الصيد البحري في تونس قطاع هام

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: عرفت تونس منذ القديم بلذة وجودة أسماكها المتوسطية وبتعاطي سكانها لنشاط الصيد البحري وهو ما تؤكده الرسوم الأثرية الفسيفسائية التي تمّ العثور عليها وأودع القسط الأكبر منها في المتاحف. فتونس التي لها واجهتان بحريتان، واحدة شمالية وأخرى شرقية، تقع مع إيطاليا في قلب البحر الأبيض المتوسط وتقسمانه إلى حوضين واحد شرقي وآخر غربي ويفصل بين البلدين مضيق صقلية.

ولتونس جزر مأهولة بالسكان وفيها مدن وقرى، وجزر أخرى غير مأهولة ما يعني أن السواحل والموانئ والمرافئ والمراسي منتشرة على طول الواجهتين البحريتين وفي محيط الجزر الخلابة وعلى ضفاف البحيرات. وبالتالي فإن نشاط الصيد البحري أساسي ورئيسي وقديم قدم الإنسان على هذه الأرض، في بلد مناخه معتدل وتعج سواحله بالشعب المرجانية وتنوع الأعشاب البحرية التي توفر بيئة حاضنة لأجود أنواع الأسماك المتوسطية.

وقطاع الصيد البحري في تونس هو من القطاعات التي تدرّ العملة الصعبة على البلد باعتبار كثرة الطلب في الخارج على السمك التونسي الذي يذهب جانب هام منه إلى التصدير بالإضافة إلى تلبية حاجيات السوق الداخلية. وتعتبر بلدان الاتحاد الأوروبي من أهم المستوردين للأسماك التونسية وهي من الأسواق التقليدية لأغلب المنتوجات الزراعية التي تنتجها البلاد وهناك أيضا أسواق أخرى تستهويها جودة هذه الأسماك.

اهتمام متزايد

وفي تونس تتم تربية الأسماك في الأحواض التي تقام على ضفاف البحار والبحيرات المالحة أو في الأقفاص العائمة، وهو ما يساهم في تلبية حاجيات السوق المحلية ومتطلبات الأسواق الخارجية. ويشهد هذا القطاع الواعد نموا مطردا في السنوات الأخيرة وهو ما جعله يوفر قرابة عشرين في المئة من الإنتاج المحلي للأسماك ويوفر أسماكا ذات جودة عالية بالنظر إلى الرقابة التي تحرص عليها وزارة الزراعة للأعلاف المقدمة لهذه الأسماك.

وبالتالي يساهم قطاع الصيد في التشغيل من جهة وتحقيق الأمن الغذائي من جهة أخرى وفي الحد من عجز الميزان التجاري أيضا، وذلك من خلال موارد العملة الصعبة المتأتية من تصديره، ومن هنا تكمن أهمية هذا القطاع. لذلك تم إيلاؤه أهمية بالغة في ووسعت الدولة تطويره بانتظام والنهوض به من كل الجوانب ورصدت له الدعم حتى يحقق المردودية المرجوة، لكن الأمر لم يستمر في السنوات الأخيرة.

وقد ركزت تونس بنية تحتية هامة لقطاع الصيد البحري تمثلت في إحداث واحد وأربعين ميناء صيد، عشرة منها للصيد العميق مثل موانئ المهدية وطبرقة وبنزرت وسوسة وقليبية وجرجيس وقابس والشابة، والبقية موانئ ساحلية. ويضمّ أسطول الصيد البحري حوالي 13 ألف مركب صيد منها حوالي 12 ألف قارب للصيد الساحلي والبقيّة للصيد بالجرّ وبالشباك الدائرية. كما يوجد قرابة أربعمئة مركب لصيد السردين وأربعون مركباً لصيد التن.

صعوبات

ويعاني قطاع الصيد البحري رغم أهميته من صعوبات عديدة من بينها التلوث الذي أصبح يهدد مياه البحر في عدد من المناطق في البلاد التونسية ويضر بالثروة السمكية. ومن بين المناطق التي يطالها التلوث خليج تونس وصفاقس وخليج قابس الذي يلقي المجمع الصناعي الكيميائي بسمومه فيه رغم أنه شديد الأهمية لقطاع الصيد البحري بحكم تركيز مجهود الصيد عليه ناهيك أنّ حوالي 70 إلى 80 في المئة من وحدات الصيد موجودة في هذا الخليج بحكم ثراء مياهه بالأسماك القاعية التي تباع بأسعار مرتفعة ولأنّ العمق البحري به يسهّل عمل المراكب.

كما يعاني القطاع من استنزاف الثروة السمكية نتيجة لكثرة الصيد ما جعل أنواعا عديدة من الأسماك مهدّدة بالانقراض، وللمحافظة على هذه الثروة تم اتخاذ عدة إجراءات لم يقع تطبيقها وخليج قابس خير مثال على ذلك حيث منحته الدولة الأولوية واقترحت منذ سنة 2006 حلاّ يتمثّل في التقليل من الصيد من خلال تخفيض عدد المراكب على أن تتكفّل الدولة بمنح أصحابها تعويضات، لكن هذا الاقتراح لم تتم متابعته بعد الثورة. وتستنزف الثروة السمكية أيضا من خلال الصيد غير القانوني بوسائل تحرث قاع البحر وتتلف الأعشاب البحرية التي تعتبر أهم مكونات الغذاء السمكي وأهم حواضن البيض السمكي وأيضا من خلال الصيد بالمتفجرات وبالشباك ذات الفتحات الصغيرة والأكياس التي لا تنجو منها الأسماك الصغيرة التي من المفروض منحها المزيد من الوقت لتنمو ويتم اصطيادها في موعدها.

ويهدد الصيد العشوائي عدة أنواع بالانقراض وهي أسماك عرفت منذ القدم باستيطانها للسواحل التونسية وبحثها عن دفء المياه الذي يوفره الجنوب على وجه الخصوص. كما يساهم هذا الصيد غير القانوني في تهديد معيشة صغار البحارة الذين يزاولون نشاطهم على السواحل ولا قدرة لمراكبهم على الصيد في أعماق البحار.

ومن مشاكل قطاع الصيد البحري عدم تعهد الموانئ بالصيانة خصوصا في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أدى إلى تدهور كبير في البنية الأساسية لها، من حواجز واقية وأرصفة ثابتة وعائمة ومراكز اجتماعية وإدارية، وتجهيزات الصيد البحري بالإضافة إلى الحالة المتردية للإنارة والطرقات المؤدية والنقص في اليد العاملة. وتعاني بعض الموانئ من ضيق مساحتها وعدم تعهدها بالتوسعة منذ إنشائها، بالإضافة إلى خلو البعض منها من أماكن التخزين والأماكن المخصصة لتربية الأسماك. ومن الموانئ التي تشكو مشاكل في هذا الإطار ميناء سوسة، الذي يعاني منذ سنوات من غياب الرافعة لإخراج المراكب إلى اليابسة.

ومن مشاكل قطاع الصيد البحري مسألة التأمين على الحياة وضمان الحقوق الاجتماعية للبحارة وعائلاتهم خاصة وأن البحار معرض أكثر من غيره لحوادث الشغل ولكنه لا يلقى العناية اللازمة في هذا الإطار. ويبدو أن أزمة كورونا ستزيد الطين بلة. في هذا السياق يقول ناصر خواجة وهو عامل صيد بحري في المهدية لـ “القدس العربي” إن أزمة كورونا زادت من الصعوبات على الصيادين رغم أن الصيد يعد مورد رزقهم الأول، ويضيف: “نحن اليوم نعيش ضغوطا كبيرة، فمن جهة يجب أن نخرج للصيد لإعالة عائلاتنا ومن جهة أخرى نخشى أن يتسبب خروجنا إلى العمل وعدم الالتزام بالحجر الصحي بإصابتنا بالعدوى”. ويتساءل محدثنا: “ماذا يفعل البحار لتحصيل قوت يومه في ظل هذا الحجر خاصة وأن الدولة لم تشمله بتعويضاتها؟ هل يلازم بيته ليتضور جوعا مع أفراد أسرته أم يخرج للعمل ويعرض نفسه للإصابة بهذا الفيروس الفتاك؟”.

يشار إلى أن الأرقام الرسمية تفيد بأن نسبةُ منتوجات الصيد البحري الموجهة للتصدير تقدر بقرابة 18 في المئة وبذلك فإن المنتوجات البحرية تحتل المرتبة الثانية على مستوى صادرات قطاعِ الزراعة. ويوفر الصيد البحري 17 في المئة من إجمالي عائدات الصادرات الغذائية. ويشغّل نشاط صيد الأسماك ما يزيد عن مئة ألف شخص منهم حوالي 54 ألف بحّار بصفة مباشرة إضافة إلى صانعي المراكب والشّباك والعاملين في مصانع التّحويل وغيرهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية