صنعاء – “القدس العربي”:
بلا شك، إن الهجوم الأمريكي البريطاني ضد اليمن، مؤخرا، سيؤثر سلبا على فرص التسوية وجهود السلام ومسارات المناقشات بشأن خارطة الطريق الأممية حد تعطيلها أو توقيفها مؤقتا؛ وهو ما أكده باحثون يمنيون لـ”القدس العربي” ومعهم الكاتب الأمريكي بول ر.بيلار في تقرير نشرته مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت.
كما سينتج عن الضربات على اليمن آثار متعددة المخاطر تبدأ بتوسيع دائرة الحرب الإسرائيلية على غزة، ولا تنتهي باستمرار التأثير السلبي على أعمال الملاحة والشحن الدولي في البحر الأحمر، في حال لم تتصاعد ردود الفعل.
وشدد بيان المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، السبت، “على الحاجة لصون التقدم الذي تم إحرازه فيما يتعلق بجهود السلام منذ هدنة عام 2022، بما في ذلك الالتزامات التي تعهدت بها الأطراف مؤخرا في ديسمبر/كانون الأول من عام 2023 والمناقشات الجارية حول خارطة الطريق الأممية التي من شأنها تفعيل وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني واستئناف عملية سياسية جامعة تحت رعاية الأمم المتحدة ومعالجة أولويات أساسية لصالح الشعب اليمني”.
ودعا لوقف التصعيد وأشار “ببالغ القلق إلى تزعزع الوضع الإقليمي بشكل متزايد وإلى التأثير السلبي لذلك على جهود السلام في اليمن وعلى الاستقرار والأمن في المنطقة”. وحث المبعوث الخاص “جميع الأطراف المعنية على ممارسة أقصى درجات ضبط النفس وتقديم المسارات الدبلوماسية على الخيارات العسكرية”.
ولن يقتصر أثر الهجوم الأمريكي على تعريض التسوية اليمنية للخطر بل سينعكس على الوضع الإنساني هناك، الذي ما زال في حالة حرجة منذ بدء الحرب عام 2015م.
تأثيرات سلبية
يؤكد الباحث، عادل دشيلة، في تصريح لـ”القدس العربي” أن الضربات الأمريكية ستؤثر بلا شك على مجرى التسوية السياسية أو الحوار السياسي الذي جرى خلال المرحلة الماضية.
وقال: “اليوم لا يمكن الحديث عن التسوية السياسية في ظل هذا التصعيد العسكري. نظرا لعدة أسباب. أولا أن جماعة الحوثي غير مستعدة، وهي كانت غير مستعدة منذ البداية. ثانيا أن هذه العمليات العسكرية بكل تأكيد سيتم التركيز على تأثيراتها، وإلى أي مدى ستستجيب الأطراف الاقليمية لهذه العمليات، وكيف تتعامل معها؟”.
وأكد أنه “سيكون لهذه العمليات العسكرية بكل تأكيد تأثيرات سلبية على جهود الأمم المتحدة، لا اتوقع أنه سيتم الحديث أو التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ما لم يتم خفض التصعيد هذه المنطقة. وخفض التصعيد في هذه المنطقة لا يمكن أن يحدث إلا في حال وقف عمليات الاحتلال الاسرائيلي ضد الأبرياء في غزة. إذن، أصبحت المصالح الاقليمية مرتبطة بالملف اليمني؛ ولهذا فالحديث الآن عن تسوية صار مرتبطا بقضايا إقليمية أخرى مثل ما يحدث في غزة؛ لأن الحوثيين طرحوا شروطا واضحة متمثلة في أنه يجب ايقاف العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وهم سيوقفون عمليات استهداف السفن المتجهة للكيان الصهيوني”. وأشار إلى تمدد تأثير الضربات على مختلف المجالات في اليمن، وبخاصة الوضع الإنساني والاقتصادي.
تعطيل التسوية
كما أكد الصحافي والباحث باسم فضل الشعبي، رئيس مركز مسارات للدراسات الاستراتيجية والإعلام في عدن، في تصريح لـ”القدس العربي” تأثير الضربات الامريكية البريطانية على اليمن على مسار التسوية، معتبرا أن جهود السلام عقب هذه الضربات باتت معطلة.
وقال: جاءت الضربات الامريكية البريطانية على اليمن في وقت كانت التسوية السياسية في مسار متقدم، واعتقد أن جميع الأطراف كانت على وشك التوقيع على اتفاق المبادئ أو خارطة الطريق الأولية، التي سبق وأعلن عنها المبعوث الأممي لليمن، لكن الضربات الأمريكية البريطانية على مواقع حوثية في مناطق يمنية مختلفة يبدو أنها أعاقت مسار التسوية، ستتسبب في تأجيل المضي في مسارها؛ لأن الطرف المهم في التوقيع على التسوية؛ وهم “أنصار الله” (الحوثيون) انصرف اهتمامهم باتجاه التصعيد الأمريكي البريطاني، ولم تعد التسوية بعد الضربات، وفي حال استمرت، تمثل أولوية لهم.
وأضاف باسم: “كما أن المؤشرات تقول إن استمرار الضربات وتوسع معركة الممرات البحرية سوف يدخل معه اليمن في أجواء حرب جديدة بين الحوثيين ومَن يفترض أنهم رعاة التسوية السياسية اليمنية في المجتمع الدولي، وفي المقدمة أمريكا وبريطانيا، وبالتالي من الصعب أن يقبل الحوثيون بالتوقيع أو الانخراط في تسوية سياسية للحل في اليمن يرعاها ويدعمها مَن يقوم بقصف اليمن بالطائرات والبوارج الحربية من البحر”.
“يمكن القول إن التسوية عُطلت أو لنقل أُجلت إلى وقت غير معلوم”، ويضيف “التوقيع في تقديري يتم بالتوصل إلى صفقة بين الحوثيين وأمريكا تؤدي إلى ايقاف الضربات العسكرية على اليمن، وخفض التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بالتزامن مع ايجاد معالجة للحرب التي تشنها اسرائيل على قطاع غزة في فلسطين؛ لأن كل هذه القضايا أصبحت متشابكة ومتداخلة، ولا يمكن الفصل بينها”.
التصعيد عقد الصورة
في سياق متصل نشرت مجلة ريسبونسبل ستيتكرافت الأمريكية تقريرا للكاتب، بول ر.بيلار، تناول فيه ما يمكن أن ينتج عن الضربات الأمريكية على اليمن.
وقال الكاتب بيلار، وهو باحث في مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، إن التصعيد الأمريكي، الذي حدث بالفعل، يعقد الصورة ولا يمكن إلا أن يضر بآفاق السلام اليمني، وسيؤدي إلى تفاقم اتساع نطاق الحرب الإسرائيلية على غزة.
وكتب أن “الحرب بالهجوم الأمريكي على اليمن توسعت من خلال غارات جوية بقيادة الولايات المتحدة ضد أهداف في الجزء الذي يسيطر عليه نظام الحوثي من اليمن”. واعتبر هذا الاجراء تصعيدا ونتيجة للهجوم الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة.
وقال بيلار إن الضربات ضد اليمن تنطوي على أضرار أخرى. الأول هو تعريض فرص التوصل إلى تسوية دائمة للحرب داخل اليمن للخطر. لقد ولّدت تلك الحرب ما كان على الأرجح أكبر كارثة إنسانية مستمرة من صنع الإنسان في العالم.
وأضاف: ساد وقف إطلاق النار بحكم الأمر الواقع، مع مفاوضات سلام بوساطة، في اليمن خلال معظم العامين الماضيين، منذ أن خلص [الحاكم] السعودي محمد بن سلمان إلى أن استمرار الحرب كان اقتراحا عقيما وكان الانتشال مما أصبح مستنقعا (..) ولا تزال هذه هي السياسة السعودية (..) وكان رد الفعل السعودي الرسمي على الضربات الأمريكية هو الدعوة إلى ضبط النفس و”تجنب التصعيد”. لكن التصعيد الأمريكي الذي حدث بالفعل يعقد الصورة، ولا يمكن إلا أن يضر بآفاق السلام اليمني، ولا يساعدها.
واستطرد: أما الضرر الأعم فيتكون من التكاليف والمخاطر المرتبطة بأي توسع للحرب الإسرائيلية في غزة. وتشمل هذه مخاطر تحفيز المزيد من التصعيد في أماكن أخرى من قبل لاعبين آخرين تأثروا بتلك الحرب، فضلا عن زيادة النشاط العسكري الأمريكي الذي يؤدي إلى حوادث غير مقصودة تخرج عن نطاق السيطرة.
وقال الكاتب بول ر.بيلار: “سيُنظر إلى الضربات الأمريكية على نطاق واسع على أنها دعم أمريكي أكبر للدمار الإسرائيلي لغزة. وعلى هذا النحو، فإنه يدفع الولايات المتحدة بعيدا عن نوع السياسة تجاه إسرائيل التي سيكون لها فرصة لإنهاء الدمار بدلا من إطالة أمده. فهو يضعف رغبة الدول العربية في التعاون مع الولايات المتحدة في مسائل أخرى. كما أنه يزيد من احتمال وقوع أعمال إرهابية انتقامية ضد الولايات المتحدة من أولئك الغاضبين من تواطؤ الولايات المتحدة فيما يعتبره الكثيرون في العالم إبادة جماعية”.