كان حُلم الفنان الراحل نور الشريف أن يُقدم فيلماً من إخراجه، يُضاف إلى مجموعة إبداعاته التي أخرجها للمسرح، وبالفعل توهجت الفكرة في عقله وخطط لتنفيذها، إلى أن جاءت الفرصة في فيلم «العاشقان» الذي قام ببطولته وإخراجه، ولأن فيلم «حبيبي دائماً» الذي قدمه مع زوجته الفنانة بوسي في فترة الثمانينيات كان أنجح تجاربه الرومانسية، تصور الفنان والنجم الكبير أن في إمكانه إعادة التجربة مره أخرى، للاستفادة منها جماهيرياً وفنياً. لكن لأن في حياة كل مُبدع عمل لا يتكرر كما يقول أهل البيان والفصاحة فإن فيلم «حبيبي دائماً» ينطبق عليه هذا القول، ومن ثم لا تصح مقارنته بفيلم عادي مثل «العاشقان» حتى إن كان البطلان هما العامل المُشترك بين الفيلمين، وبناءً عليه لا يُمكن اعتبار الفيلم الأخير امتداداً للفيلم للأول. كما أنه من غير المنطقي مشاهدته، دون الالتفات للخط البياني الواصل بينهما، ومن الصعب الفصل بين التجربتين حال دخولهما حيز النقد، حيث يفرض التشابه في وحدة المضمون والشكل إجبار المُتلقي قسراً على المُقارنة.
إن مشاعر البطل والبطلة في فيلم «حبيبي دائماً» الذي أنتج، كما أسلفنا، في فترة الثمانينيات أي قبل إنتاج فيلم «العاشقان» بأكثر من عشرين عاماً كانت متوهجة وقوية، لم تُنهكها التجارب، ولم ينل منها الزمن، وبالتالي كان التعبير عنها صادقاً والإحساس بها أصدق، ليس بسبب ضعف المستوى الدرامي أو الأداء التمثيلي، بقدر ما هو مُرتبط بالإحساس القهري إزاء المرحلة الزمنية وتفاوتها ووقعها الفعلي على البطلين.
وعلى الرغم من أن أحداث فيلم «العاشقان» وضعت ملمحاً ضمنياً لطبيعة العلاقة العاطفية والمرحلة السنية لتلاقي الطرفين الرئيسيين، الحبيب والحبيبة وارتباطهما عاطفياً على نحو تشوبه العقلانية والتريث، وتتصاعد فيه المشاعر تدريجياً، في ظل خلفية اجتماعية تبدو مُقنعة، إلا أن شيئاً ما جعل إحساساً خفياً يتسرب إلي المُشاهد بأن ما يراه محض مُراهقة مُتأخرة وليس حُباً حقيقياً!
وقد حاولت السيناريست كوثر هيكل، الاحتماء ببعض الأطروحات السياسية هرباً من فجاجة السيول العاطفية، فمررت حزمة من القضايا السياسية داخل ثنايا الموضوع الرئيسي فناقشت من بينها قضية الخصخصة، باعتبارها القضية الأهم في حينها، وأبرزت المردودات السلبية لسيطرة رأس المال على الحياة الاجتماعية وتأثيرها على الأفراد والجماعات. وكان الغرض من هذه الخلطة خلق نوع من الحيوية للأحداث بإضافة بعض المُشهيات والتوابل السياسية الحريفة، للإيهام بأن هناك أزمة وقضية عامة مُثارة غير المسألة الرومانسية المُختلقة. وقد أرادت السيناريست أن تُرضي بهذا التضمين شغف البطل نور الشريف، الذي كان يروق له في كثير من الأحيان أن يضع غطاءً سياسياً للأحداث، يميز أفلامه ويُعجب جمهوره، وفي الوقت نفسه يكون أداة جيدة لإخفاء الترهل والعيوب الفنية.
والحقيقة هنا تقتضي أن نعترف بأن الفنان نور الشريف كان يمتلك حساً سياسياً نافذاً إزاء ما يشغل الرأي العام من قضايا ومُشكلات، لكن في هذه المرة خانه التقدير، أو خانه الحظ فلم يُفلح نيشانه. وإذا انتقلنا إلى بوسي بوصفها البطلة فنستطيع أن نجزم بأن إحساسها أمام الكاميرا بنور الشريف كحبيب وبطل، لم يرق في هذه التجربة، للمرات السابقة التي تشاركا فيها البطولة، مع التسليم بأنها بذلت مجهوداً كبيراً، وحاولت الصعود بأدائها مراراً في أكثر من مشهد، لكن المشكلة تمثلت في عدم تكيفها مع الحدوتة وارتباطها النفسي بأداء نور الشريف نفسه، بوصفه المقياس ومعيار الإجادة وربما هذا ما شتت ذهنها وأبعدها نسبياً عن الشخصية التي جسدتها.
المكونات الجمالية للصورة الدرامية عند نور الشريف المخرج كانت موضع اهتمام خاص بالنسبة له، فقد جاءت موفقة من حيث الترتيب وزوايا التصوير، وحركة الكاميرا على المستوى النظري، لكنها لم تكن كذلك من الناحية التطبيقية. وفي ما يخص دور الإضاءة، فإنها كانت مُكملة لجوانب النقص في الصورة، إذ ساهمت بقدر كبير في تكثيف الإحساس بقوة الارتباط بين الحبيبين، وملء الفراغ المُتصل بالحوار المُقتضب بتعويضات أخرى من المُتعارف عليها في العلاقات الرومانسية التي كثيراً ما أفسدتها التحليلات النفسية والفلسفية، ونبرة الخطاب التعليمي في المواجهات بين البطل والبطلة، التي قفزت على منطق الحُب والتفاهم ولم تُفضِ لشيء مهم.
الألوان أيضاً تم استخدامها بشكل إيجابي مع درجات الظل المُتباينة، خاصة في المشاهد الرومانتيكية، لكنها بدت كأنها مجرد فواصل مُنبتة الصلة بالأحداث الرئيسية، تماماً كأدوار الشخصيات الثانوية التي جسدها كل من عزت أبوعوف رجل الاقتصاد الذي يُطبق نظرية المكسب والخسارة، وفق القاعدة الرقمية، وهو المناوئ لشخصية نور الشريف، الموظف الكبير الذي يرفض الخصخصة ويدافع عن حقوق العاملين. كذلك شخصية أحمد بدير التي اقتربت من الكوميديا، دون تفعيل حقيقي لها، ودور عبد المنعم مدبولي الصامت، الرجل المريض المُصاب بالزهايمر والعائش في عالم آخر يجتر فيه ذكريات الماضي، ويتأسى على ما وصل إليه حال الدنيا كأنه ينعي حظه ويتمنى الموت!
كاتب مصري