لا ريب في أنّ منظومة الحداثة، فرضت بشكل أو بآخر توالد وتناسل التخصصات العلمية والأدبية والفلسفية الدقيقة، إلى درجة يستعصي فيها على المرء تملّك مجمل ميادين الحقل المعرفي الواحد. ينطبق ذلك على العلوم الطبيعية، كما ينطبق على العلوم الاجتماعية، بمختلف مجالاتها المعرفية وهوامشها التخصّصية.
لكن أمام ما تشهده المجتمعات الراهنة والعالم الراهن من تعقيداتٍ فائقة، غدَا من الصعوبة بمكان تقديم أيّ تشخيص أُحادي النزعة التخصصية، قد لا ينتهي في نهاية المطاف إلاّ إلى نتيجة اختزالية، لا تفيد الواقع الراهن في شيء.
من هنا يستمدّ الترحال المعرفي ضرورته الاستراتيجية الراهنيّة، في رصد ما يُعتمل في واقع المعاصَرة المُتعاظم التركيب الذي نستظل بظلاله، ومن ثمّ المساهمة في صياغة تأويل ثقافي مغاير للوضع الراهن. ترحال بين مجالات معرفية عديدة، نحدِّد من بينها، على سبيل المثال لا الحصر: الفلسفة، والأدب، والسوسيولوجيا.
إذن ما هو الترحال المعرفي الممكن بين الفلسفة والأدب والسوسيولوجيا؟ ترحال معرفي من بين ترحالات معرفية أخرى، يُمكِّننا من الوعي بذواتنا أوّلاً، وبالعالم الراهن ثانياً. من ميتافيزيقا أرسطو إلى وضعانية أوجست كونت، إنْ لم نقل إلى قبضة هيغل، الذي أعلى من شأن الفلسفة إلى مرتبة التاريخ، عرفت الفلسفة حركة قطائع وانفصالات وهجرات عن كل من العلوم الحديثة، والآداب والعلوم الإنسانية – الاجتماعية من بينها السوسيولوجيا. ينطبق ذلك على الفلسفة، كما ينطبق على العلوم. فهذه الأخيرة هي الأخرى أصبحت تستمد علميّتها من درجة ومدى انفصالها عن كلّ نمط تفكير، يُوسم بأنّه فلسفي، لكن سرعان ما تفتأ الفلسفة في الانفصال عن ذاتها، مجاوزة لذاتها، مجاوزة ميتافيزيقاها وكلياتها التاريخية، مع مفكري الاختلاف، من تفكيكات وتأويلات وجينيالوجيات وأركيولوجيات وتقويضات، لكي تكون معاصِرة، مِن صميم المعاصَرة.
٭٭٭
على الرغم من الانفصال العنيف، إنْ لم نقل المتوحِّش، للممارسة العلمية المستحدثة عن نظيرتها الفلسفية (القتل الرمزي للأم) من ناحية، وانفصالها عن التخييل الأدبي من ناحية ثانية، فإنّ التغيرات التي مسَّت المجتمعات الغربية وغير الغربية، مِن تحولات عولمية وكوكبية إلى تحولات تكنولوجية ومعلوماتية واتصالية، فرضت على الفلسفة ومعها السوسيولوجيا والأدب، إنْ لم نقل مجمل المجالات المعرفية المتعددة، أنْ تتجاوز الاعتقاد الضيّق في التخصص المجالي والانغلاق المفقود في هويّات وغيتوّات (ghettos) معرفية مغلقة ومحصّنة، قد تقتل أي فعّاليّة للمعرفة في علاقتها بالواقع الراهن والكائن المعاصر.
موقع الفاعل المعرفي اليوم هو بين مواقع، بين خانات وميادين، ذلك ما يجب على المثقف العربي إدراكه واستيعابه أنّى كان ميدان اشتغاله وفاعليته، فيلسوفاً كان، أم أديباً أم سوسيولوجياً.
استعمالنا لعبارة أدب يتجاوز معناه القديم في الثقافة العربية، بما يُحيل إليه مِن أخلاق وفضائل ومواعظ، تقوم على ثنائية الأمر والنهي، إلى معناه الحديث الذي تتضمنه كلمة littérature، كما نجدها عند الرومانسية الألمانية، في نهاية القرن الثامن عشر. الأمر نفسه، ينطبق على استعمالنا لكلمة سوسيولوجيا، وإنْ كانت هذه الأخيرة أقل لبساً لاحتفاظنا بالأصل الأثيمولوجي نفسه (sociologie / sociology)، الذي ارتبط رسمه بأوروبا القرن التاسع عشر، مع أوغست كونت وغيره، التي يتجاوز معناها ما نجده لدى ابن خلدون باسم العمران البشري على سبيل المثال. لكن بدون أن تمنعنا الكلمتان المستحدثتان من القول بانعدام تضمنهما تأويلاً قبل ميلادهما الأثيمولوجي، وبدون أنْ يقذف بنا مفهوم التجاوز إلى إنكار مفعولات الأدب القديم في الحديث، والعُمران البشري في السوسيولوجيا.
قد تبدو عملية الترحال المعرفي التي ندافع عنها ها هنا، بأنها مهمة مستحيلة التحقق، في ظل التعدد الذي تعرفه الميادين المعرفية، بل ميادين الميدان المعرفي الواحد، كما هو حال الأجناس الأدبية، والهوامش السوسيولوجية، حيث انفجر الأدب في أجناسه من شعر، وحوار مسرحي، ورسائل، وسير ذاتية، ومذكرات، ورواية. كما انفجرت السوسيولوجيا في هوامشها التخصصية: سوسيولوجيا التربية، سوسيولوجيا الأديان، السوسيولوجيا الحضرية إلخ. لكن ما يجعلها مهمة ممكنة هو انسيابها من داخل الأجناس والميادين المعرفية نفسها، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة الانفصال والاتصال في مختلف الخطابات، بدون إعطاء أولوية لخطاب على آخر.
٭٭٭
إنّنا أمام خطابات متشابكة، فأيّ حفر في خطاب معين من تلك الخطابات لا يستقيم إلا في علاقته بالخطابات الأخرى، تلك هي مهمة كلّ وصف أركيولوجي، يرمي إلى تحديد الفوارق والاختلافات. فالخطاب لا يوجد إلاّ بوجوده – مع.
بعيداً عن كل نزعة تخصصية، أو جدران معرفية مغلقة فرضتها منظومة الحداثة، علمية كانت، أو معرفية، أو مجتمعية، فإن الرهان اليوم هو الترحّل المستمر بين مختلف الحقول المعرفية. لعلّه يُمَكِّننا من فهم ما أصبحت عليه كياناتنا من التعقيد والتشابك والتشعّب، إلى الاختلاف والتعدد، بدون أنْ يعني ذلك تطابق ووحدة المعارف في سلسلة وكلّية مغلقة، بقدر ما يعني تفعيلاً للاختلاف بما هو انفصال عن الذات وجرح للهوية، إنْ لم يكن تمزيقاً للحتميات التاريخية.
الفلسفة والأدب والسُّوسيولوجيا أيّ علاقة؟ عندما نطرح مسألة العلاقة بين ثلاثة خطابات كأنموذج مثال: الفلسفة والأدب والسوسيولوجيا، لا يعني ذلك أيّ محاولة لتأديب السوسيولوجيا، أو ممارسة سوسيولوجيا الأدب في علاقة الأدب بالسوسيولوجيا، أو نرمي إلى موضـــعة الفلســـفة سوسيولوجياً، أو تحويـــل السوسيولوجـــيا إلى فلسفة ما في علاقة الفلسفة بالسّوسيولوجيا، أو نبتغي تأديب الفلسفة إنْ لم نقل تحويل الأدب إلى فلسفة معينة، في علاقة الفلسفة بالأدب، وإنّما ما نعنيه بذلك هو تفعيل كل مفعول خطابي لمفعولات خطابية أخرى: إعلانها ترحال معرفي بين خطـــــابات من داخل كل خطاب في تفرده واختلافه ومغايرته.
إنّ موقع الفاعل المعرفي اليوم هو بين مواقع، بين خانات وميادين، ذلك ما يجب على المثقف العربي إدراكه واستيعابه أنّى كان ميدان اشتغاله وفاعليته، فيلسوفاً كان، أم أديباً أم سوسيولوجياً. على أن يجعل من مهامه المركزية: هدم كل الأسوار، وتحطيم كل العلب وتفجير كل الخانات، التي من شأنها أن تقتل الكائن أولاً والمعرفة التي تنسج حوله ثانياً. الكفيل بالتحرّر من أي نزعة اختزالية ضيّقة للوضع البشري الراهن في هذه النزعة أو تلك، وبالتالي التمكّن من صياغة معرفة رحّالة… قادرة على تشخيص متكامل لتعقيد الشرط البشري المعاصر، ومن ثمّ فتح آفاق جديدة للتحرّر من المخاطر الجديدة التي تهدِّد الإنسان المعاصر.
٭ كاتب مغربي