بغداد – «القدس العربي»: جرت انتخابات مجالس المحافظات في العراق، الأسبوع الماضي، كما خطّطت الحكومة لها، رغم مقاطعة التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، وقوى سياسية ناشئة من بينها تلك التي انبثقت عن حراك تشرين الأول/أكتوبر الاحتجاجي، وفيما شكّك سياسيون عراقيون ببيانات مفوضية الانتخابات التي تحدثت عن نسبة مشاركة قدّرتها بنحو 41 في المئة، تحدثوا عن “عزوف” ملايين العراقيين عن حقهم في المشاركة بالاقتراع، وسط ترجيحات بـ”تفاقم” السخط الشعبي على الطبقة السياسية النافذة في العراق منذ 2003 وبلوغها حدّ “انهيار” النظام السياسي في البلاد.
وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، قد أعلنت أن عدد المصوتين الكلي في التصويتين العام والخاص بلغ 6 ملايين و599 ألفاً و668 ناخباً، من بين أكثر من 16.1 مليون ناخب يحق لهم التصويت.
ووثّقت مجموعة من المنظمات الحقوقية العراقية المنضوية في “تحالف الشبكات والمنظمات الوطنية لمراقبة انتخابات مجالس المحافظات” نحو ألف خرق وحادث رافق العملية الانتخابية.
وحسب تقرير التحالف، فإن “مجموع عدد الحوادث التي رصدها مراقبو التحالف في المحطات التي جرت تغطيتها أثناء عملية الاقتراع في التصويت العام، بلغ 929 حادثا”.
وأوضح التقرير، أن “عدد حوادث وجود دعاية انتخابية للكيانات السياسية أو توزيع بطاقات أرقام المرشحين داخل أو في محيط 100 متر من مركز الاقتراع، بلغ 158 حالة” مؤكدا “وجود أشخاص غير مصرّح لهم داخل محطة الاقتراع بعدد 22 حادثا”.
وأكد التحالف في تقريره “عدم انتظام عملية دخول الناخبين إلى محطة الاقتراع وفقا للتعليمات بعدد13 حالة، فيما جرى طرد مندوبي المرشحين أو وكلاء الكيانات السياسية من داخل غرف الاقتراع بعدد 20 حادثا، وأيضا جرى طرد 22 مراقبا من غرفة الاقتراع أو منعوا من دخوله أو سحبت باجاتهم (بطاقاتهم التعريفية)”.
ونوّه التقرير بأن “حوادث توقف الأجهزة لأي سبب كان عددها 42 حادثا، أما غياب بعض أعضاء المحطة الانتخابية في فترة الاقتراع، فقد بلغ 10 حالات”.
وذكر أن “عدد حالات توقف الاقتراع لفترة زمنية بلغ 24 حالة، فيما بلغت حالات عدم قراءة البصمات وإيقاف التصويت بدون بصمة (حالة التخطي) 99 حادثا”.
وخلافاً لما أعلنته المفوضية، يرى القيادي في الحزب الشيوعي العراقي، جاسم الحلفي، أن نسبة المشاركة في الانتخابات المحلية بلغت 26.7 في المئة وليس نحو 41 في المئة، لافتاً في الوقت عينه إلى إن نسبة المقاطعين والعازفين عن الانتخابات بلغت 73.3 في المئة.
الحلفي ذكر في سلسلة “تدوينات”، أن “النسبة التي أعلنتها المفوضية 40.84 في المئة، هي ليست صحيحة إطلاقا، حيث أهملت (8.508.293) ناخب قاطع الانتخابات وعزف عن المشاركة فيها، بحيث لم يراجع المفوضية للتسجيل البايومتري (تحديث البيانات) فما اعتمدته المفوضية في حساباتها هو (16.158.788) ناخب فقط، اللذين صدرت لهم البطاقة البايومترية”.
وأوضح أنه “لم تبذل المفوضية ولا الحكومة جهدا لتحليل أسباب عدم مراجعة ثمانية ونصف مواطن للتسجيل البايومتري، وقد ضمنت المادة الدستورية 20 حقهم الانتخابي، حيث نصت (للمواطن رجالا ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتّع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح)”.
واعتبر أن “اشتراط البطاقة البايومترية هي مادة قانونية لتنظيم عملية الاقتراع، لا تلغي أصل الحق، لذا كان يجب على المفوضية والحكومة بذل الجهد لمعرفة الأسباب التي حالت دون مراجعة ثمانية ونصف مواطن للحصول على بطاقتهم البايومترية، هل هو مقاطعة أم عزوف وعدم اكتراث؟”.
ورأى الحلفي أن اتساع حجم المقاطعة والعزوف “يؤشر تراجع الثقة الكبير بالعملية السياسية ومنهجها في المحاصصة وتدني مستويات الثقة بالآليات التي تتبعها لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية، ما يتطلب التوقف عند ذلك وتحليله، ودراسة ظاهرة العزوف والمقاطعة المتزايدة، التي تعبر عن مزاج شعبي ساخط، غير راضٍ، وغير مكترث، وممتعض، ومعترض على أداء طغمة الحكم، حيث الفساد والمحاصصة والبطالة والاقتصاد المشوّه وفقدان العدالة الاجتماعية، واحتكار السلطة، والاستحواذ على موارد الدولة”.
وذكر أيضاً أن “الشعب الذي عزف عن المشاركة في الانتخابات، لن يصبر طويلاً على الضيم الذي لحق به، وحين لن يجد له تعبيراً حقيقياً في المجالس التشريعية وفي الحكومة التنفيذية وفي ظل أزمة المعيشة التي تطحن بالكادحين والفقراء والمهمشين، سيلجأ إلى أساليب أخرى للتعبير عن إرادته الحرة، والدفاع عن حقه بالعيش الكريم، وقد يكون أسلوبه في التعبير عن كل الحرمان الذي لحق به، ثورة سلمية شعبية واسعة، تقودها معارضة شعبية يتوقع انتظامها، وتهدف إلى تغيير موازين القوى لصالح الشعب وحقوقه في العدالة والانصاف والعيش الكريم”.
وأوضح أن “انتخابات تجري في ظل عدم تطبيق قانون الأحزاب، وعدم حصر السلاح بيد الدولة، وإدارة انتخابية منحازة إلى الخطاب الإعلامي المراوغ الذي يجيده المتنفذون، وقانون سانت ليغو (خاص بتوزيع المقاعد) غير عادل، لا يمكن ان تنتج عنه انتخابات نزيهة، ولن تقنع الشعب بعدالة التمثيل”.
على المستوى ذاته، وثّق حزب “البيت العراقي” المعارض، نموّاً في حالة الإحباط الشعبي من النظام الحاكم في العراق، معتبراً أن الانتخابات المحلّية أظهرت توسّعاً في الفجوة بين الطبقة السياسية والشعب.
وذكر الحزب في بيان صحافي، إنه “في الوقت الذي نجدد فيه تأكيدنا على أن مقاطعة الانتخابات خيار دستوري، يقع ضمن خانة الحقوق والحريات السياسية، إلا أن النسب المتدنية للمشاركة الشعبية في انتخابات مجالس المحافظات، كشفت نمو حالة الإحباط من النظام السياسي الحاكم بشكله ومعادلته الحالية”.
وأضاف: “لم تنجح الحملات الإعلامية الضخمة وملايين الدولارات التي أنفقتها أحزاب السلطة في دفع العراقيين نحو صناديق الاقتراع، ما يوضح لنا عمق الهوة ما بين الطبقة السياسية الحاكمة والشعب، وهذه الحالة تؤسس لمرحلة انفصال كامل عن المنظومة السياسية، ونأسف أن نقول، إن هذا الانفصال لا يستثني القوى المدنية والتشرينية على حد سواء”.
وعدّ أن “النسب الضئيلة للمشاركة، تستدعي الانتباه إلى المراحل المقبلة، ولابد من النظر إلى أن العزوف والجفاء عن الانتخابات يؤدي تدريجياً إلى (البراءة الشعبية) التي تقترب إلى التجذر كل يوم، في ظل تكاثر أباطرة المال والسلاح، وهذه الثقافة إذا ما تعززت فإن معالجتها غاية في الصعوبة”.
وعلى الرغم من ذلك، عبّر الحزب عن أمله في أن “يمضي الفائزون بالانتخابات في سبيل تحقيق تعهداتهم الخدمية للعراقيين، وألا يكونوا جزءاً من تبويب المال السياسي لصالح جيوب الفاسدين، بدل انصرافهم لدعم مفردات الحكم الرشيد ومبادئ الديمقراطية”.
ويعتبر التيار الصدري، من أبرز القوى السياسية التي أعلنت موقفها المقاطع للانتخابات المحلية، إذ تقدم الصدر بـ”الشكر للمقاطعين” تزامناً مع إعلان المفوضية النتائج.
وحسب القيادي في التيار الصدري حيدر المنصوري، فإن المعارضة الشعبية أثبتت للعالم إنها قادرة على “ضرب الأحزاب الحاكمة الفاسدة بنخاعها السياسي (الانتخابات)” مستدلّاً بذلك على أن “عدد الناخبين الشيعة في انتخابات 2021 كان يلامس الـ 6 ملايين ناخب أما في مجالس المحافظات 2023 انخفض إلى 3 ملايين ناخب، وسينخفض أكثر في 2025 إذا لم نقل إنه لن تجري انتخابات تحت ظل وجود هذه الأحزاب الفاسدة”.
وأضاف في تصريحات لمواقع إخبارية محلّية أن “مشروع الديمقراطية الأمريكية بدأ ينهار في العراق وسط هذه المقاطعة والمعارضة الشعبية الواسعة”.