف عن الحكي حتى يدخل في مرحلة أخيرة وهي اللقاء بليلي الرابعة، أو «ليليث». عثمان الذي تآمر من قبل على أبيه يعرف أن في بيت أبيه المهجور في القرية، يوجد بئر حفره يؤدي إلى آثار فرعونية. يصحبه معه ليكتشفا الآثار أو مقبرة تخص فتاة اسمها ليليث، لعله يستفيد منها معه. يوافق ولا يعرف عثمان أن الراوي «سليم» فعل ذلك من قبل وقابل ليليث. من أصول البحث في الآثار المتداولة تقديم أضحية حتى يكشف الموتى أسرارهم للباحث. يعرف سليم الراوي أن عثمان ذبح ابنته وهي في التاسعة من عمرها وجعلها أضحية للبحث عن الآثار. ليليث ليست مصرية، بل هي من بلاد الرافدين، وهي زوجة الشيطان عزازيل.
يستمر معه سليم وكان قد اتفق مع ليليث أن يدفع بعثمان ومن معه خلف سور البئر فلا يخرجون أبدا، رغم صراخهم. ينطلق هو في رحلة جديدة مع ليليث التي تقنعه بالقضاء على عائلات البنات الثلاث السابقات ويتم ذلك. يحتفظان بالبنات فقط وشعارهما «ليكس تاليونس» وهي كلمة لاتينية تعني السن بالسن والعين بالعين. واحدة منهن مسلمة هي ليلى عثمان والثانية مسيحية هي ليلى فوزي والثالثة يهودية هي ليلى زكي أجملهن وهو لا يعرف أصولها كما أخبرته ليليث. هكذا معه تقوم ليليث بتطهير الأديان الثلاثة والحياة. تسأله عمن يريد التخلص منهم فيذكر شخصيات مهمة في مصر والعالم. لا يتوقف عند ذلك، بل مع ليليث يقوم بغارات على مواقع البنوك والسجل المدني وغيرها، يستفيد أو يلغي كل ما يريد. يلغي كل بياناته من السجل المدني، بينما لم يجدوها من قبل في المستشفى، فيتأكد لك الخيال أو الجنون. تنتهي الرواية وتكاد تحمل سيفا في يدك مثله ومثل ليليث لتقتل كل من يقابلك.
ليليث تبدأ بقتل العائلات الثلاث محاولة لإقامة دين جديد، وفي كل عملية قتل تأتي بآية من التوراة أو الإنجيل أو القرآن، تؤكد عملها.
هذه الأحداث بين فيض رهيب من المعلومات، يأتي بها السارد أو غيره، أو في الحوار عن الزراعة والتصدير والحياة والآثار والمدن والريف وغيرها. هذا الفيض من المعلومات لا يثقل الرواية، لكنها خدعة الفن، فحين تعود إلى جوهرها تشعر بأن كل ما قيل، دليل على أن الوحدة والصعود مع ليلى إلى السماء أفضل. لا تُرهق المعلومات الرواية ولا القارئ، فلا تأتي في سياق تسجيلي مثلا، بل روحي ونفسي كأنها عجلة الحياة الطبيعية. في النهاية نحن أمام رواية جديدة في بنائها بشكل لافت. قد تراه مجنونا، لكن بقليل من التعقل، تعرف أنه بناء ذكي يتسق مع عقل صاحبها الأول، بطلها. جديدة في لغتها وفي شخصياتها تستحق اهتماما كبيرا من النقاد في شكلها، حتى لو أبدوا معرفتهم بمضمونها عن ليلى طريق الصعود إلى السماء.
كاتب مصري