الطائرات المسيّرة والتهديد الاستراتيجي

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

المتابع الحصيف للشأن اليمنيّ والحرب المستعرة هناك منذ أكثر من أربع سنوات سيعرف يقيناً أن الحوثيين لن يستمروا في البقاء طرفاً أرضياً يتلقى الغارات الجوية؛ إذ كان من الطبيعي أن تفرز الحرب، بأخطائها وخطاياها الفادحة على مدى السنوات المنصرمة، ما يخلق تغيرات جوهرية في مساراتها، كما يحصل في كثير من الحروب، لاسيما وأن الحرب في اليمن لم تحقق أي اختراق لصالح الحكومة الشرعية بمستوى النتائج المأساوية والكارثية على الصعيد الإنساني وفاتورة كلفتها الباهظة التي تتحمل جزءاً كبيراً منها السعودية.

ارتفاع وتيرة هجمات جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) ضد السعودية مؤخراً يؤكد أن الصراع ذاهب إلى اتجاه أكثر خطورة ستدخل معها الحرب مرحلة جديدة من غير المستبعد أن ينهار معها التحالف العسكري الذي تقوده السعودية لدعم الشرعية في اليمن أو تتجه مسارات التفاوض إلى اتجاهات تدخل معها السعودية في مسار التواصل المباشر مع الحوثيين وصولاً إلى أن يتكرر السيناريو الذي شهده اليمن في عام 1970 والذي تمخض عن الاتفاق الذي تم بموجبه إدماج الملكيين في حكم اليمن مع الجمهوريين.

وليس مستبعداً أن يجلس السعوديون على طاولة المفاوضات مع الحوثيين، فقد سبق وحدث هذا في مفاوضات غير معلنة رسمياً شهدتها منطقة (ظهران الجنوب) في عسير بين السعوديين والحوثيين وتناولته وسائل الإعلام حينها عام 2017 بالتوازي مع مفاوضات الكويت بين الأطراف اليمنيّة حينها.

يرمي الحوثيون من وراء تصعيدهم الأخير من خلال هجمات طائراتهم المسيرة في العمق السعودي إلى الانتقال بالحرب إلى مستوى مختلف يستدعي من المملكة أن تراجع فيه حساباتها وتُعيد النظر في سياستها في الحرب داخل اليمن. فوصول الحوثيين إلى الضرب جواً وفي العمق يعني أن السعودية ستبقى هدفًا لغارات جوية حتى تتوقف الحرب، ما معناه أن الخسائر ستكون لا محدودة.  ففي حال استمرت طائرات الحوثيين في استهداف أنابيب النفط فقط داخل المملكة فإن الخسائر الاقتصادية ستكون كبيرة علاوة على الخسائر البيئية، ما بالك وأن هذه الغارات يمكنها أن تصل إلى أي هدف داخل البلاد كما يعلن الحوثيون، الأمر الذي يستدعي من السعودية التفكير ملياً بآلية جديدة لردع هذا التحول العسكري؛ وهو أمر لن يتم إلا بتحولها لخيار إنهاء الحرب سلمياً؛ وهو خيار سيقود الحوثيين إلى أن يكونوا شركاء في حكم اليمن؛ وهو ما يريدونه وترفضه الحكومة الشرعية والمملكة. فهل ستذهب السعودية إلى القبول به تحت ضغط تصعيد غارات الطائرات المسيّرة مؤخراً أم أنها ستكون قادرة على ردع هذا التحول والمضي في حربها هناك التي هي جزء من معركة إقليمية ليس اليمن سوى ساحة من ساحاتها؟ هذا ما ستجيب عليه الأيام المقبلة.

 لكن هذا لا يلغي حقيقة أن استهداف طائرات الحوثيين المسيّرة لأنابيب نفط سعودية تابعة لشركة “أرامكو” في منطقة استراتيجية في الداخل يقلل من قيمة قوة السعودية الدفاعية عبر بطارياتها المنتشرة في كل أرجاء المملكة، بل أن توالي الهجمات بما فيها ما أعلنه الحوثيون (الخميس) من استهداف طائراتهم لمحطات بطاريات صواريخ باتريوت في نجران، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحوثيين ماضون في طريق جديد ستتغير معه أوراق الحرب وسيدخل الصراع منعطفاً خطيراً، كما يؤكد هذا الاستهداف في الوقت ذاته أن قوة المملكة الدفاعية أضعف من أن تصد هجمات هذه الطائرات، والتي على تقنياتها البسيطة استطاعت اختراق الأجواء والوصول إلى الأهداف دون اعتراضها من أي منظومة دفاعية ما يتأكد للمراقبين، كما سبقت الإشارة، أن الحرب ذاهبة لمستوى جديد ومختلف بعد سنوات فقد فيه اليمن كل شيء، ولم يعد لدى هذا البلد ما يخسره، فيما ما تزال المملكة أهدافاً يانعة للحوثيين.

إزاء ذلك هناك مًن يربط بين التصعيد الحوثي الأخير والتصعيد الأمريكي – الإيراني في الخليج، ويستنتج مؤكداً أن الإيرانيين يقفون وراء الحوثيين، وبالتالي فإن توقيت التصعيد الأخير هو دليل كافٍ على أن الطائرات المستخدمة من الحوثيين هي إيرانية وتنفذ أجندة ايرانية. ومثل هذه القراءة واردة لكن ليس بالطريقة المباشرة والفجة؛ فالحرب الدائرة في اليمن هي جزء من حرب إقليمية في الدرجة الأولى والقرارات المتعلقة بها ليست قرارات يمنيّة بلا شك، كما لا يمكن إنكار علاقة الحوثيين بإيران مثلما تتبدى واضحة علاقة الطرف الآخر بالسعودية، فيما السعودية وإيران هما رأسا حربتي الصراع الإقليمي في المنطقة. لكن على الصعيد الشعبي فمعظم الشعب اليمني يكفر بالطرفين (يرفضون الوصاية السعودية والتبعية الإيرانية)، كما أن هذا لا يعني أن أهداف الحوثيين إيرانية خالصة؛ فالحوثيون لهم مشروعهم العقدي والسياسي في اليمن، وعلى ما فيه من علاقة بإيران إلا أن الحوثيين لم يشعلوا شرارة الحرب الإقليمية هناك؛ فثمة طرف أشعلها ولم يستطع حسمها على ما يمتلك من قوة ووفرة مالية، بل إن خطاياه في هذه الحرب كانت الوسيلة التي تضخمت بواسطتها قوة الحوثيين كما فعلها في الحرب داخل سوريا وقبلها في العراق ولبنان حيث في الأخير ترك تلك البلدان لإيران.

 كان لابد للتحالف بقيادة السعودية من إعادة النظر في المرحلة السابقة من الحرب والانطلاق لمرحلة جديدة، إذ من غير المنطقي أن تستمر الحرب على المنوال ذاته كل هذه السنوات، ومن أجل هذا عرف الحوثيون أنه كان لابد من انتقال الحرب إلى مربع (التهديد الاستراتيجي) ممثلاً في تهديد طائراتهم وصواريخهم للمملكة؛ وهو تهديد كافٍ ليجعل السعوديين يفكرون ملياً بمصالحهم الاستراتيجية؛ فهذه المصالح التي ظلت بعيدة عن الحرب التي تديرها المملكة داخل اليمن ها هي اليوم قد أصبحت تحت التهديد وفي مرمى طائرات صغيرة جداً، لكنها يمكن أن تشكل صداعاً لدولة كبيرة كالمملكة في حال لم تعد النظر في طريقة إدارتها للحرب في اليمن وتطوي صفحة الحرب المفتوحة، وتفكر بالإنسان ليس باعتبار تجويعه وقتله أداة من أدوات الحرب بل باعتباره أي الإنسان اليمني وسيلة لإثبات صوابية أهدافها في إنقاذ بلده والكف عن سياسات إغراقه في الفوضى والجوع والفقر والتمزيق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية