بغداد ـ «القدس العربي»: سيطر أتباع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر بالقوّة على مبنى المطعم التركي، بعد طردّ المعتصمين المدنيين المرابطين في ما بات يعرف محلّياً بـ«جبل أحد الثورة العراقية»، منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تزامناً مع توجيه الصدر لـ«أصحاب القبعات الزرق» بالتعاون مع قوات الأمن، لإعادة الدوام إلى المدارس والجامعات العراقية المُضربة عن الدوام لحين تحقيق مطالب الحراك الاحتجاجي، بالإضافة إلى منع التصعيد المتمثل بغلق الطرق والمؤسسات الحكومية.
وتأتي توجيهات الصدر بالتزامن مع تكليف رئيس الجمهورية، برهم صالح، أول أمس السبت، محمد توفيق علاوي، لتشكيل الحكومة الجديدة، خلفاً لحكومة عبد المهدي.
أحد المتظاهرين المرابطين في ساحة التحرير والمطعم التركي، قال لـ«القدس العربي»، إن «أصحاب القبعات الزرق (الصدريين)، دخلوا إلى ساحة التحرير مساء السبت (أول أمس) بأعداد كبيرة جداً، حاملين الهراوات والعصي»، مبيناً أن هؤلاء «اقتحموا مبنى المطعم التركي بالقوة، وقاموا بالاعتداء بالضرب والألفاظ النابية، على المعتصمين السلميين، وطالبوهم بترك المطعم».
وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه، أن «أتباع الصدر فرضوا سيطرتهم على المبنى بالقوة، بعد انسحاب المتظاهرين خشية من مصادمات تتسبب بسقوط ضحايا كون أن أتباع الصدر يحملون العصي والهراوات، فيما لا نمتلك نحن (المتظاهرين) سوى العلم العراقي».
وتابع: «المتظاهرون أعلنوا براءتهم من جميع ما يصدر من بيانات وتوجيهات، تُطلق من إذاعة في المبنى»، لافتاً إلى أن «أغلب المتظاهرين انسحبوا من ساحة التحرير، بعد سيطرة الصدريين عليها».
وأكد أن «أتباع الصدر سرعان ما بدأوا يهتفون بشعارات تُمجد بزعيم التيار الصدري، بالإضافة إلى رفع جميع صور شهداء الحراك الاحتجاجي والسيد علي السيستاني، وحتى العلم العراقي، من بناية المطعم».
ومضى قائلاً: «الصدريون عادوا لنصب خيامهم من جديد في ساحة التحرير ومحيطها»، منوهاً بأن «عندما أعلن تكليف محمد توفيق علاوي لتشكيل الحكومة، احتج المتظاهرون وهتفوا ضد مرشحي أحزاب السلطة، لكن أتباع الصدر سرعان ما تدخلوا وقاموا بالتجاوز على المتظاهرين».
سلمية الثورة
في الأثناء، دعا الصدر، أمس الاحد، إلى تشكيل لجان في المحافظات لإعادة الدوام الرسمي للمدارس وفتح الطرق، فيما شدد على ضرورة إرجاع الثورة إلى انضباطها وسلميتها.
وقال في «تغريدة» له، «حسب توجيهات المرجعية، ووفقا للقواعد السماوية والعقلية. لابد من إرجاع الثورة إلى انضباطها وسلميتها».
وأضاف: «أجد لزاما تنسيق القبعات الزرق مع القوات الأمنية الوطنية البطلة ومديريات التربية في المحافظات وعشائرنا الغيورة، إلى تشكيل لجان في المحافظات من أجل إرجاع الدوام الرسمي في المدارس الحكومية وغيرها، كما وعليهم فتح الطرق المغلقة، لكي ينعم الجميع بحياتهم اليومية، وترجع للثورة سمعتها الطيبة».
ودعا «المختصين إلى الإسراع في البدء بذلك»، لافتا إلى «أنني أنصح القوات الأمنية بمنع كل من يقطع الطرقات، وعلى وزارة التربية معاقبة من يعرقل الدوام من أساتذة وطلاب وغيرهم».
سيطرة الصدريين على ساحة التحرير في بغداد، لم يمنع الطلبة من الخروج بمسيرات احتجاجية وسط الميدان والشوارع والطرق المؤدية إليه، رفضاً لتكليف علاوي بتشكيل الحكومة.
ويبدو أن موقف الصدر يأتي على خلفية الرفض القاطع لمتظاهر العراق في العاصمة وعموم المحافظات الأخرى، تكليف علاوي المدعوم صدرياً بتشكيل الحكومة.
موقف متظاهري العاصمة من تكليف علاوي، جاء عبر رسالة وجهها معتصمو ساحة التحرير، مساء أول أمس، إلى كل القوى الوطنية وإلى المتظاهرين في جميع ساحات الاحتجاج بـ«الاستعداد إلى الخطوات التصعيدية المقبلة»، بعد تكليف «سلطة القمع السياسية» علاوي برئاسة الحكومة المؤقتة.
الصدر يصطف مع قوات الأمن لإنهاء إضراب الطلبة وإغلاق الطرق
وقال المعتصمون في رسالتهم «على الرغم من شروطنا التي أعلنتها ساحات الاحتجاج مرارا وتكرارا بشأن اختيار رئيس الوزراء للحكومة المؤقتة وشريطة أن يكون غير جدليا، إلا أن سلطة القمع السياسية تصر على جر البلاد إلى المجهول».
وأضاف البيان: «ها هي اليوم تثبت ذلك من خلال اختيار المرشح الجدلي محمد توفيق علاوي، لتضيف وصمة عار أخرى بتاريخها السياسي الدموي، وتركل دماءنا وتضحياتنا التي بذلناها من أجل استعادة الوطن من براثن الفساد والإرهاب والولاءات الخارجية».
وتابع، أن «ساحة التحرير وساحات الاحتجاج ترى من تكليف علاوي، ما هو إلا استهتارا جديدا بمطالبنا وصورة من صور الخراب التي جاءت بقائد حكومة القناصة المجرم عادل عبدالمهدي، وأن الدماء الطاهرة التي سالت لم تكن لأجل تغيير عبد المهدي بوزير سابق توافقت عليه الكتل».
وأردف البيان: «لذا، نوجه رسالتنا إلى كل القوى الوطنية وإلى ثوارنا الأحرار في كل ساحات الاحتجاج بالاستعداد إلى خطواتنا التصعيدية السلمية المقبلة، ليعرف الجميع أن الاستئثار بالسلطة والتغاضي عن مطالب الشعب صار منذ الأول من تشرين/أكتوبر 2019 أمرا من الماضي لن نسمح بتكراره أبدا».
كذلك، أصدرت حركات ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد بياناً رداً على تكليف علاوي لرئاسة الوزراء أعلنت فيه الرفض القاطع للأخيرة «حيث أن علاوي بعيد كل البعد ومخالف للنقاط التي أرسلناها سلفاً رئيس الجمهورية لهذا تقرر التصعيد فيما إذا تم ترشيحه عنوة وهذا يعبر عن مدى استهتار الطبقة السياسية بالتضحيات التي قدمت من قبل المتظاهرين منذ الأول من تشرين».
وبالنظر لمدنية العاصمة بغداد، وضمّها العديد من التوجهات الفكرية مثل المدنيين والليبراليين والشيوعيين والإسلاميين وغيرهم، تظهر سيطرة أتباع التيار الصدري بشكلٍ واضح، خلافاً لموقفهم في محافظات الوسط والجنوب العراقي، التي تسيطر عليها العشائر العراقية بشكل كبير، الأمر الذي يقلل من تأثير الصدر وأتباعه هناك.
عاصمة بديلة
وتعدّ ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار، «النواة البديلة» للمتظاهرين المدنيين، الأمر الذي دفع العديد من الناشطين إلى التفكير بنقل الحراك الاحتجاجي من ساحة التحرير إلى ساحة الحبوبي، لتوحيد خطاب الثورة وإبعادها عن سطوّة الصدريين.
في هذا الشأن، اقترح القيادي «المُنشقّ مؤخراً» من التيار الصدري أسعد الناصري، نقل العاصمة العراقية مؤقتا إلى محافظة أخرى، فيما دعا لعزل «الميليشيات» التي تهيمن على الدولة.
وقال في «تغريدة» على حسابه في موقع «تويتر»، «بات واضحا بما لا يقبل الشك أن الميليشيات التي تحرك خيوطها إيران، هي التي تهيمن على الدولة العراقية، مدعين الشرعية الدستورية».
وتابع: «عليه، فلابد من العمل على عزلهم، ونقل العاصمة بإرادة الشعب إلى محافظة أخرى (في إشارة إلى ذي قار) مؤقتا، وحمل المجتمع الدولي على التعامل مع هذا الخيار».
ومع بداية أسبوعٍ جديد، أنطلق الآلاف، أبرزهم طلبة، في مسيرات احتجاجية جابت أغلب محافظات الوسط والجنوب، رفضاً على تكليف علاوي تشكيل الحكومة.
ونظّم متظاهرو ساحة الحبوبي، صباح أمس، مسيرة احتجاجية، فضلاً عن إغلاق عددٍ من التقاطعات، أبرزها تقاطع البهو وسط الناصرية.
كما خرج الآلاف من طلبة الجامعات والمدارس في محافظات كربلاء وبابل وواسط والنجف والبصرة وميسان وغيرها، في تظاهرة كبيرة لرفض ترشيح علاوي لتشكيل الحكومة المقبلة.
وأعلنت ساحة اعتصام السماوة في محافظة المثنى أمس الأحد، رفضها تكليف علاوي. وقال المعتصمون في بيان «إلتزاما وتمسكا بالعهد الذي قطعناه على أنفسنا للعراق وأمهات الشهداء في ما يخص اختيار مرشح رئاسة الوزراء، فإننا نرفض رفضا قاطعا (محمد توفيق علاوي) والذي لا تتوفر فيه الشروط الموضوعة من قبل المرجعية وساحات الاعتصام لأنه مرشح الأحزاب وليس مرشح الشعب وخصوصا بعد ثبوت آلية اختياره وفق المحاصصة المقيتة»، وفقاً للبيان.
وفي النجف، قام متظاهرون غاضبون بإغلاق جميع الدوائر الحكومية، بالإضافة إلى قطع العديد من الطرق الرئيسية في المحافظة، رداً على تكليف علاوي.
ووفق مصادر صحافية، فإن المتظاهرين أغلقوا جميع دوائر الدولة – عدا الأمنية والخدمية والصحية، بالإضافة إلى قطع مدخل النجف ـ كربلاء ومدخل النجف ـ بابل، وقطع مجسر الإمام علي ومجسر الصدرين ومجسر الكراج الشمالي».
وفضلاً عن ذلك، قطع المحتجون نفق العسكريين ونفق المختار، بالإضافة إلى قطع فلكة الزهراء وفلكة السلام، ناهيك عن قطع شارع كوفة – نجف قرب المستشفى الأهلي وشارع الاسكان، بالإضافة إلى قطع شوارع فرعية أخرى.