عرف المصريون ارتداء الطربوش في زمن محمد علي باشا، حيث كان رمزاً للهيبة والوقار ودليلاً على مكانة من يرتديه، فإما أن يكون من الباشوات أو البكوات أو الأعيان أو موظفاً مرموقاً، وذلك قبل أن يتم تعميمه ليكون إلزامياً على كل فئات الموظفين والأفندية والطُلاب بدرجاتهم ومراحلهم التعليمية المُختلفة.
وقد ظل للطربوش اعتباره المهم أدبياً واجتماعياً وعلمياً إلى أن قامت ثورة يوليو فغيرت الكثير من المفاهيم المُرتبطة بقيمته وأهميته، وفي عام 1962 تحديداً صدر قرار بإلغاء ارتداء الطربوش في المصالح الحكومية باعتباره من بقايا العصر البائد.
وقد تم استهداف الطربوش خصيصاً كونه يُشير بشكل أو بآخر إلى التمييز الطبقي، إذ لم يكن الفلاحون أو العُمال على سبيل المثال من بين الفئات المُميزة بارتدائه كونهم كادحين وفقراء ومن ثم رأت الثورة أن تُنهي تماماً عصر الطبقية بإشاراته وملامحه، وبمُضي الوقت اختفت الطرابيش من المصالح الحكومية ومن الحياة العامة فلم يعد لها ذات الرمزية والدلالة التي كانت أيام حُكم الأسرة العلوية التي بدأت بمحمد علي باشا وانتهت بالملك فاروق.
ومع اختفاء ظاهرة الطرابيش تراجعت بطبيعة الحال الصناعة ذاتها فلم يعد لها ضرورة بعد رفع شعار المساواة إثر إلغاء الملكية وبداية الحُكم الجمهوري وتولي الرئيس محمد نجيب زمام البلاد، ثم جمال عبد الناصر. ولأن الطربوش ارتبط فعلياً بالمسألة الرمزية صار اختفاؤه أيضاً ملمحاً سياسياً للتغيير الاجتماعي الشامل شكلاً ومضموناً، وإلى الآن لا يزال يُشار إلى الفترة الملكية بمقولة زمن الطرابيش كناية عن الاقتران الواضح بين المرحلة السياسية والشكل الاجتماعي.
ولأن الحقبة الزمنية من حُكم الملك فاروق لم تنفصل بشكل نهائي عن السياق التاريخي لمصر، ظلت بقايا الزمن وملامحه حاضرة في وجدان القلة القليلة من الناس، وبالتبعية بقي الطربوش موجوداً على استحياء في بعض المناطق الشعبية القديمة بالقاهرة كالحُسين والغورية والجمالية وشارع المُعز لدين الله الفاطمي والمناطق المُحيطة بالجامع الأزهر الشريف، حيث مواطن الورش المُصنعة له والمُتخصصة فيه بأسطواتها وحرفييها ما زالت تعمل وتُنتج أشكالاً وألواناً للاستهلاك المحلي المقصور على مشايخ الأزهر وبعض طلابه من أبناء المراحل قبل الجامعية.
كذلك حرصت نسبة قليلة للغاية من المواطنين المُتمسكين بالتراث القديم على ارتداء الطربوش كجزء من مكون شخصيتهم، لكن الدافع الأساسي لبقاء الصناعة وتفاني أصحابها للحيلولة دون انقراضها هو الإقبال السياحي عليها من جانب الأشقاء العرب، خاصة من الأردنيين والمغاربة فهؤلاء يقومون باستيراد كميات كبيرة من الطرابيش لبيعها في بلادهم، إذ أن هناك من يحرص على اقتناء الطربوش وارتدائه وهي نسبة ليست بسيطة وتعد مؤثرة بشكل كبير في اقتصاديات الصناعة المصرية ومُشجعة على الاستمرار فيها بلا توقف طالما أن حركة التوريد نشطة وقوية وتسمح بتعدد مصادر الإنتاج داخل القاهرة وخارجها كما في الإسكندرية وأسيوط وكفر الشيخ وهو أمر قائم بالفعل في تلك المُحافظات التي لا يُعرف سبب مُحدد لارتباطها بصناعة الطرابيش حتى هذه اللحظة.
غير أن هناك عوامل أخرى خلقت سوقاً تجارياً للطرابيش، من أهمها الإنتاج الدرامي للمُسلسلات التي تدور أحداثها في أزمنة تاريخية قديمة، فأصحاب الأعمال والقائمون على توفير الإكسسوارات واللوازم والمُقتنيات الخاصة يُمثلون رافداً مهماً من روافد الدخل الأساسي للورش الصناعية ومُلاكها، حيث متوسط سعر الطربوش العادي المطلوب في المسلسل أو الفيلم يتراوح ما بين 20 و80 جنيهاً.
هذا بخلاف سعر الطربوش المُميز المصنوع من الجوخ أو الصوف فهو يختلف عن نظيره الأرخص المصنوع من الخوص أو الكارتون، إذ يصل سعر الطربوش الواحد المُميز إلى نحو 200 جنيه تقريباً ومُرشح للزيادة في ظل غلاء أسعار الخامات والعمالة وبقية التكاليف، فضلاً عن أن النوعيات الفاخرة من الطرابيش والتي يتم تزيينها ببعض الزخارف ودعمها ببطانة مُعينة من الداخل تتضاعف أثمانها تبعاً لقيمتها.
وللصناعة ذاتها أسرارها الخاصة المنقولة والمُتوارثة من جيل لآخر وهي في الغالب تكون حكراً على عائلات بعينها فليس مسموحاً لغير أبناء الكار التطفل على الأسطوات والمهنيين الأصليين.
وقد جرت العادة على توريث المهنة للأبناء والأشقاء والأحفاد فقط لتبقى الصنعة بأسرارها ملك روادها الأوائل هم وأهلهم فلا تخرج لغيرهم ممن لا يعرفون أسرارها ولا يقدرون أهميتها التراثية.
هكذا هو العُرف في الصناعة الإبداعية الاستثنائية التي يأبى أصحابها التفريط فيها أو اعتزالها أو المُقايضة عليها ولو بمعايير الذهب الخالص.