لا يزال زعيم التيار الصدري متمسكّاً بصمته واعتزاله العمل السياسي، ولم يبد أيّ موقف إزاء اختيار رئيس الجمهورية الجديد، وتكليف مرشح غريمه «الإطار» لتشكيل الحكومة.
بغداد ـ «القدس العربي»: بدأ العدّ التنازلي أمام رئيس الوزراء العراقي المكلّف محمد شياع السوداني، لتشكيل حكومته بالتوافق مع الأحزاب والشخصيات السياسية، خلال مدّة لا تتعدى الـ 30 يوماً لإعلان أسماء وزراء كابينته، وفيما ينتظر الشارع العراقي تنفيذ جمّلة الوعود والتعهدات التي أطلقها السوداني، تترقب الأوساط السياسية موقف زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذي لا يزال متمسكّاً بصمته و«اعتزاله» العمل السياسي، ولم يبد أيّ موقف إزاء اختيار رئيس الجمهورية الجديد، عبد اللطيف رشيد، وتكليف مرشح غريمه «الإطار التنسيقي» لقيادة دفّة الحكم في العراق.
وفي جلسة برلمانية عُقدت تحت وابل «الصواريخ» صوّت مجلس النواب العراقي، الخميس الماضي، على اختيار عبد اللطيف رشيد، رئيساً لجمهورية العراق، خلفاً لبرهم صالح، فيما كلّف الأخير، مرشح «الإطار» النائب محمد شياع السوداني، لتشكيل الحكومة الاتحادية.
ويمنح الدستور العراقي، رئيس الوزراء المكلّف، مدّة 30 يوماً لتأليف كابينته الوزارية، تبدأ وقت تكليفه رسمياً.
الخبير القانوني المستشار سالم حواس، رأى أن المدد الدستورية المقررة في الدستور وفق المادة 76 هي «سقوف زمنية عليا» وبإمكان رئيس الوزراء المكلف اختزالها للتعجيل بتشكيل الحكومة .
وأضاف في بيان صحافي، أنه «طالما ان رئيس الجمهورية المنتخب قد كلف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بعد انتخابه مباشرةً، فهو بذلك قد اختزل مدة الخمسة عشر يوماً، وهي مدة التكليف المقررة دستورياً» .
وأكد أن «بإمكان الرئيس المكلف (السوداني) تسمية أعضاء وزارته- ان لم تكن مسماة مسبقاً- خلال أيام معدودة قبل مضي مدة الثلاثين يوماً بعد الخمسة عشر يوماً التي تم تجاوزها، ليختزلها أيضاً كحد أعلى مسموح له بها ليكسب بذلك أمرين؛ أولهما الإسراع بتشكيل الحكومة قبل انتهاء المدد المقررة، وثانيهما تفويت حالة الاخفاق الدستوري التي ينتظرها ربما الكثيرون» .
وأشار إلى أن «الأمر لا يخلو من تحديات وصعوبة في المرحلة القادمة، من حيث اجتماع مجلس النواب وحصول نصاب الأغلبية المطلقة (النصف زائد واحد 165 نائباً) للتصويت على المنهاج الوزاري وعلى الوزراء منفردين ليُعد حائزاً على ثقتها».
وأمام السوداني 30 يوماً حتى يقدم كابينته الوزارية والمنهاج الوزاري، لعرضهما على مجلس النواب، وفقاً لنصّ المادة 76 من الدستور العراقي.
ويقول الخبير القانوني العراقي، علي التميمي، إنه «يعمد رئيس مجلس الوزراء المكلف بعرض أسماء كابينته الوزارية ومنهاجه الوزاري خلال مدة الثلاثين يوما على مجلس النواب، ويعد حائزا على ثقة البرلمان عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري بالاغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب القانوني».
وأشار في بيان صحافي إلى أنه «إذا لم يستطع رئيس الوزراء المكلف وأخفق في تقديم كابينته الوزارية والمنهاج الوزاري خلال مدة الثلاثين يوما، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح جديدا بدلا من المكلف الذي أخفق». وتابع: «إذا لم يصوت البرلمان على الوزراء أو على المنهاج الوزاري يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح آخر بدل المكلف الذي لم يتم التصويت عليه».
ووفقاً للخبير القانوني فإن «من يكلفه رئيس الجمهورية إذا أخفق المكلف السابق أو لم يصوت عليه ولا على كابينته البرلمان، هو يكون من ذات الكتلة الأكثر عددا والتي حددت ابتداء، لأن عمومية النص الواردة في المادة 76 من الدستور قد حددت بالصفة بأول ترشيح من قبل رئيس الجمهورية، حيث حددها الدستور بأنها الكتلة الأكثر عددا وبالتالي فإن أي مرشح يكون منها وهذا ينسجم مع طبيعة النظام البرلماني والسياق الديمقراطي».
ولفت إلى «قرار للمحكمة الاتحادية لسنة 2010 والمرقم (93) لم يوجب على رئيس الوزراء المكلف أن يسمي جميع أعضاء وزارته سواء أكانوا أصالة أو وكالة، وإنما يمكن أن يكونوا على شكل دفعات، وكما يمكن لمجلس النواب الموافقة على المنهاج والوزراء خارج المدة المنصوص عليها في الدستور».
ويعدّ السوداني شخصية جدلية لدى الشارع العراقي، ففيما لم يُسجّل عليه أيّ ملف فساد طول المدة الماضية التي شغل فيها مناصب حكومية ووزارية رفيعة، يقف المعترضون على تكليف السوداني عند نقطة أساسية تتمثل بأن الأخير وليد أحزاب سياسية توالت على حكم البلاد طوال السنوات الماضية.
في هذا الشأن، يقول الكاتب والمحلل السياسي العراقي، علي البيدر، إن «السوداني يمتلك نوايا طيبة، وهو أول شخصية من عراقيي الداخل ويعيش معاناة العراقيين» مبيناً أن «ذهنية شخصيات رئاسات الوزراء السابقين هي ذهنية الخارج، بكونهم كانوا معارضة ولم يعيشوا كثيرا من معاناة العراقيين التي شهدوها إبان الحرب العراقية الإيرانية وظروف الحصار. هذا الأمر يجعل السوداني يفكر بما يفكر به العراقيون».
وأضاف في حديث لـ«القدس العربي» أن «السوداني تواجد في 10 مواقع مهمة في إدارة الدولة العراقية بعد 2003 ولا توجد أي قضية فساد ضدّه خلال المرحلة الماضية».
ورأى أن نجاح السوداني في مهمته (تشكيل الحكومة وإدارتها فيما بعد) يتوقف على «برنامجه الحكومي وإرادته في تنفيذه، لكن العقبة الأبرز في هذا الطريق تتمثل في اعتراض الكتل السياسية على برنامجه كونه يضر بالكثير من الكتل السياسية» حسب وصفه.
وعدّ الكاتب والمحلل السياسي العراقي، أن أبرز العقبات التي قد تعترض طريق السوداني هي «فرض شخصيات وزارية في كابينة السوداني، الأمر الذي يمهد لأزمة جديدة تتمثل بغياب الانسجام بين رئيس الوزراء وحكومته».
وأعلن السوداني، في كلمة متلفزة وجهها للشعب العراقي عشيّة تكليفه، استعداده «للتعاون مع جميع القوى السياسية والمكونات المجتمعية، سواءٌ المُمثَّلةُ في مجلس النواب أو الماثلةُ في الفضاء الوطني، فالمسؤوليةُ تضامنيةٌ يتحملُها الجميع، من قوى سياسية ومنظمات مِهْنية وقَطّاعية ونخب وكفاءات وقادة رأي، فنحنُ أبناءُ وطن واحد، وإخوةٌ في الشدة والرخاء».
وأضاف: «لنْ نسمحَ بالإقصاء والتهميش في سياساتنا، فالخلافاتُ صدّعتْ مؤسسات الدولة وضيعتْ كثيراً من الفرص على العراقيين في التنمية والبناء والإعمار، وهنا أُعلنُ الرغبةَ الجادّةَ في فتح باب الحوار الحقيقيّ والهادف؛ لبدء صفحة جديدة في العمل لخدمة أبناء شعبِنا وتخفيف معاناته بتعزيز الوحدة الوطنية، ونبذ الفرقة، وشَطب خطاب الكراهية».
وتعهد السوداني ببذل قصارى جهده في «تأليف حكومة قوية وعازمة على تنفيذ أهدافِها وبرنامجِها من خلال تآزر القوى السياسية بترشيح شخصيات كفوءة ومهنية ونزيهة قادرة على إنجاز مسؤولياتِها، فانتظارُ شعبنا لهذه اللحظة المهمة قد طالَ كثيرا، وأثقلَ كاهلَهُ وزادَ من معاناته، خصوصاً أبناءَ الطبقتين الوسطى والفقيرة اللتين كانتَا الأكثر تضرّرا خلال السنوات الماضية».
وأوضح رئيس الوزراء العراقي المكلّف أن «عملَنا سيبدأُ منَ ساعات التكليف الأولى وفقَ برنامج حكومي واقعي يتبنى إصلاحات اقتصاديةً تستهدفُ تنشيطَ قطاعات الصناعة والزراعة ودعمَ القطاع الخاص وتنويعَ مصادر الدخل ومعالجةَ الآثار البيئية والتصحر والتغيُّر المناخي وحمايةَ الموارد المائية».
وأكد أن «حكومةَ الخدمة عازمةٌ على غلق منافذ الفساد عبرَ القوانين والتشريعات الصارمة، بالتعاون مع السلطتين التشريعية والقضائية» لافتاً إلى أن «محاربةَ الفساد ستكونُ في مقدمة أولويات الحكومة، وندعو الجميعَ إلى تحمُّل المسؤولية والمشاركة في حملة وطنية شاملة في مكافحة الفساد».
ورغم موافقة أغلب القوى والشخصيات السياسية (شيعية وكردية وسنّية) على تكليف السوداني بتأليف الحكومة، غير أن زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، يعدّ المعترض الوحيد على السوداني.
وتترقب الأوساط السياسية ردّة فعل الصدر على مضي «الإطار» وحلفائه في خطوات تشكيل الحكومة الجديدة، وما يمكن أن تمثّله من تصعيد محتمل.
غير إن البيدر رجّح تقديم «ضمانات للصدر بأن لا تكون هذه الحكومة لدورة برلمانية كاملة، وسيكون (تيار الصدر) مشاركاً فيها بطريقة أو بأخرى».
ورأى إنه «لولا تلك المعطيات لما تجرأ البرلمان على عقد جلسة وتمرير رئيس الجمهورية تسمية مرشح الكتلة الأكبر. كل هذه الأمور تعدّ مستفزّة للصدر» مشيراً إلى إن «صمت الصدر مشروط ومن الممكن أن يخرج عن صمته».